جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

الروائي السوري الكردي يرى في تعدد الهويات قرباً من النزعة الإنسانية

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض
TT

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

جان دوست: كتاباتي مزيج لخيالين وثقافتين منفتحتين بعضهما على بعض

يشكل سؤال الهوية مرتكزا أساسيا للصراع في أغلب أعمال الروائي السوري الكردي جان دوست، فهو يعتبر أن إحدى مهامه كمبدع البحث عن حلول جمالية ترد الاعتبار لقضية مهمشة تواطأ كثيرون ضدها هي قضية الأكراد. في ظلال هذا الصراع جاءت روايته «كوباني» مثل صرخة ضد الدم والمجازر، أما أحدث رواياته «مخطوط بطرسبرغ» فتقتفي أثر مخطوط حقيقي يلقي الضوء على تاريخ مسكوت عنه للأكراد عبر دهاليز التاريخ ومسارات الجغرافيا. هنا حوار معه حول هذه القضايا وكتاباته التي تمزج بين الثقافتين الكردية والعربية.

> في روايتك الأخيرة «مخطوط بطرسبرغ»، يبحث الراوي في إحدى المكتبات بمدينة موسكو عن مخطوط بالكردية لكاتب مجهول... فاتحاً أفق السرد على عالم الأكراد في القرن التاسع عشر... هل هو نص عن التاريخ أم الحنين والهوية؟ ألا ترى أن فكرة البحث أو العثور على مخطوط نادر أصبحت مستهلكة؟
- أعتبر هذا العمل محاولة للخوض في التاريخ الذي رسم للكُرد أقدارهم السوداء. وظل يحاصرهم ويلاحقهم حتى جردهم من عباءة الحرية. في هذه الرواية يمكن الاهتداء إلى بعض الخيوط التي تؤدي بالقارئ إلى العثور على العلة الكامنة التي جعلت الكرد خارج التاريخ.
صحيح أن فكرة البحث عن مخطوط أو كتاب غابر أصبحت ثيمة أثيرة لدى العديد من مشاهير الرواية في العالم، إلا أن روايتي تتحدث عن مخطوط حقيقي ضاع أثره، مخطوط جمع بين دفتيه جزءاً مهماً من التاريخ الكردي. ربما تتقاطع بعض الأفكار وأساليب السرد بين رواية وأخرى، لكنني في الحقيقة لست مهتماً بالسير وراء «الموضة الأدبية». علاقتي بالتاريخ علاقة قديمة، وقد كتبت أولى رواياتي الشعرية وأنا شاب صغير وكانت رواية تنهل من التاريخ.
> في روايتك «عشيق المترجم»، بدا للبعض أنك متأثر بأجواء رواية إليف شافاك الشهيرة «قواعد العشق الأربعون»، كيف ترى الأمر؟
- أرى الأمر مختلفا كلياً. «عشيق المترجم» رواية لا تشبه «قواعد العشق» إطلاقا، ربما كانت روايتي «ميرنامه» أقرب إلى رواية إليف شافاك المذكورة، فبينهما خطوط مشتركة كثيرة، وللعلم صدرت «ميرنامه» قبل صدور «قواعد العشق الأربعون».
> وصفت كتابة روايتك «كوباني» التي تتناول مأساة تلك المدينة السورية على يد «تنظيم داعش» بأنها كانت حتمية، وإلا لكان البديل الانتحار أو الجنون... هل تعتبر الكتابة نوعاً من أنواع العلاج النفسي للمؤلف أحياناً؟
- بعد معركة «كوباني» وما تلاها من مأساة النزوح ثم خراب المدينة بعد تحريرها ثم المجزرة، رأيت أنني بحاجة إلى صرخة عالية أفرغ بها كل الغضب والحزن الذي أحاط بي وأنا أشاهد مدينتي تتعرض لكل ذلك المحو. جاءت تلك الصرخة على شكل رواية من خمسمائة صفحة. وبالفعل شعرت براحة عميقة بعد أن كتبت آخر كلمة في الرواية. الكتابة نوع من العلاج الروحي. هذا صحيح. كما أنها تحرير للعقل الباطن الذي يسبب بقاؤه سجيناً مقيداً آلاماً نفسية عميقة.
> لكن بدا صادماً للبعض في تلك الرواية وصفك للإرهابي الداعشي بأنه ضحية... كيف ترى الأمر؟
- هناك فئة انضمت إلى «داعش» مدفوعة بغيرتها على الدين. لم تميز هذه الفئة حقيقة هذا التنظيم الإرهابي الأسود. شخصية الداعشي زياد في رواية كوباني تنتمي إلى هذه الفئة. وقد فصلت في خلفية هذه الشخصية، وكيف أن العنف المنزلي وغياب التربية الصحيحة منذ الطفولة تخلق تشوهات كبيرة في النفس تستغلها المنظمات المتطرفة لصالحها، إذ تجذب أصحاب الأرواح المهزوزة إليها بسهولة.
> بعد كتابة أربع روايات بالكردية اتجهت للكتابة باللغة العربية... كيف كانت المبررات؟
- المبررات كتبتها في مقدمة رواية «دم على المئذنة»، وعموما أنا أتقن العربية تماماً مثل لغتي الكردية، بل ربما أكثر منها، فهي تجذبني بقوة إلى ملكوتها الواسع، لكنني كنت أصدها، أقاوم إغراءها الكبير خشية الغرق في لذائذ عمقها اللانهائي. اللغة العربية حسناء خارقة الجمال تراودني عن نفسي وتسحرني بفتنتها. كلما اشتد علي الكرب وشعرت بعجز لغتي في التعبير عن النار التي تتقد بين ضلوعي، لكن لغتي الكردية التي شغفت بها وعملت على النبش في طبقاتها تلالها والغوص في أعماقها كانت تمنعني كل مرة من الافتتان بالعربية والوقوع في أحابيلها فأصدها وأكبت ما بداخلي في أتون قلبي. لقد وقعت في حقل جاذبية لغتين مختلفتين، إحداهما لغة أبي وأمي وإخوتي وأترابي في ملاعب الطفولة وعلى مقاعد الدرس، لغة أول فتاة أحببتها، لغة قلبي وأحلامي وكوابيسي وهذياناتي ورواياتي وأشعاري. والثانية لغة كتبي الأولى ويومي الأول في المدرسة، لغة ديني وقرآني الذي كانت أمي تتنسم بحروفه المقدسة البلسم والشفاء، لغة الكتب التي عجت بها مكتبة جدي وأعمامي وأبي الشيخ فكانت أول ما تراه عيناي في هذه الدنيا من كائنات ورقية. كان السؤال الذي يؤرقني هو ماذا أفعل بمخزوني من هذه اللغة الفاتنة، الضرة القوية للغتي؟ ماذا أصنع بما تراكم لدي من عشرات آلاف الجمل والعبارات التي ترسبت في قاع خيالي مثل مياه جوفية تننظر أن تشق طريقاً للأعلى لتنفجر كينبوع مقدس؟ ألا أخونها وأخون من يتكلم ويقرأ بها حين أضن بما عندي من فيضها وأحبسها في قعر الذاكرة العميق؟
> هذا الخيار جعل بعض المثقفين الأكراد يتهمونك بخيانة قوميتك حين «تنكرت» – على حد تعبيرهم - للكتابة بالكردية و«فضلت» العربية عليها؟
- الفكر القومي الضيق لا يمكن أن يأتي بمعرفة حقيقية. ولا ينتج عنه سوى الانغلاق على الذات والمزيد من التقوقع الذي يمنع أي تقدم. واللغة ليست سوى وسيلة للتعبير تماماً مثل العزف. يمكن للعازف أن يختار الآلة التي تناسبه. وبطبيعة الحال لم أتنكر للغتي بل ما زلت أكتب بها وأعتبر الكتابة بها قضية مركزية لحماية الذات والأنا المهددة. كنت أكتب بالعربية كتبي البحثية وترجماتي، لكني نأيت بنفسي عن الإبداع بالعربية أي كتابة الشعر والرواية وأي جنس أدبي آخر. لم أفعل شيئا سوى أنني وسعت الأفق الذي كنت أرنو إليه، وصار مجال الرؤية عندي أكبر.
> ما الفرق بين إبداعك بالكردية ونظيره بالعربية؟
هناك فرق بلا شك من ناحية القاموس والمفردات والخيال والتراكيب والمنابع التي أنهل منها. لكني - وأقولها بفخر - نجحت في توليد مناخات روائية خاصة هي مزيج خيالين كردي وعربي، مزيج ثقافتين ولغتين وفضاءين معرفيين مختلفين. ما جرى لي أشبه بعملية تطعيم الأشجار التي يقوم بها مزارع خبير، وتأتي النتيجة على شكل أشجار تثمر أنواعاً عديدة من الثمار.
> على ضوء ذلك كيف ترى سؤال «الهوية»؟ وهل تعيش أحياناً نوعاً من الصراع معه، ككردي يكتب بالعربية ويعيش مغترباً في ألمانيا منذ نحو عشرين عاماً؟
- بالنسبة لي فإن سؤال الهوية محوري جداً سواء في حياتي أو كتاباتي. فأنا ابن هوية مسحوقة مهمشة تكافح منذ قرون في سبيل الحرية. ولعل أغلب رواياتي تتمحور حول هذه القضية الجوهرية. فأنا مهتم جداً بمعرفة إشكالات الهوية الكردية التي أريد لها أن تبقى هوية دنيا في كل دولة يعيش فيها قسم من الشعب الكردي. صحيح أن السياسة تدخلت وطغى البعد السياسي على الكفاح الكردي الذي هو في الأصل إنساني، لكن يبقى أن الكرد يستحقون التمتع مع جيرانهم في التاريخ والجغرافيا بشمس الحرية. لقد كان يؤرقني سؤال الهوية منذ البداية فلجأت إلى التاريخ لعلي أحظى بأجوبة شافية. كتبت عدة روايات تتكئ على التاريخ الكردي البعيد والقريب لأحيط بإشكاليات الهوية الكردية المتنحية عن المشهد العام.
لكن، وبعيداً عن موضوع الكفاح والنضال القومي أرى أن تعدد الهويات أمر فيه ثراء وحيوية وقرب من النزعة الإنسانية أكثر من الاكتفاء بهوية واحدة والدوران حولها. يجب أن نشيع روح التسامح والمحبة وننبذ الكراهية، وهذا ما فعلته في «عشيق المترجم» و«ميرنامه» و«نواقيس روما» وغيرها.
> هناك تحول في مسيرتك رافق الشعر بداياتك ثم وقعت في غرام الرواية... هل بريق الرواية وفرص الشهرة والانتشار والجوائز وراء ذلك التحول؟
- لم أكن بعيداً عن الرواية حتى في بداياتي. كتبت في التاسعة عشرة ملحمة شعرية من ألف وثمانمائة بيت شعري. وهي رواية في الأصل لكنها مكتوبة شعراً بوزن وقافية. نالت ملحمتي الشعرية تلك شهرة كبيرة، لكني لم ألتفت إلى كتابة المزيد من القصص والروايات، واتجهت إلى الترجمة والبحث الأدبي. ثم كتبت أولى رواياتي في نهاية التسعينيات وصدرت في 2004 باللغة الكردية حيث لا جوائز. لقد استنفدت اللغة الشعرية ووجدت أنها لا تكفيني. مناخات الشعر لم تعد ترضي غروري، فكان لا بد من البحث عن جنس أدبي آخر أبسط من خلاله أفكاري وقناعاتي. صدرت روايتي الأولى وأنا في عمر الأربعين تقريباً. وشعرت أن لدي تراكماً في المعلومات والأفكار والرؤى لا يمكن أن يبقى الشعر حامله الأساسي، ولا بد من لغة نثرية تستوعب الحمولة الثقيلة.
> أخيراً... كيف ترى تفاعل النقاد مع تجربتك وإبداعك؟
- النقد العربي يعاني آفة الدوران في فلك المكرس. هناك أسماء تم تكريسها لأسباب عدة. وهناك نقد (شللي) فالكاتب له شلته من النقاد الذين يحتفون بأعماله ويسعون إلى تكريس اسمه ولا يقتربون من عوالم الكتاب الآخرين. والنقد الذي أعنيه هنا هو ما يتم نشره من مقالات انطباعية تحتفي بصدور الرواية وتكتب «تقريظاً» صحافياً تحت اسم النقد. إنه نقد استهلاكي إن صحت العبارة.
أما النقد الحقيقي، الأكاديمي، والذي يحفر في طبقات النص سعياً لاكتشاف العوالم السرية فهو نادر جداً. بالنسبة لي سعيد بأن رواياتي بدأت تلفت أنظار الأكاديميين العرب بسبب ما يجدون فيه من موضوعات تهم أزمة الهوية وعلاقاتها بالهويات المجاورة. هذا الأدب الكردي المكتوب بالعربية «الأدب العربفوني» يستحق اهتماماً أكبر في خضم الصراعات السياسية الكبرى الحالية. فالكرد جيران العرب ومصيرهم مشترك وتربط بعضهم ببعض أواصر تاريخية قوية ولم يشهد التاريخ حروباً عربية كردية.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.