عائشة الدرمكي: الرواية الخليجية تتطور بشكل كبير وتقدم أنماطاً سردية جديدة

الأكاديمية العمانية ترى أن الموروث الشفاهي لم يلقَ ما يستحق من الاهتمام

عائشة الدرمكي
عائشة الدرمكي
TT

عائشة الدرمكي: الرواية الخليجية تتطور بشكل كبير وتقدم أنماطاً سردية جديدة

عائشة الدرمكي
عائشة الدرمكي

للأكاديمية العمانية د.عائشة الدرمكي شغف خاص بقضايا التراث، وترى أنه محصلة خبرة وعلامات أنتجها الإنسان، وأسس من خلالها علاقته بمحيطه الاجتماعي والفضاء الخارجي، لذلك هو وثيق الصلة بعلم «السيمولوجيا». وهي كانت من أوائل من ربطوا بينه وبين التراث في عدد من أعمالها، إضافة إلى جهودها في توثيق الموروث الشفاهي الخليجي في نموذجه العماني، ولها أيضاً دراسات في فك شفرة الحنين بين المبدعين والأمكنة. انضمت أخيراً لمجلة «نزوى» الثقافية، كمستشارة لها، كما تشارك في لجان تحكيم المسابقات الأدبية. هنا حوار معها حول هذا المشوار وعلاقتها بقضايا الأدب والتراث:

> اندهش كثيرون حين أكدتِ أن شغفكِ بالتراث وأساطيره وحكاياته كان مدخلكِ للتخصص في علم «السيميائيات». كيف ترين العلاقة بين هذين العالمين اللذين قد يبدوان متناقضين للوهلة الأولى؟
- نعم قد تبدو «السيميائيات» بعيدة عن التراث لمن لا يعرف أنها نشأت في حضن المجتمع؛ فقد عرَّفها فرديناند دوسوسير بأنها (علم يدرس العلامات الاجتماعية)، ولهذا فإن التراث، وبخاصة الحكايات والأساطير حظيت باهتمام كبير من السيميائيات ودراساتها، إضافة إلى علوم اللغة الاجتماعية والجغرافية والنفسية وغيرها. ولهذا كان شغفي بدراسة التراث الثقافي منطلَقاً أساسياً لدراسة هذا العلم المهم الذي يدرس علاقة الإنسان بوصفه علامة بما ينتجه من علامات، وما يؤسسه منها، بل ما يحيطه منها في الفضاء الخارجي.
العلاقة بين التراث الثقافي والسيميائيات وطيدة جداً لأن التراث عبارة عن علامات أنتجها الإنسان ليستطيع تشكيل منظومته الاجتماعية الخاصة، ولهذا فإن تلك العلامات هي التي تشكل أساس الدراسات السيميائية المختلفة.
> العلاقة بين السيمائيات ولغة الجسد المصاحبة للكلام كانت موضع أطروحتكِ للدكتوراه. ما الذي جذبكِ لهذا الموضوع وما أبرز الخلاصات التي خرجتِ بها؟
- ما دفعني لاختيار هذا الموضوع أولاً أهمية علامات الجسد في التواصل الإنساني، فهو موضوع شائق من ناحية قدرة هذه العلامات على إرسال الرسائل وتأسيس التواصل في شتى الظروف بحيث تكون مصاحبة للكلام أحياناً، ومنفردة أحياناً أخرى، إضافةً إلى تميز المجتمعات ببعض هذه العلامات في حين يمكن اعتبار بعضها لغة عالمية موحدة. ثانياً لم يتم الاعتناء بهذه العلامات من علماء اللغة بشكل متخصص، بل لم تشكل أهمية في تفسير المدونة التي اعتمد عليها البحث.
أهم الخلاصات تتمثل في قصدية التواصل أو عدم قصديته في إشارات الجسد، وما يعنيه، وقيمة هُوية المرسل وقصده، والوضعية التي عليها المتلقي في معرفة خبايا الرسالة التي تبثّها علامات الجسد، وبالتالي إدراكها وتأويلها، إضافةً إلى أن هذه العلامات لا تشمل الحركات وحسب بل حتى الأزياء ونظام الموضة، وآداب التحية، وعادات الزواج، والميلاد والوفاة وغيرها، وأنظمة الطبخ، وإشارات المرور وعلامات الطرق، وغيرها من أنظمة الحياة والعلامات الإنسانية المختلفة.
> في كتابكِ «السلطة الخرساء» تدرسين علاقة المكان بالأديب كما ورد في السيرة الذاتية عند كل من الكاتبين العماني سيف الرحبي، والبحريني حسن مدن، لماذا اختيار هذين الكاتبين تحديداً، ولم تتطرقي إلى تجارب عربية أخرى؟
- في هذا الكتاب اخترت هاتين التجربتين لأنهما تشكلان بُعداً معرفياً مختلفاً بالنسبة لموضوع الكتاب؛ فلكل منهما تجربة مختلفة ومتخصصة، لأن سيف الرحبي تحدث عن ذكريات الطفولة، بينما اشتغل حسن مدن على الترحال والمدن التي سافر إليها. ولهذا فإن هذه التجارب ليست سيرة ذاتية كاملة، وإنما كتابة ذاتية وتداعيات اعتمدت على الصورة (الأيقون) التي اشتغلتُ عليها في هذا الكتاب. عربياً هناك تجارب متعددة، لكنني فضلت أن أكتب عن تجارب متقابلة ومن قُطر الخليج العربي.
> لكِ جهود معروفة في جمع التراث الشعبي والمرويات الشفاهية التي تعكس وجهاً من وجوه المخيلة الشعبية في سلطنة عمان، ما الذي جذبكِ لهذا الأمر، وهل يمكن أن يشمل هذا الجهد بقية دول الخليج مستقبلاً؟
- بدأتُ في هذا العمل خلال دراستي لأطروحة الماجستير التي اشتغلت فيها على (اللهجات)، وعندما كنت أعمل على جمع المادة ميدانياً، هالني ما اكتشفته من ثراء معرفي ضخم في التراث الثقافي، لربما لم نلتفت علمياً إلى أهميته في عُمان أو حتى في الخليج العربي، ولهذا اشتركت مع أحد الزملاء الباحثين في تأسيس مشروع (جمع التراث المرويّ) في وزارة التراث والثقافة حينها في عام 2006 عندما وقّعت سلطنة عمان وثيقة صون التراث الثقافي مع منظمة اليونيسكو، ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل مع الفرق البحثية المختلفة لجمع التراث الثقافي في عُمان، وقد أسسنا البرنامج الاستراتيجي للتراث الثقافي في مجلس البحث العلمي سابقاً، وهو الآن تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وهو من البرامج البحثية الفاعلة حيث تم تمويل (10) فرق بحثية مهمتها جمع التراث الثقافي في محافظات عُمان المختلفة، وما يميز هذا البرنامج أننا لا نطمح إلى جمع التراث وتبويبه وحسب بل إلى توظيفه واستثماره ضمن مشروع يسهم في دعم الاقتصاد الوطني، اعتماداً على الصناعات الإبداعية والابتكار.
بالنسبة لدول مجلس التعاون فليس لديّ شخصياً مشروعات خارج عُمان، لكن نأمل أن نؤسس مشروعاً مشتركاً على غرار (مركز الموروث الشعبي) الذي كان في تسعينات القرن الماضي.
> تلعب مجلة «نزوى» العمانية دوراً بارزاً في المشهد الثقافي العربي، فهل لديكِ رؤية ما لتطوير هذا الدور مستقبلاً في ضوء انضمامكِ لأسرة المجلة كمستشارة للتحرير؟
- مجلة «نزوى» من المجلات الرائدة على المستوى العربي، وانضمامي لفريق التحرير أعدّه شرفاً لي، فاسم المجلة وارتباطها باسم الشاعر سيف الرحبي، وحده يحفّز على العمل مع الفريق المتميز الذي تكونه المجلة. ما أضيفه من تطوير سيكون ضمن العمل البحثي والاستفادة من التجارب البحثية الرائدة عربياً وعالمياً، من خلال الملفات أو الدراسات والمتابعات.
> يتخوف بعض المثقفين من تكريم الدولة لهم باعتبار أن ذلك قد يؤثر على قدرتهم على ممارسة النقد البنّاء للسلطة ببلادهم، كيف ترين الأمر في ضوء حصولكِ على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى تكريماً لأنشطتك المتعددة في سلطنة عمان؟
- التكريم الذي تشرفت به من لدن حضرة السلطان هيثم بن طارق هو وسام رفيع بما يمثله لي شخصياً من تقدير من وطني، وحصولي عليه لا يعني أنني لا أستطيع الكتابة بحرية أو أن أقدم ما أراه من نقد بنّاء، فما زلت أكتب بذات الحرية، ولي في صحيفة «عمان» الرسمية مقال أسبوعي أكتب فيه بحرية تامة، حيث يتمتع الكاتب بحرية الرأي التي كفلها النظام الأساسي للدولة والقانون العماني.
> على مدار مسيرتكِ، كنتِ ولا تزالين رئيسة أو عضواً بالكثير من الهيئات واللجان والمجالس والروابط العمانية والعربية. هل يأتي ذلك ضمن مفهوم «المثقف الفاعل الإيجابي»، ألا تخشين أن يؤثر الأمر على تفرغك لمؤلفاتك العلمية؟
- في الحقيقة أنا أؤمن بأن دور المثقف يأتي في محورين أساسيين هما خدمة المجتمع ومنتجه الإبداعي أياً كان نوعه؛ ولهذا فإن تفاعل المثقف مع مجريات الأحداث والمؤسسات الثقافية في مجتمعه ينعكس إيجاباً على منتجه الثقافي، لكن أحياناً يأتي جانب على حساب آخر، لأن الانشغال مع المؤسسات الثقافية خصوصاً في مجالس الإدارة يجعل التفرغ للمؤلفات صعباً نوعاً ما، لكن دوماً ثمة محاولة للموازنة. على المستوى الشخصي نعم هناك تأثير بطبيعة الحال، وعلى سبيل المثال عندما كنت رئيسة مجلس إدارة النادي الثقافي بشكل خاص أثّر انشغالي بالإدارة والعمل في النادي والفعاليات على ما أنتجه من أعمال خاصة في مجال النقد، فلم أُنتج سوى بعض البحوث، لكني كنت أعوّض ذلك بما أكتبه من مقالات منتظمة.
> تطالبين كثيراً بـ«إعادة التخطيط الثقافي لمجتمع الصحراء» عربياً وخليجياً، ماذا تقصدين تحديداً، وما رأيكِ في بعض المثقفين الذين لا يرون في الصحراء سوى رمز للماضي ومعاداة الحداثة؟
- مجتمع الصحراء مجتمع غنيّ ثقافياً بل فكرياً وفلسفياً؛ ذلك لأن الإنتاج الحكائي والأسطوري استناد إلى ما تمتاز به المخيلة لدى الإنسان الذي يعيش في الصحراء، ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذا المجتمع والتخطيط للاستفادة من هذه المخيلة من خلال تأسيس المبادرات والبرامج الثقافية الداعمة للتوثيق والرصد، إضافة إلى قدرة هذا المجتمع على إثراء المخيلة الروائية والفنية.
> شاركتِ كعضو بلجان التحكيم في بعض الجوائز الأدبية العربية الكبرى. كيف ترين النقد الذي يوجَّه أحياناً لبعض الجوائز من أنها لا تذهب دائماً إلى مستحقيها وتؤثر سلباً على قيمة هذا الأديب أو ذاك؟
- الحكم هنا لا يمكن أن يكون قاعدة لكل الجوائز، فلكل جائزة معاييرها وظروفها؛ لأن بعض الجوائز يتقدم إليها آلاف المبدعين، بينما يُحجم الكثير منهم عن التقديم في بعضها الآخر، وبالتالي فإن المقياس دائماً بين من هم ضمن القائمة لا خارجها، بالإضافة إلى أنني عندما حكَّمت في بعض الجوائز كان يُحجب اسم الكاتب، بحيث نقوم بتقييم الإبداع نفسه دون معرفة المبدع، وهو أمر يندرج ضمن سياسة الجائزة، ومعايير التقييم التي تنتهج المنهج العلمي الموضوعي.
الجوائز ظاهرة صحية إذا ما تمت ضمن ضوابط وسياسات مهنية عالية الموضوعية، لتسهم في دعم النص الأدبي وتطويره، وبالتالي دعم المثقفين.
> أخيراً، كيف ترين الرواية النسائية الخليجية بين ملامح الواقع ورهانات المستقبل؟
- إن كنت تقصدين (الرواية التي تنتجها النساء) فإن نصوصهن تشهد بالقيمة الأدبية والفنية التي تتميز بها، سواء من حيث الموضوعات المطروحة أو البناء الفني الذي يعتمدنه والتطوير في أشكاله وأنواعه، حيث لم تصبح هذه الروايات محلية أو إقليمية بل انتشرت على مستوى العالم، خصوصاً عندما فازت د. جوخة الحارثي بجائزة البوكر العالمية للرواية المترجمة. وما نشهده بعد ذلك من نتاجات روائية ذات بُعد فني يعتمد على تطوير القيمة الفنية من ناحية والاستفادة من المخزون الثقافي المجتمعي من ناحية أخرى.
أعتقد أن الرواية في منطقة الخليج تتطور فنياً بشكل كبير، ولهذا فإن النصوص التي تنتجها النساء تنتهج مسارات متنوعة، وتقدم أنماطاً سردية قادرة على فتح آفاق فكرية جديدة تستفيد من الواقع الكائن لبناء واقع ممكن اعتماداً على المخيلة الخصبة والإمكانات الفنية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.