عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

10 لوحات تشكل نقاطًا مفصلية في مسيرته

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد
TT

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

عودة بيكاسو إلى متحف برادو في مدريد

تُعير إدارة متحف كونست في مدينة بازل السويسرية بعض اللوحات والأعمال الفنية من محتوياته إلى عدد من المتاحف الأوروبية بسبب التجديدات والتصليحات التي تجرى عليه وغلق أبوابه لمدة سنة كاملة. ومن اللوحات التي أُعيرتْ إلى متحف برادو في مدريد، لوحات عشر لبيكاسو وهي من أهم مقتنيات متحف بازل.
المعرض الاستعادي المصغر المتكون من عشر لوحات لبيكاسو (1881 - 1973) تعرض في القاعة الرئيسية لمتحف برادو للفترة من مارس (آذار) إلى سبتمبر (أيلول) من العام الحالي. وتشكل هذه اللوحات نقاطا مفصلية وتقلبات حاسمة في مسيرة بيكاسو الفنية والإنسانية مثل نهاية الفترة الزرقاء وبداية الفترة الوردية وابتكاره للتكعيبية التركيبة وعودته إلى التقليدية المحدثة وكذلك معاناته كإنسان وفنان خلال فترة الحرب العالمية الثانية، واستعادته وتجديده لبعض لوحاته القديمة في السنوات الأخيرة من حياته. عُلقت اللوحات على فواصل جدارية بيض توسطت اللوحات الكلاسيكية لأساتذة الرسم الأوروبي في عصر النهضة والباروك مثل فيلاسكوز وتيتيان وغويا وروبنز وفان ديك ورغم التناقض الظاهري بين لوحات بيكاسو وأساليبه وألوانه وبين اللوحات التقليدية المعلقة في متحف البرادو، فإن هذا التناقض يسلط الضوء على محفزات بيكاسو الإبداعية وكيف استلهم أعمال الفنانين قبله. اللوحات العشر جعلت الزوار يقفون في طابور طويل لدخول المتحف ويتزاحمون حول كل لوحة. تجدد هذه اللوحات من جهة أخرى ذكرى بيكاسو في هذا المتحف الشهير حيث عمل مديرا فخريا له خلال سنوات الحرب الأهلية (1936 - 1939).
أولى اللوحات هي لوحة «الأخوان» زيت على قماش التي أكملها عام 1906 وهي آخر سنة في مرحلته الوردية التي بدأت عام 1904 عقب انتهاء المرحلة الزرقاء، حينما استقر بيكاسو في حي المونمارتر الباريسي بين الشعراء والفنانين البوهيمين وانتهت المرحلة الوردية عام 1906. تضج هذه الفترة بثيمات مبهجة نوعا ما قياسا بالفترة الزرقاء ويكثر فيها بيكاسو من رسم المهرجين وفناني الكرنفالات والاحتفالات الشعبية وممثلي البنتومايم. الألوان المسيطرة هي الأحمر والوردي والبرتقالي والألوان الترابية الأرضية. لوحة «الأخوان» تمثل ولدا عاريا يمشي وهو يحمل أخاه الصغير على ظهره وإحدى يديه تمسك برجل أخيه المتدلية على خصره بينما اليد الأخرى تمسك بحنان بالغ بيد أخيه التي تطوق عنقه كأنها حبل نجاته، كم ذكرتني هذه اللوحة وأنا أتأملها بالمشردين والنازحين في العراق وسوريا، الأخ الصغير بلا ملامح بينما الكبير بملامح أنثوية ونظرة منكسرة لكنها غير مكترثة.
اللوحة الثانية هي «رجل وامرأة وطفل» 1906 زيت على قماش وهي من فترته الوردية أيضا يصور فيها بيكاسو نفسه ينظر إلى امرأة هي حبيبته الباريسية الأولى (فرناندا أوليفير)، الخطوط بسيطة والملامح كذلك، الرجل ينظر باهتمام إلى المرأة التي تبدو شاردة الذهن تماما والطفل في حضنها ينظر إلى الأمام.
وتبدو اللوحة الثالثة «خبز وصحن فاكهة على مائدة» يعود تاريخ إنجازها بين عامي 1907 - 1908. الأولى ساكنة الحياة، لكن بتمعن قليل نكتشف أنها تضج بحركة لا هوادة فيها، بدءا من الطاولة القابلة للطي إلى خلفية اللوحة التي تشبه ستارة أو غطاء بطيات كثيرة، ساقان بشريتان تبدوان خلف أرجل الطاولة وربما استحالت ذراعهما إلى خبز طويل.. يشير شكل صحن الفاكهة على الطاولة إلى المرأة بينما يشير شكل الخبز الطويل إلى الرجل.
وفي اللوحة الرابعة «الهاوي» عام 1912 رسم بيكاسو هذه اللوحة بعد حضوره مصارعة للثيران في مدينة نيم الفرنسية الجنوبية وهي تصور مصارعا للثيران بشاربه الكث وقبعته القرطبية يحمل عصا لمصارعة الثيران بيد والغيتار باليد الأخرى، هذه اللوحة تكشف ميل بيكاسو نحو الأشكال الهندسية المبسطة وابتعاده التدريجي عن التكعيبية.
في اللوحة الخامسة «امرأة مع غيتار»، التي رسمها بين الأعوام 1911 - 1914. شيّد بيكاسو هذا الشكل الأنثوي من شبكة من خطوط سود على خلفية بيضاء. يحتل نهدا المرأة مركز اللوحة بينما تتدلى يداها التي تحمل أحدهما الغيتار إلى الأسفل. استعمل بيكاسو عدة ألوان مثل الوردي والأسود والأزرق لكي يميز أجزاء جسد المرأة، هذه اللوحة تعود إلى مرحلة التكعيبية التركيبية.
أما في اللوحة السادسة «المهرج الجالس» 1923. وهي اللوحة التي زينت غلاف دليل المعرض، فرسم بيكاسو صديقه الرسام جاسنتو سالفادو وهو مرتدٍ زي مهرج استعاره من صديقهما المشترك الكاتب والممثل جان كوكتو. وتؤرخ هذه اللوحة لعودة بيكاسو إلى الكلاسيكية المحدثة بين الأعوام (1917 - 1924)، التفاصيل الكثيرة المشرقة لزي المهرج في هذه اللوحة جعلت الزائرين يتحلقون حولها طويلا.
اللوحة السابعة «امرأة ترتدي قبعة وتجلس على كرسي ذي مسندين» 1942 يصور بيكاسو عشيقته الفنانة دورا مار بوجاهة واضحة وخليط من الألوان، تجلس على كرسي حديدي ذي مسندين رأسها مقسوم، القسم العلوي بعين واحدة مفتوحة باتساع وتركيز على المتلقي بينما الجزء السفلي تسيطر عليه شفتاها الحمراوان. رسم بيكاسو كل النساء في حياته وهن جالسات في 300 لوحة.
ويستعيد بيكاسو في اللوحة الثامنة «نساء على ضفة نهر السين» 1950 الرسام الفرنسي الواقعي غوستاف كوربيه وذلك بإعادة رسم واحدة من أشهر لوحاته (نساء على ضفة نهر السين 1857)، احتفظ بيكاسو بالعناصر الإيروتيكية الصادمة في هذه اللوحة مع إشارة خفية لعلاقة عاطفية بين المرأتين وذلك بإدخال ألوان زاهية متناقضة، الشكل الذي يحتل منتصف أرضية اللوحة له عين ساهرة ومراقبة كأنها عين العاشق وطبعه المتحفز.
في اللوحة التاسعة «فينوس وكيوبيد» 1967. نرى طفلا عاريا ينظر إلى أمه التي على وشك أن تحتضنه، ويبتسم. ربما استلهم بيكاسو هذه اللوحة من لوحة تيتيان الشهيرة «فينوس وكيوبيد في المرآة» وهي واحدة من عدد كبير من اللوحات التي استلهمها بيكاسو من كبار الفنانين الذين سبقوه أمثال فيلاسكوز وكراناش وديلاكروا ومانيه.
وفي اللوحة الأخيرة «الثنائي» 1967، امرأة ورجل يلفهما الأزرق المشرق، الرجل بزي جندي يحمل سلاحه والمرأة عارية الصدر تحمل في يدها كأسا على وشك أن يدلق ما يحتويه، يوحي بالطقس الإيروتيكي بينهما. يشير بيكاسو إلى نفسه في هذه اللوحة التي أنجزها في عمر السادسة والثمانين، فهو المحارب القديم الذي يتهيأ لشرب كأس الحياة كاملة من يد المرأة.
بيكاسو الذي رحل عن عالمنا منذ ما يقارب الأربعة عقود قال ذات يوم بأن الفن بلا ماض ولا حاضر، قيمته في بقائه خارج شرط الزمن. وقد كان محقا فلوحاته لا تزال طازجة جدا ولها قدرة عجيبة أن تعيش كحاضر أبدي كلما تقدم الزمن.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.