بايدن لبوتين: إياكم وغزو أوكرانيا

تنسيق أميركي وثيق مع الحلفاء الأوروبيين ورفض للخطوط الحمر... وإجراءات قاسية ضد روسيا

صورة وزعها البيت الأبيض للرئيس بايدن خلال القمة مع بوتين بحضور مسؤولين بينهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن (أ.ف.ب)
صورة وزعها البيت الأبيض للرئيس بايدن خلال القمة مع بوتين بحضور مسؤولين بينهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن (أ.ف.ب)
TT

بايدن لبوتين: إياكم وغزو أوكرانيا

صورة وزعها البيت الأبيض للرئيس بايدن خلال القمة مع بوتين بحضور مسؤولين بينهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن (أ.ف.ب)
صورة وزعها البيت الأبيض للرئيس بايدن خلال القمة مع بوتين بحضور مسؤولين بينهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأميركي جو بايدن نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال محادثات وصفت بأنها «عالية المخاطر» عبر دائرة تلفزيونية مغلقة أمس الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها على أهبة الاستعداد لفرض عقوبات اقتصادية وخيمة وإجراءات قاسية ضد روسيا إذا نفذت أي غزو عسكري لأوكرانيا.
وكان الرئيس الأميركي يشير بوضوح إلى قيام موسكو بحشد عشرات الآلاف من الجنود الروس بكامل عتادهم على الحدود مع الجمهورية السوفياتية السابقة، مما أثار خشية واشنطن والعواصم الأوروبية من احتمال تكرار تجربة الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014. ووضع هذا التطور بايدن أمام أصعب اختبار في سياسته الخارجية منذ وصوله إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، علماً بأن مكانته على المسرح العالمي تعرضت لضربة كبيرة بسبب انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان في أغسطس (آب) الماضي.
وأفاد البيت الأبيض بأن المحادثات بين الزعيمين بدأت عند الساعة 10:07 صباحاً بتوقيت واشنطن. واستهلها بوتين بالقول: «تحياتي؛ سيدي الرئيس!». ورد بايدن بحرارة: «من الجيد أن أراك مرة أخرى». وبعد خلل قصير في الاتصال، أضاف: «للأسف؛ في المرة الأخيرة لم نتمكن من رؤية بعضنا بعضاً في قمة العشرين. آمل حين نلتقي في المرة المقبلة أن نفعل ذلك شخصياً».
وجلس بوتين على مكتب خشبي طويل في مقر إقامته بمدينة سوتشي الروسية المطلة على البحر الأسود، وكان بايدن على شاشة فيديو كبيرة أمامه، ولوح لبايدن مع بدء المكالمة، وفقاً لمقطع قصير بثه التلفزيون الروسي الحكومي من المحادثة.
وخلال هذه المحادثات الافتراضية، التي عُدّت من أكثر اللحظات أهمية حتى الآن في رئاسته، أوصل بايدن رسالة لا لبس فيها مفادها بأن روسيا ستدفع ثمناً باهظاً للغزو، علماً بأن الولايات المتحدة تفضل الحل الدبلوماسي للأزمة. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض للصحافيين إن بايدن تحدث عن «تكاليف حقيقية للغاية إذا اختارت روسيا المضي قدماً» في خطط العدوان على أوكرانيا، لكنه أوضح أيضاً أن «هناك طريقة فعالة للمضي قدماً عبر الدبلوماسية» أيضاً.
ووزع البيت الأبيض قراءة للمحادثات بين الرئيسين، جاء فيها أن بايدن عبّر عن «قلق بالغ عند الولايات المتحدة وحلفائنا الأوروبيين في شأن زيادة روسيا للقوات المحيطة بأوكرانيا»، موضحاً أن الولايات المتحدة وحلفاءها «سيردون بإجراءات اقتصادية وغيرها من التدابير القوية في حال التصعيد العسكري». وجدد بايدن «دعمه لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها»، داعياً إلى «وقف التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية». وقال البيان إن «الرئيسين كلفا فرقهما بالمتابعة، وستقوم الولايات المتحدة بذلك بالتنسيق الوثيق مع الحلفاء والشركاء». وكذلك ناقش الرئيسان «الحوار بين الولايات المتحدة وروسيا حول الاستقرار الاستراتيجي، والحوار المنفصل حول برامج الفدية، بالإضافة إلى العمل المشترك في شأن القضايا الإقليمية مثل إيران».
وتطالب روسيا بضمانات ملزمة قانوناً بأن «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لن يتوسع شرقاً ليشمل أوكرانيا، وهي دولة غير عضو حالياً في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وأفاد مسؤول رفيع في إدارة بايدن بأن الرئيس الأميركي سيدعم المحادثات بين روسيا والحلف حول قضايا الخلاف، لكنه رفض الحديث عن «خطوط حمر». وحذر بأن الغزو الروسي سيتبعه حتماً وجود عسكري أميركي متزايد على الجانب الشرقي لـ«حلف شمال الأطلسي»، ولكن في الوقت نفسه بدا أنه يقلل من احتمال تورط الولايات المتحدة مباشرة في نزاع بين روسيا وأوكرانيا.
ويقول المسؤولون الأميركيون إنهم يدرسون مجموعة من الخطوات؛ بما فيها العقوبات الاقتصادية والمساعدة العسكرية الإضافية لأوكرانيا، بالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، في حال تحرك بوتين قدماً في غزو عسكري، لكنهم رفضوا تقديم تفاصيل.
وأشار خبراء إلى خيار منع روسيا من نظام «سويفت» المصرفي العالمي، علماً بأن مثل هذه الخطوة يمكن أن تضر الدول الأخرى التي تعتمد على روسيا في الحصول على الطاقة وتستخدم النظام المصرفي لدفع ثمنها.
التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين
وعشية هذه المحادثات مع بوتين، شارك بايدن في اتصال هاتفي مشترك مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسي الوزراء؛ الإيطالي ماريو دراغي، والبريطاني بوريس جونسون. وأفاد البيت الأبيض في بيان بأن هؤلاء الزعماء ناقشوا «قلقهم المشترك» من الحشد العسكري الروسي على حدود أوكرانيا و«الخطابات التي تزداد حدة» من روسيا. ودعوا موسكو إلى «تهدئة التوترات»، مؤكدين أن «الدبلوماسية؛ لا سيما من خلال (صيغة نورماندي)، هي السبيل الوحيد للمضي قدماً لحل النزاع في دونباس من خلال تنفيذ (اتفاقات مينسك)»، وكرروا «دعمهم سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها»، واتفقوا على أن «فرقهم ستبقى على اتصال وثيق؛ بما في ذلك التشاور مع حلفاء (ناتو) وشركاء الاتحاد الأوروبي، في شأن نهج منسق وشامل». وبعيد انتهاء قمة بايدن - بوتين، عاود الرئيس الأميركي الاتصال بالزعماء الأوروبيين لإطلاعهم على نتائج المحادثات.
كذلك أجرى وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، اتصالاً هاتفياً من واشنطن العاصمة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن بلينكن «كرر دعم الولايات المتحدة الثابت لسيادة أوكرانيا واستقلالها وسلامة أراضيها في مواجهة العدوان الروسي».
وأضافت أن الجانبين «اتفقا على الحاجة إلى حل دبلوماسي سلمي للنزاع في دونباس والاستعادة الكاملة للسيادة الأوكرانية على حدودها المعترف بها دولياً؛ بما في ذلك شبه جزيرة القرم».
تقييم «سي آي إيه»
ولوحظ أن مدير «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي ايه)» ويليام بيرنز صرح الاثنين بأن القوات العسكرية الروسية «يمكن أن تتصرف بطريقة كاسحة للغاية»، لكن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تستنتج بعد بشكل حاسم أن موسكو ستغزو أوكرانيا. وقال في اجتماع مع الرؤساء التنفيذيين لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «لن أقلل أبداً من شهية الرئيس بوتين للمخاطرة في شأن أوكرانيا». ولكنه أضاف: «لا نعرف أن بوتين اتخذ قراره باستخدام القوة (...) ما نعرفه هو أنه يضع الجيش الروسي وأجهزة الأمن الروسية في مكان يمكنهم منه التصرف بطريقة كاسحة للغاية».
وانخفضت شعبية بايدن ومعدلات قبوله بشكل مطرد خلال الأشهر الماضية مع انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، مما أدى إلى استيلاء حركة «طالبان» على الحكم في كابل بسرعة قياسية، فيما شكل ضربة لإدارة بايدن. ومنذ ذلك الوقت؛ أثيرت مخاوف من تحديات أخرى يشكلها بوتين وخصوم آخرون.
وانتقد الجمهوريون في الكونغرس بايدن بسبب طريقة تعامله مع أفغانستان، مجادلين أيضاً بأنه كان «ليناً للغاية» مع بوتين. وسيكون هذا الموضوع جزءاً من الحملات التي ستبدأ قريباً للانتخابات النصفية للكونغرس خلال عام 2022 والانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وضغط كبير الجمهوريين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، مايكل ماكول، على بايدن لعدم تقديم أي تنازلات لبوتين. وقال: «لن يفشل هذا في تهدئة التوترات فحسب؛ بل سيشجع أيضاً فلاديمير بوتين ورفاقه المستبدين عبر إظهار أن الولايات المتحدة ستستسلم في مواجهة قرقعة السيوف».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».