تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تحالف إردوغان يحسم ترشيحه للرئاسة... والمعارضة لم تقرر بعد

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة
TT

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تركيا غارقة في استقطاب حاد حول الانتخابات المبكرة

تتصاعد حدة النقاش في تركيا بين الرئيس رجب طيب إردوغان وأحزاب المعارضة التي تضغط من أجل التوجه إلى الانتخابات المبكرة، ورفض انتظار موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في يونيو (حزيران) عام 2023، في ظل أزمة اقتصادية تضرب البلاد وسط انهيار الليرة التركية وارتفاع التضخم وموجة الغلاء غير المسبوقة.
الأزمة الاقتصادية التركية، تليها الإخفاقات السياسية في العديد من الملفات على صعيد السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، هي أهم أوراق المعارضة للضغط على الرئيس من أجل دفعه إلى قرار الانتخابات المبكرة، وذلك عبر اتهامه بقلة الكفاءة والفشل في إدارة شؤون البلاد. وهو ما يعبر عنه مرارا كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحليفته رئيسة حزب «الخير» ميرال أكشنار. وفي المقابل، يتهم إردوغان وحليفه دولت بهشلي، رئيس حزب الحركة القومية، المعارضة بالسعي إلى زعزعة استقرار البلاد وترويج صورة مغلوطة عن الوضع الاقتصادي.
رغم أنه لا يزال يتبقى أمام تركيا حوالي سنة ونصف السنة على انتخاباتها المرتقبة، يزداد الشحن وتتسارع التحضيرات المبكرة. ولقد بدأ الرئيس رجب طيب إردوغان، مدفوعا بضغط المعارضة، وبنتائج استطلاعات الرأي المتعاقبة، إلى إطلاق حملة انتخابية مبكرة، عبر مؤتمرات شعبية وافتتاح مشاريع جديدة في عموم أنحاء البلاد. لكن أحزاب المعارضة سبقته على مدى سنوات عبر جولات في الولايات والمدن والأحياء في حملة «التحام مع الشارع» لقياس نبض الناخبين وحشدهم لهزيمة «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية.
المعارضة أبرزت ورقة قوية عبر مؤتمر شعبي حاشد، قدر حضوره بأكثر من مليون شخص، في مدينة مرسين (جنوب البلاد) السبت الماضي، بدعوة من كليتشدار أوغلو، وكان المطلب الرئيس فيه استقالة إردوغان وحكومته والتوجه إلى الانتخابات المبكرة كحل للأزمات التي تعانيها تركيا.
وفيما يبدو تحضيرات مبكرة لانتخابات، لا يرغب إردوغان وحليفه بهشلي أن تكون «مبكرة» على الإطلاق، رد الرئيس التركي بحدة على دعوات المعارضة متسائلاً: «أي انتخابات مبكرة هذه؟ هذا شأن من عمل الدول القبلية... لا يمكنك رؤية مثل هذا الشيء في دولة متقدمة، وفي الغرب. الانتخابات ستكون في يونيو (حزيران) 2023». أما المعارضة، التي ترغب في الانتخابات المبكرة لاعتقادها بأن هذه هي الفرصة السانحة لإطاحة إردوغان وحزبه - الذي حكم تركيا لما يقرب من 20 سنة -، فتعمل على زيادة الضغط عليه. وحقاً، بدأت منذ العام الماضي الحديث عن مدى صلاحية النظام الرئاسي، الذي طبقه إردوغان عام 2018 ومنحه سلطات شبه مطلقة. ومن ثم، بدأت مساعٍ لتوحيد صفوفها وتوصلت إلى نقطة اتفاق هي العودة بالبلاد إلى النظام البرلماني بعد تقويته وتعزيزه.
ثم إن حزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، الذي أسسه بعد انفصاله عام 2019 عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، وضع بالفعل مشروعاً متكاملاً للنظام البرلماني. وتطور الحراك في هذا الاتجاه نحو تشكيل لجنة من أحزاب المعارضة تواصل اجتماعاتها على مدى أكثر من شهرين للاتفاق على ملامح النظام الجديد.
- تحرك منسق
من جهة ثانية، مع أن أحزاب المعارضة لم تتفق فيما بينها، بعد، على توسيع «تحالف الأمة»، المكون من حزبي الشعب الجمهوري والجيد، والانضواء جميعها تحت راية التحالف، فإنها تتحرك بشكل منسق. وهي تتشاور بشكل مستمر عبر لقاءات بين قادتها لبحث التطورات الاقتصادية والسياسية في البلاد والتأهب للانتخابات، التي ترجح أنها ستكون في خريف عام 2022 بدلاً من موعدها المحدد في يونيو 2023. أما إردوغان، فيواجه في هذه الأثناء، صعوبات كبيرة في مساعيه لتوسيع «تحالف الشعب»، بسبب تردد الأحزاب الأخرى في الانضمام إلى التحالف ما لم يغيّر من سياساته.
ومع اشتداد وطأة الأزمة الاقتصادية والتهاوي المستمر والسريع لليرة التركية، التي تشهد تراجعاً غير مسبوق في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة، طوّرت المعارضة حراكها إلى الحشد والمطالبة برحيل إردوغان والتوجّه إلى الانتخابات. وبدوره، دعا الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية، صلاح الدين دميرطاش، من داخل محبسه المحتجز فيه منذ أكثر من 5 سنوات، عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى تنظيم 7 مسيرات مشتركة في 7 مناطق لأحزاب المعارضة. أما الرئيس المشارك الحالي للحزب، مدحت سنجار، فطالب بضرورة طرح قضية الانتخابات المبكرة على البرلمان، قائلاً إنه من «غير المقبول أن تستمر الحكومة التي تسببت في مثل هذه الأزمات الكبيرة في السلطة». وأضاف: «ندعوهم إلى الاستقالة، لكننا نعلم أنهم لن يستقيلوا. لهذا السبب نعتقد أن المهمة تقع على عاتق البرلمان الآن. على البرلمان أن يأخذ زمام المبادرة في هذا الصدد... يجب تقديم مشروع الانتخابات المبكرة إلى البرلمان في أسرع وقت ممكن». وجدد سنجار، من ثم، دعوته إلى جميع أحزاب المعارضة لإعداد مشروع قانون الانتخابات المبكرة معاً دون تأخير. ولفت إلى أن عدد المتضررين من الوضع الراهن للبلاد ليس صغيراً، مشيراً إلى أن نوابا من حزب العدالة والتنمية سيصوتون لصالح الانتخابات المبكرة، بسبب تضررهم من الوضع الحالي. وما يذكر هنا أن الرئيس إردوغان وحده يمتلك صلاحية الدعوة إلى الانتخابات المبكرة.
كذلك، انتقد رئيس «حزب المستقبل» ورئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، رفض إردوغان دعوات الانتخابات المبكرة، معتبراً أنه «يرفض الديمقراطية عبر رفض المطالبة بإجراء الانتخابات المبكرة، التي هي إحدى أدوات الديمقراطية».
ولكن، في أي حال، لا يبدو في الوقت الحالي أن هناك ملامح واضحة لما ستكون عليه التحالفات الانتخابية في المرحلة المقبلة. وبينما يبرز إردوغان كمرشح للرئاسة لـ«تحالف الشعب» ليس هناك أي مؤشر حتى الآن على الاتفاق على مرشح مشترك، وإن دارت الأسماء المقترحة لـ«تحالف الأمة» بين كليتشدار أوغلو، ورئيس بلدية إسطنبول (من حزبه) أكرم إمام أوغلو، الذي يبدو أن رئيسة حزب «الجيد» ميرال أكشنار تدعمه، في حال قررت ألا تترشح.
- تراجع مستمر
في سياق متصل، تشير استطلاعات الرأي المتعاقبة منذ العام الماضي إلى تراجع شعبية الرئيس إردوغان و«تحالف الشعب». وكشف أحدث استطلاع للرأي عن أن «تحالف الأمة» المعارض، المؤلف من حزبي «الشعب الجمهوري» و«الجيد»، سيتفوق على «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» الحاكم و«الحركة القومية». إذ أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أرا» للبحوث والدراسات الاجتماعية والسياسية بشأن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، تراجع شعبية إردوغان، وقدرة «تحالف الأمة» المعارض على الفوز على «تحالف الشعب».
أيضاً، أوضح الاستطلاع أن حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة، حصل على تأييد 28.2 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، كما حصل حليفه حزب «الجيد» على 14 في المائة لتبلغ نسبة «تحالف الأمة» المعارض 42.2 في المائة. وفي المقابل، حصل حزب «العدالة والتنمية» الحاكم على 30 في المائة وحزب «الحركة القومية» على 9.1 في المائة، لتبلغ نسبة «تحالف الشعب» 39.1 في المائة. وبالنسبة لأحزاب المعارضة الأخرى، حصل حزب «الشعوب الديمقراطية» (مؤيد للأكراد) على 10 في المائة وحزب «الديمقراطية والتقدم» برئاسة نائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان على 4.4 في المائة.
في هذه الأثناء، يعتقد مراقبون أن الأزمة الاقتصادية ليس لها حل إلا بالتوجه للانتخابات المبكرة، سواءً أيد الناخبون بقاء إردوغان وحزبه أو اختاروا أي حزب آخر، وإلا فإن حالة الجدل السياسي والاستقطاب ستستمر... وسط محاولات أحزاب المعارضة استثمار أي أزمة، أو كارثة، لمجابهة الحكومة، في خطوة للاستعداد للانتخابات المقبلة.
وإلى جانب الوضع الاقتصادي المتوتر، شهدت الفترة الأخيرة جدلاً حاداً بشأن ملف اللاجئين السوريين. إذ تركز بعض أحزاب المعارضة على القضية، و«تبشّر» الناخبين بإعادة السوريين إلى بلادهم بسبب حالة النفور الاجتماعي المتنامية ضدهم. يضاف إلى ذلك، جدل آخر بشأن صحة إردوغان، والشكوك التي أثارتها وسائل إعلام معارضة داخلياً، فضلا عن بعض وسائل الإعلام الغربية.
- الوضع الاقتصادي السيئ
رئيسة حزب «الجيد» المعارض، ميرال أكشينار، قالت أخيراً إن اقتصاد تركيا يمر بمرحلة هي الأسوأ على مر تاريخ البلاد، متوقعة التوجه إلى إجراء الانتخابات في العام المقبل (2022)، وليس خلال عام 2023 كما هو مقرر لها. وأضافت أكشينار، التي ينضوي حزبها ضمن «تحالف الأمة» المعارض أن «هناك توقعات بأن الانتخابات ستكون في عام 2022، فالمواطنون يريدون الانتخابات، لأنه من المستحيل إنعاش الاقتصاد مرة أخرى في ظل النظام الموجود حالياً... الحزب الحاكم (العدالة والتنمية برئاسة إردوغان) بدأ مؤخراً رشقنا بالحجارة في وسائل الإعلام الموالية له، وذلك يعني إدراكهم خسارتهم في الانتخابات القادمة». وبالفعل، يسود اعتقاد لدى المعارضة بأن إردوغان سيجبر على التوجه إلى الانتخابات المبكرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، قبل الموعد الأصلي للانتخابات في يونيو 2023. وترى أحزابها أنه يدرك تماماً أنه وحزبه سيخسران الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة سواء أجريت مبكراً أو في موعدها.
ويؤكد «تحالف الأمة» المعارض أن مرشحه القادم للرئاسة سيفوز برئاسة تركيا وأن التحالف سيطبق النموذج الذي كسب من خلاله ولايتي إسطنبول وأنقرة في الانتخابات المحلية في مارس (آذار) 2019، وهو ما فسره مراقبون على أنه تلميح إلى توسيع «تحالف الأمة» وقبول دعم حزب «الشعوب الديمقراطية» الذي يواجه دعوى قضائية لإغلاقه بدعوى تورطه في الإرهاب. وهذا، في حين يأخذ كثيرون على المعارضة أنها تعمل فقط على تسجيل نقاط ضد إردوغان، من دون أن تقدم مشروعاً للشعب التركي... وأنها تريد انتخابات، فقط من أجل أن يخسرها إردوغان. ولهذا السبب يرى مراقبون أن إردوغان قد يتوجه إلى انتخابات مبكرة إذا رأى أن له مصلحة في ذلك.
- انتقاد السياسة الخارجية
أخيراً، بعيداً عن ملف الاقتصاد، الذي يشغل بال جميع الأتراك، تلعب المعارضة على ملف آخر، وهو العجز في السياسة الخارجية لحكومة إردوغان، التي تدعي أنها أدت إلى عزلة حقيقية لتركيا. وفي هذا الإطار تهاجم المعارضة التدخلات في ليبيا وسوريا، فضلاً عن «تدمير» إردوغان علاقات تركيا مع العديد من الدول المؤثرة في المنطقة، وفي مقدمتها مصر، التي تربط تركيا بها مصالح حيوية في شرق البحر المتوسط وفي العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط. وتتعهد المعارضة أنه في حال رحيل إردوغان سينتهي هذا الملف خلال أيام، وستحل ملف سوريا واللاجئين خلال 6 أشهر.
وفي المقابل، بدأت حكومة إردوغان إعادة نظر في مقاربة العديد من الملفات من أجل تحسين العلاقات مع العديد من الدوائر بدءاً من أوروبا والولايات المتحدة إلى مصر ودول الخليج العربي. وبالفعل، أطلقت اتصالات مع كل من مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي تشهد المباحثات معها تقدما أسرع، لا سيما على صعيد الاستثمار. ولكن، العلاقات مع الولايات المتحدة لا تزال تعيش خمولاً منذ تولي إدارة الرئيس جو بايدن رغم محاولات أنقرة تنشيطها. ولا يختلف الوضع بالنسبة لأوروبا التي وضعت تركيا تحت المراقبة في ملفات عديدة أبرزها أعمال البحث والتنقيب في شرق المتوسط التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي «غير قانونية» وتنتهك حقوق عضوية (اليونان وقبرص).
- «الانتهاكات الحقوقية» أبرز ملفات الخلاف بين تركيا والغرب
> يسود قلق أميركي وأوروبي متصاعد حيال انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا، لا سيما عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز) عام 2016 ونسبتها السلطات إلى الداعية المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، وحركة «الخدمة» التابعة له، التي صنّفتها منظمة إرهابية.
ومن أبرز الملفات التي تتسبب في ضغوط غربية على أنقرة ملف استمرار حبس كل من رجل الأعمال الناشط البارز في مجال المجتمع المدني، عثمان كافالا، والزعيم الكردي صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد)، (ثاني أكبر حزب معارض بالبرلمان التركي). ورغم إنذار «مجلس أوروبا» باتخاذ إجراء تأديبي نادر التكرار ضد تركيا، أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أن بلاده لا تعترف بقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بخصوص كافالا ودميرطاش. وقال إن «قرارات هذه المحكمة لا تعنيني، وأياً كانت العقوبات التي يريد مجلس أوروبا اتخاذها في هذا الإطار فليتخذها، هذا الأمر لا يهمنا... هذان الشخصان يحاكمان في قضايا إرهابية».
هذا، وكان «مجلس أوروبا»، الجمعة الماضي، قد قرر إطلاق إجراء تأديبي بحق تركيا لرفضها الامتثال لقرار محكمة حقوق الإنسان بالإفراج عن كافالا (46 سنة) المعتقل منذ 2017 الذي تتهمه السلطات بالتجسس والتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة وتمويل احتجاجات «جيزي بارك» في إسطنبول عام 2013 عبر مؤسسة «الأناضول» الثقافية التي يرأسها، والتي أدرجتها السلطات على لائحة الإرهاب الشهر الماضي. وهذا إجراء لم يتخذه المجلس إلا مرة واحدة في تاريخه عندما استخدمه ضد أذربيجان لسبب مماثل عام 2017. وأمهل المجلس تركيا حتى 19 يناير (كانون الثاني) المقبل، كحد أقصى، للرد، وبعدها ستحيل اللجنة القضية مجدداً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اجتماعها المقبل يوم 2 فبراير (شباط)، بينما من المقرر أن تنعقد الجلسة المقبلة في قضية كافالا في إسطنبول بتاريخ 17 يناير.
أيضاً أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكثر من حكم بالإفراج الفوري عن صلاح الدين دميرطاش، وهو زعيم كردي بارز سبق أن نافس إردوغان في انتخابات الرئاسة عامي 2014 ثم 2018 من داخل سجنه حيث اعتُقل في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وهو يواجه اتهامات في قضايا تتعلق بالإرهاب وتصل عقوباتها حال إدانته إلى 142 سنة سجناً. ورفض إردوغان تنفيذ هذه القرارات.
وسبق أن دفع تمديد توقيف كافالا، في أكتوبر الماضي، سفراء عشر دول غربية، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، إلى الدعوة إلى «الإفراج العاجل» عنه. وهدد إردوغان باعتبار هؤلاء السفراء «شخصيات غير مرغوب فيها» تمهيداً لطردهم، قبل أن يغيّر رأيه بعد رسالة تهدئة من ممثل الولايات المتحدة، شاركتها على الفور الدول الأخرى المعنية على «تويتر».
واعتبر تقرير للرابطة الدولية لحقوق الإنسان أن سياسات إردوغان في مجال الحريات المدنية، تهدد بنسف المجتمع المدني المستقل في تركيا، وإنشاء مجتمع مدني بديل موالٍ للسلطة. وقد نُشر التقرير بالتزامن مع محاكمة 3 صحافيين بارزين ومدافعين عن حقوق الإنسان متهمين بالإرهاب ويواجهون عقوبة تصل إلى السجن 14 عاماً، من بينهم شبنام كورور فينجانجي، الرئيس السابق لمنظمة حقوق الإنسان التركية.
واتهم التقرير الحكومة التركية بأنها لم تضمن بيئة مواتية للمجتمع المدني، ومحاولة تقويض أنشطتها بشكل مكثف عبر خطاب وصورة نمطيين يقدمان منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان كعملاء لجهات أجنبية تشكل تهديداً للأمن القومي، ويعززون أهداف المنظمات الإرهابية.
في سياق متصل، قال «معهد صحافة الحرب والسلام» في مذكرة حديثة إن انسحاب تركيا من «اتفاقية مجلس أوروبا لحماية المرأة ومناهضة العنف المنزلي»، المعروفة بـ«اتفاقية إسطنبول» كان بسبب السياسات الداخلية لحزب العدالة والتنمية بزعامة إردوغان، الذي يتحرك الآن لإرضاء الأغلبية المحافظة.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.