نتنياهو كاد يتراجع عن «اتفاق أبراهام» لإصرار الإمارات على تجميد «الضم»

بحسب كتاب «سلام ترمب» لباراك رافيد

ترمب ونتنياهو يتوسطان وزيري خارجية الإمارات والبحرين خلال توقيع «اتفاق أبراهام» في البيت الأبيض في سبتمبر 2020 (إ.ب.أ)
ترمب ونتنياهو يتوسطان وزيري خارجية الإمارات والبحرين خلال توقيع «اتفاق أبراهام» في البيت الأبيض في سبتمبر 2020 (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو كاد يتراجع عن «اتفاق أبراهام» لإصرار الإمارات على تجميد «الضم»

ترمب ونتنياهو يتوسطان وزيري خارجية الإمارات والبحرين خلال توقيع «اتفاق أبراهام» في البيت الأبيض في سبتمبر 2020 (إ.ب.أ)
ترمب ونتنياهو يتوسطان وزيري خارجية الإمارات والبحرين خلال توقيع «اتفاق أبراهام» في البيت الأبيض في سبتمبر 2020 (إ.ب.أ)

كشف الكاتب الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، مؤلف كتاب «سلام ترمب... اتفاقيات أبراهام والانقلاب في الشرق الأوسط»، الذي عرض أمس في المكتبات، وصدر عن دار النشر التابعة لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن رئيس الوزراء السابق، بنيامين نتنياهو، حاول الانسحاب من اتفاق تطبيع العلاقات مع الإمارات، قبل يوم واحد من إعلان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، عنه.
والسبب في تردده، هو الإصرار الإماراتي على تجميد مخطط ضم مناطق من الضفة الغربية لإسرائيل. وبذلك، دخل في أزمة مع غالبية طاقم الرئيس، وجرت اتصالات درامية بين البيت الأبيض ومكتب نتنياهو، حتى اضطر إلى المضي قدماً في الاتفاق (الاتفاق الإبراهيمي).
وقال رافيد، إن الاتصالات بين الطرفين بلغت حد التوتر والتهديد. وإن مبعوث البيت الأبيض لعملية السلام، آفي بيركوفيتش، حذر نتنياهو قائلاً: «ترمب لا يحبك هذه الأيام» و«أنت تدفع الرئيس للتغريد ضدك في (تويتر)». وقال له إن صهر الرئيس وكبير مستشاريه جاريد كوشنير «يكن مشاعر غير جيدة تجاهك». وحذره: «أنت تأخذ أهم صديق لك في العالم وتحوله إلى عدو. ولم يعد بإمكان ديفيد مساعدتك (يقصد السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان، الذي كان يعتبر بوق إسرائيل في طاقم الرئيس)».
وأكد رافيد أن سبب تراجع نتنياهو عن الاتفاق، يعود إلى نتائج استطلاعات الرأي التي بيّنت أنه سيخسر الانتخابات القريبة. وقد كان يومها قد تسلق إلى شجرة عالية في موضوع الضم، وأعلن أنه سيصدر قراره في ضم أراضي غور الأردن وشمال البحر الميت، أي ما يعادل 30 في المائة من مساحة الضفة الغربية، في أول يوليو (تموز) 2020. لذلك فكر في التراجع، أو الضغط على الإدارة الأميركية، حتى ترفض ضغوط الإمارات بشأن إلغاء مشروع الضم. من الجهة الثانية، كانت الإمارات تمارس ضغوطاً لا تقل شدة، وتربط بشكل وثيق بين إلغاء الضم أو إلغاء اتفاق التطبيع. وقد استغرب مسؤولون في البيت الأبيض ممن كانوا مطلعين على الأحداث، كيف يمكن أن يغلّب نتنياهو الاعتبارات السياسية الحزبية على حدث تاريخي كهذا.
وفي كواليس الصراع حول الموضوع، يكشف رافيد أن الإدارة الأميركية من جهة والمسؤولين في الإمارات من جهة ثانية، اعتبروا الضم خطوة أحادية مدمرة للفرص السانحة بتغيير الأوضاع في الشرق الأوسط. وقد شجعهم على المضي قدماً في موقفهما والإصرار عليه، تأييد رئيس الحكومة البديل وزير الدفاع، بيني غانتس، الذي كان يعارض الضم.
ويؤكد رافيد أن المسؤولين في البيت الأبيض الذين التقاهم خلال هذه السنة، وبينهم الرئيس ترمب، أوضحوا أنهم لم يكونوا متحمسين لمخطط الضم، وترمب كان منشغلاً بمواضيع أهم بالنسبة له، إذ كان قلقاً من تراجع شعبيته في الاستطلاعات أمام المرشح الديمقراطي، جو بايدن، كما أن المظاهرات ضده على خلفية انتشار فيروس كورونا جعلت الوضع في واشنطن متوتراً جداً.
في حينه، أعلنت الأردن أن تنفيذ مخطط الضم سيقوض اتفاقية السلام مع إسرائيل. وفي موازاة ذلك، نشر سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، مقاله الشهير على الصفحة الأولى من صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أكد فيه بوضوح أن «إسرائيل لا تستطيع تنفيذ الضم وفي الوقت نفسه تطبيع العلاقات مع دول عربية». وجاء هذا المقال صفعة لنتنياهو، الذي كان يصرح بأن العالم العربي لا يعارض مخطط الضم.
ويشير رافيد في الكتاب إلى أن نتنياهو غضب جداً من مقال العتيبة، وأن السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون درامر، هاتف العتيبة «ورفع صوته في المكالمة قائلاً إنه لا مفر أمام نتنياهو الآن سوى أن يقرر الضم».
ويكشف رافيد أن العتيبة كان قد حضر إلى منزل كوشنير، في شهر مارس (آذار) من العام 2019، قبل أسبوع من الانتخابات للكنيست. وأبلغه أن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد «مستعد للتقدم نحو تطبيع علاقات مع إسرائيل، على أن يتم ذلك في أعقاب تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة بعد الانتخابات. إلا أن نتائج هذه الانتخابات، وكذلك التي تلتها، لم تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة. وفي 29 مايو (أيار) 2019 وصل كوشنير إلى المسكن الرسمي لرئيس الحكومة الإسرائيلية، من أجل لقاء نتنياهو؛ حيث أبلغه بقرار الإمارات بشأن التطبيع، إلا أن نتنياهو لم يهتم، إذ كان يفكر بالحملة الانتخابية المقبلة».
وفي العودة إلى مخطط الضم، يشير الكتاب إلى أن السفير الأميركي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، كان الوحيد في البيت الأبيض الذي يؤيد الضم. لكن كوشنير طلب من فريدمان تخفيف الضغوط، وأبلغه: «أنت موجود على بُعد 10 آلاف كيلومتر ولا تدرك ماذا يحدث في واشنطن. لدينا (كورونا). وهناك الانتخابات (الرئاسية الأميركية). والضم ليس الأفضلية الأولى للرئيس الآن».
بيد أن فريدمان استمر بدفع الضم وطلب لقاء مع ترمب لبحث الموضوع. وفي 24 يونيو (حزيران)، أي قبل أسبوع من موعد إعلان نتنياهو عن الضم، التقى فريدمان مع ترمب الذي كان مزاجه سيئاً وغاضباً من تصرفات نتنياهو، الذي جعل من خطة «صفقة القرن» دعاية انتخابية لصالحه. قال ترمب للسفير، إنه فعل من أجل إسرائيل أكثر من أي رئيس آخر، في إشارة إلى اعترافه بسيادة إسرائيل في الجولان والقدس المحتلة ونقل السفارة الأميركية إليها.
في نهاية اللقاء، قال ترمب إنه لا مشكلة لديه بدفع مخطط الضم، وطالب وزير الخارجية، مايك بومبيو، بأن يتخذ القرار، لكنه أردف: «عليكم أن تعلموا أمراً واحداً... إذا حدث أمر ما سيئ نتيجة لذلك فأنتم تتحملون المسؤولية». وتم الاتفاق على سفر فريدمان ومبعوث البيت الأبيض، آفي بيركوفيتش، إلى إسرائيل، من أجل لقاء نتنياهو وغانتس، ومحاولة التوصل إلى تفاهمات حول مخطط ضم متفق عليه، أو إزالة الموضوع عن الأجندة إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. وأبلغ كوشنير، بيركوفيتش، أن أي قرار بشأن الضم يجب أن يحصل على مصادقة أميركية، وأن يشمل تعويضاً للفلسطينيين. ويقتبس الكتاب من كوشنير: «قلت لنتنياهو إن الهدف هو تطبيق خطة ترمب، وليس تنفيذ خطوة ضم أحادية الجانب».
وبحسب الكتاب، فإن نتنياهو هدد بالتقدم في خطوة الضم في الضفة الغربية وبدون ضوء أخضر من البيت الأبيض. وفي لقاء آخر عُقد بعد يومين، قال نتنياهو لفريدمان وبيركوفيتش، إنه يريد ضم 13 في المائة من مساحة الضفة الغربية، بحيث تشمل المستوطنات، ورفض منح الفلسطينيين أي شيء. وإن كوشنير وبيركوفيتش كانا محبطين وقررا طرح اقتراح على نتنياهو، يتمثل بقرار الإمارات تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وفي اليوم التالي، عاد بيركوفيتش وسأله إذا كان سيوافق على التراجع عن الضم مقابل تطبيع علاقات مع الإمارات. وقد بدا نتنياهو متشككاً.
وفي الأول من يوليو، عاد بيركوفيتش إلى واشنطن، وتلقى اتصالاً من العتيبة، الذي «طرح إمكانية ألا تنفذ إسرائيل الضم مقابل تطبيع علاقات مع إسرائيل». وبدأت مفاوضات بعد عدة أيام، بحيث كان العتيبة عن الجانب الإماراتي، ودرامر عن الجانب الإسرائيلي، بوساطة كوشنير وبيركوفيتش، ولكنها كانت مفاوضات غير مباشرة، لأن الإمارات اشترطت أن يتعهد نتنياهو لترمب، وليس لها فقط، بوقف مخطط الضم. وخلال المفاوضات، طلب نتنياهو تغيير شروط الصفقة، وقال إنه سيوقف مخطط الضم، فقط، في حال وافقت 3 دول عربية على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وليس الإمارات وحدها، «وإلا فإن هذا ليس مجدياً لنا». وأثار الردّ الإسرائيلي غضب كوشنير، بحسب الكتاب، الذي قال لبيركوفيتش: «قُل لرون إن دولة واحدة هي كل ما سيحصل عليه، وإذا كان لا يريد فليذهب إلى الجحيم». وانتهت المفاوضات باتفاق، في 26 يوليو.
لكن بعد أسبوع، فوجئ البيت الأبيض بتصريح نتنياهو خلال اجتماع لكتلة الليكود في الكنيست، بأنه لم تتم إزالة مخطط الضم عن الأجندة.
وتقرر إجراء محادثة تليفونية بين ترمب ونتنياهو وبن زايد، في 13 أغسطس (آب) وإصدار بيان بشأنها. غير أن نتنياهو تراجع قبل يوم واحد. فقد اتصل ديرمر مع بيركوفيتش، وأبلغه بأن كل شيء ألغي. وقال إن «رئيس الحكومة ربما سيتوجه إلى انتخابات، ولا أعرف إذا كنا سنتمكن من صنع هذا الاتفاق».
وقال كوشنير بغضب شديد لطاقمه: «قولوا للإسرائيليين سننفذ ذلك، وسوف يشكروننا لاحقاً». وهاتف فريدمان من واشنطن مكتب نتنياهو، وصرخ على مستشاريه، ثم هاتف درامر وأبلغه: «رون، هذا سيحدث غداً. ولا خيار أمامكم». وحسب الكتاب، فإن نتنياهو فهم الرسالة، وبعد ساعات استأنفت الأطراف التحرك بموجب الخطة.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.