مقطع من كتاب «على المحك» لنسيم طالب يبصر النور قريباً

صاحب «البجعة السوداء» يرى أن «الأكثر ثراء هم الأسهل خداعاً»

مقطع من كتاب «على المحك» لنسيم طالب يبصر النور قريباً
TT

مقطع من كتاب «على المحك» لنسيم طالب يبصر النور قريباً

مقطع من كتاب «على المحك» لنسيم طالب يبصر النور قريباً

كتاب جديد لصاحب «البجعة السوداء» يبصر النور باللغة العربية، إذ يصدر بعد أيام عن دار «هاشيت - أنطوان» بعنوان «على المِحَكّ».
نسيم طالب يضيء في كتابه هذا على ثلاثة دروس أساسية: أوّلها أنّ الأقلّية غالباً ما تحكم الأكثريّة، وثانيها أنّ محقّقي النجاحات الأكْفاء مرهونون بقطاع عملهم، وثالثها أنّ الأكثر ثراءً هم الأسهل خداعاً، لأنّ ما يمكن أن يخسروه يقلّ عمّا قد يخسره الباعة الذين أتوا إليهم.
يبحث طالب عن الحقيقة، ويتحدّث عن ضرورة المساءلة في كلّ ما يفعله الإنسان. يحلّل باعتماد الأساليب العلميّة، لكنّه يرسم صوراً حيّة، ويسرد روايات مشوّقة بأسلوبٍ لاذعٍ.
والكتاب هو الأخير من سلسلة «إنسرتو» المعالِجة لمواضيع العقلانية، والارتياب، والإحصاءات، والاقتصاد، والمعلومات، والمخاطرة والأخلاقيات. لكنّه أيضاً أكثر أعمال نسيب طالب عمليّة، إذ يلجأ فيه إلى أسلوب سرد الطرائف، واعتماد التشبيهات لتسليط الضوء على تأثير أي نقص في العناصر المذكورة أعلاه في حياتنا اليوميّة. هكذا، يُبرِز التباينات الخفيّة في العالم، ويتحدّث عن كبار الخاسرين في بعض المواقف الحياتيّة، ويساعدنا على اتّخاذ قرارات أفضل، والحصول على النتائج التي نتمناها.
ونسيم طالب أديب باحث إبستمولوجي لبناني - أميركي، وأكاديمي متعدد المعارف، متخصص في أمور المعرفة وعلاقتها بالعشوائية، وهو أستاذ جامعي الآن في هندسة المخاطرة. اشتهر كتابه «البجعة السوداء» الذي يتحدث عن الأمور التي يصعب التنبؤ بها، وعن الأحداث النادرة التي تقوم على نحو يخالف التوقعات، وتؤدي لعواقب إيجابية أو سلبية مؤثرة على النظام بأكمله.
وهنا، مقطع من كتابه الجديد «على المحك»:

أسياد الحرب لا يزالون بيننا

إنّ فكرة المخاطرة بالذات راسخة في التاريخ الذي يشير إلى أنّ جميع أسياد الحرب والدعاة لها كانوا أنفسهم من المحاربين، باستثناء بعض الحالات الغريبة، فكانت المجتمعات خاضعة لحكم أشخاص أقبلوا على المخاطر، ولم يحوّروا أي مخاطر إلى الآخرين.
كان الأشخاص المرموقون يُقبِلون على المخاطر التي تفوق أعدادها بكثير تلك التي يواجهها المواطنون العاديّون. والحال أنّ الإمبراطور الروماني يوليان المرتدّ الذي سنتحدّث عنه في وقت لاحق قد مات على أرض المعركة مقاتلاً في حرب طويلة الأمد على الحدود الفارسيّة - عندما كان إمبراطوراً. ولا يسعنا سوى إطلاق التخمينات بشأن يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر ونابليون، بالنظر إلى كثرة الأساطير التي حاكها المؤرّخون حولهم، إلّا أنّ الأدلّة هنا مُقنِعة. وما من دليل تاريخي أفضل وأكبر على وقوف إمبراطور في الخطّ الأمامي من كون سهم فارسي قد زُرع في صدره (إذ نسي يوليان أن يضع درعاً واقية). وكان أحد أسلافه، فاليريان، قد احتجز رهينة على الحدود عينها، وقيل إنّ سابور الفارسي استعمله مسنداً بشرياً لقدمَيه كلما امتطى حصانه. أمّا الإمبراطور البيزنطي الأخير، قسطنطين الحادي عشر باليولوغ، فرأوه آخر مرّة عندما نزع عن نفسه توجته البنفسجية، ثمّ انضمّ إلى يوحنا الدالماسي ونسيبه ثيوفيلوس باليولوغ لمجابهة الجيوش التركية، رافعين سيوفهم فوق رؤوسهم، مفتخرين بمواجهتهم الموت المحتّم. بيد أنّ الأسطورة تفيد بأنّ قسطنطين تلقّى عرض صفقة إذا ما قرّر الاستسلام، مع الإشارة إلى أنّ صفقات من هذا القبيل لم تكن مصممة لأي ملك يحترم نفسه.
ليست هذه حوادث منفردة. والمحلل المنطقي المستند إلى الإحصاءات، المتخفّي خلف قناع مؤلّف هذا الكتاب، مقتنع تماماً بأنّ أقلّ من ثلث الأباطرة الرومان ماتوا في سريرهم - وقد نبرّر ذلك بالقول إنّه بالنظر إلى أنّ قلّة منهم فقط ماتوا بسبب التقدّم في السنّ، كانوا سيسقطون في مطلق الأحوال، إمّا بسبب انقلاب أو على أرض معركة أو لكونهم عاشوا فترة أطول.
وحتى يومنا هذا، يستنبط الملوك شرعيتهم من عقد اجتماعي يتطلّب الإقبال على المخاطر الجسدية. وقد حرصت الأسرة المالكة البريطانية على أن يُقبل أحد أبنائها، الأمير أندرو، على مخاطر تزيد عن تلك التي يواجهها «عامّة الشعب» في حرب الفولكلاند سنة 1982. فتصدّرت مروحيّته الخطوط الأمامية. لماذا؟ لأنّ هذا من شيَم النبلاء، حيث إنّ مقام اللورد بحدّ ذاته نابع من حماية الآخرين، ومن مبادلة المخاطر الشخصية بالمقام الرفيع -والحال أنّهم يتذكّرون هذا العقد الاجتماعي حتى الآن- وبالتالي من المستحيل أن يكون المرء لورداً إن لم يتصرّف كلورد.

تجارة تحوير المخاطر على طريقة بوب روبن

يرى بعضهم أنّ تحرّرنا من المحاربين على رأس الهرم هو دليل حضارة وتقدّم، بيد أنّ الأمر ليس كذلك. وتأكيداً لذلك، البيروقراطية هي تركيبة يُفصَل فيها شخص عن تداعيات أفعاله لدواعٍ عمليةٍ. ويثير ذلك سؤالاً عمّا يسعنا فعله مع نظام مركزي سيتطلّب حتماً أشخاصاً غير منكشفين مباشرة على ثمن أخطائهم.
في الواقع، لا خيار أمامنا غير اعتماد النظام اللامركزي، أو إن استعملنا تعبيراً أكثر رزانة: تقليل عدد صنّاع القرار الذين يتمتّعون بحصانة. تستند اللامركزية إلى مفهوم بسيط، مفاده أنّ الإقدام على الخزعبلات على نطاق شامل يكون أسهل مما هو عليه على نطاق مصغّر. واللامركزية تحدّ من حجم التباينات البنيوية الكبيرة.
لكن لا داعي للقلق، فإن لم نعتمد اللامركزية والتوزيع المسؤول، فسيحصل ذلك تلقائياً، بأقسى الطرق على الإطلاق، لأنّ نظاماً تنقصه آليّة مخاطرة بالذات، وتكثر فيه مواطن عدم الاتّزان، سينفجر في النهاية ويرمم ذاته بهذه الطريقة، هذا إن نجح في ضمان استمراريته.
على سبيل المثال، حصلت الانهيارات المصرفية سنة 2008 بسبب تراكم المخاطر الخفيّة غير المتّسقة في النظام، فتمكّن رؤساء المصارف، وهم أهمّ من حوّر المخاطر، من جني أموال بانتظام من طبقة معيّنة من المخاطر الخفيّة القابلة للانفجار، واستعانوا بنماذج مخاطر أكاديمية لا تنفع إلا على الورق (لأنّ الأكاديميين يكادون يجهلون تماماً ماهية المخاطر)، ومن ثمّ يتكلمون عن الارتياب في أعقاب الانهيار (تلك البجعة السوداء غير المنظورة المفاجئة عينها، وذاك المؤلف العنيد نفسه)، ويحتفظون بالدخل الذي جنوه سابقاً - فيما سُمّي تجارة تحوير المخاطر على طريقة بوب روبن.
ما هي تجارة تحوير المخاطر على طريقة بوب روبن؟ روبرت روبن هو وزير خزانة أميركية سابق، ومن الأشخاص الذين ترى توقيعهم على الأموال النقدية التي دفعتها لتشرب قهوتك، وقد جمع أكثر من 120 مليون دولار تعويضاً من «سيتي بنك» خلال العقد الذي سبق الانهيار المصرفي الذي شهده عام 2008. وعندما عمد المكلف بالضرائب المذكور إلى إنقاذ المصرف الذي كان فعلياً مفلساً، لم يحرر أي شيك، معللاً الأمر بالارتياب السائد. وبالتالي، تراه في الواجهة فائزاً، وفي الخلف يصرخ «بجعة سوداء». كذلك، لم يقر بوب روبن بأنّه حوّر المخاطر إلى المكلّفين بدفع الضرائب: فالحال أنّ أساتذة قواعد إسبانية، وأساتذة مدراس معاونين، ومشرفين على الإنتاج في مصانع المعلّبات، ومستشارين في التغذية النباتية، ورؤساء أقلام النيابات العامّة الإقليمية كانوا «يكبحون جماحه»، أي يتحملون عبء مخاطره، ويدفعون ثمن خسائره. لكن أسوأ المتضررين على الإطلاق كان الأسواق الحرة، لأنّ العموم الذي يميل أصلاً إلى كره الممولين، قرر عدم التفرقة بين الأسواق الحرّة وأنماط الفساد والمحسوبية، مع أنّ نقيض ذلك هو الصحيح. ذلك أن الحكومة، لا الأسواق، هي التي تجعل هذه الأمور ممكنة، بفضل آليات الإنقاذ المالي التي تعتمدها. ولا يقتصر الأمر على الإنقاذ المالي، فالحكومات تتدخل في الأنماط العامة السائدة للتخلص من مفهوم المخاطرة بالذات.
أمّا الخبر السارّ، فهو أنّه رغم جهود إدارة أوباما المتواطئة التي أرادت حماية اللعبة والمسؤولين المصرفيين الساعين لتحقيق المنفعة، بدأ المقبلون على المخاطر المحترفون ينتقلون نحو تركيبات صغيرة مستقلة تُعرَف باسم صناديق التحوّط. أمّا السبب الرئيسي لهذه الخطوة، فكان البيروقراطية المبالغ فيها التي فُرضَت على النظام، بالنظر إلى أنّ موظّفي المكاتب (الذين يخالون أنّ العمل بمعظمه هو عبارة عن غربلة للأوراق) أغرقوا المصارف بالتشريعات - مع أنّهم نجحوا، في القوانين الإضافية الممتدّة على آلاف الصفحات، في تجنّب التطرّق إلى موضوع المخاطرة بالذات بطريقة أو بأخرى. وفي استراتيجيات صناديق التحوط التي تتسم باللامركزية، وضع مالكو الصناديق ومشغلوها، على أقل تقدير، نصف ثروتهم فيها، منكشفين بالتالي على المخاطر أكثر من أي من عملائهم، غارقين هم أنفسهم مع السفينة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».