مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

المدينة أعطتها الخصوصية والأجانب أسسوا بداياتها

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير
TT

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

في كتاب «مدرسة الإسكندرية للتصوير السينمائي» يسعى الباحثان المصريان إبراهيم دسوقي وسامي حلمي لإبراز العناصر التي تؤكد وجود مدرسة سكندرية لتصوير السينما في مصر، مختلفة في سماتها وخصائصها عن تلك التي تَميز بها مصورو السينما القاهريون. وقام المؤلفان من أجل ذلك بالتنقيب والبحث في أصول المدرسة السكندرية والتفتيش في جذورها خاصة وبداياتها على أرض المدينة، كما عملا على توثيق ملامح وخصائص وأسلوب التصوير السينمائي السكندري، وتتبعا بالتحليل والدراسة أفلام مجموعة من المصورين الأجانب الذين كانوا يقيمون هناك، وامتهنوا في بداياتهم التصوير الفوتوغرافي؛ أمثال دوريس، وأورفانيللي، وكياريني، وغيرهم من الذين أسسوا لنهضة وصناعة السينما المصرية مع تلاميذهم من المصريين، كما قام المؤلفان بتوثيق جهود مدير التصوير عبد الحليم نصر، صاحب الدور الرائد في هذا المجال، وكذلك شقيقه الفنان محمود نصر، وفي نهاية كل فصل من فصول الكتاب الأربعة قدم الباحثان فيلموجرافيا منقحة وشاملة ضمت أعمال رواد فن التصوير السينمائي في مصر، ووضعا فيها الكثير من الإضافات لأعمال مجهولة لم تكن معلومة من قبل.
ملامح سينما دوريس
تَركز الفصل الأول من الكتاب على إبراز ملامح سينما «دوريس» المعلم الأول للتصوير السكندري، والذي قدم فيلماً وحيداً هو «أنشودة الفؤاد»، وقال المؤلفان إن هناك الكثير من المشاهد الخارجية المميزة لمدرسة التصوير السينمائي ظهرت في هذا العمل، وتمثلت في أسلوبه في تصوير البادية أو الصحراء وغيرها من الأماكن، لافتين النظر إلى أن المصور السكندري من أصل إيطالي «أمبرتو مالافلاس دوريس» كان الأنشط والأكثر حركة بين فناني عصره، فقد جمع حوله مجموعة من المساعدين لم يظهروا بأسمائهم في الشرائط المصورة للأحداث العامة والرياضية والوطنية المختلفة، أما ما تبقى من وثائق فكان مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تؤكد حضوره في الحقل السينمائي والأفلام الروائية.
طبيعة التصوير السكندري
ورغم قلة المصادر التي استند إليها المؤلفان في كتابهما، فإنهما وعبر قراءة الكثير من قصاصات الصحف والوثائق حاولا تتبع إسهامات مجموعة من المصورين الإيطاليين والفرنسيين، من أجل إثبات مكانتهم ودورهم في صناعة السينما المصرية، وهي محاولة غير مسبوقة في ظل عدم وجود أرشيف وثائقي يحفظ التاريخ الماضي، وقد حاولا تقديم بحث تاريخي يردّ الفضل لأصحاب الريادة الأولى، ويوثّق أدوارهم المهمة في التصوير السكندري.
وذكر المؤلفان أن مصوري وفناني مدرسة الإسكندرية استفادوا من البحر والأفق المفتوح والطبيعة الكوزموبوليتانية، وهو ما ظهر في التصوير الخارجي، والبراح المتمثل في التعايش بين الأعراق والأديان، والذي يمكن ملاحظته في سينما أمبرتو دوريس، وألفيزي أورفانيللي، ومحمد بيومي، وتوجو مزراحي، وعبد الحليم نصر، كما أن هناك عنصراً آخر مهماً لم تتم الإشارة إليه هو الأداء التمثيلي من نجوم وكومبارس الإسكندرية، فقد كانوا مختلفين تماماً، عمَّا قدمه أقرانهم في الفترة نفسها من إنتاجات سينما مدرسة القاهرة، وقد أكدوا بأعمالهم مكانة سينما تميزت بسمات خاصة بهم عبر الأعمال الوثائقية والإخبارية التي أبدعوها طوال الفترة من عام 1897 حتى عام 1930، وكانت تتسم بكثافة الإنتاج وتعدده وامتلاك ناصية الحرفة وسرعة التنفيذ والابتكار.
وذكر المؤلفان أن الإسكندرية كانت تملك أكثر من معمل واستديو تصوير سينمائي وجيشاً من الفنانين والفنيين الذين أسهموا في إبداع ملامح سينمائية تخص المدينة وحدها، أسهم في تطويرها واستمرارها توفر التمويل الذي قدمه رجال إعمال لعبوا دوراً لا يقل أهمية في دعم صناعة السينما إنتاجاً وتمويلاً وساعدوا في خلق نوع من الرواج صاحَب عمليات الإبداع ودفع عجلة الإنتاج السينمائي نحو مسارها المتعارف عليه تاريخياً.
سمات مصوري الإسكندرية
وتركز أبرز فصول الكتاب الذي جاء بعنوان «أسطوات تصوير مدرسة الإسكندرية في السينما المصرية» حول سمات وملامح التصوير السينمائي الذي كان يعتمد على الضوء الغامر الساطع للشمس، وكانت الاستديوهات وقتها، وبسبب ذلك، تُبنى في حدائق القصور أو تُنشأ محاطة بالزجاج أو فوق أسطح البنايات. وقد استطاع المصورون رغم الإمكانيات الفقيرة أن يقدموا الشكل الأمثل للأشخاص، ويضبطوا حركتهم في إطار الكادر المتفق عليه، وقد دفعهم ذلك فيما بعد لاستحداث مهنة مدير التصوير لإدارة دفة العمل بدقة وحرفية لرصد كل من يتحرك أمام الكاميرا التي كانت تدار باليد.
هذه المهارات اكتسبها فنانو الإسكندرية، حسبما جاء في الكتاب، من خلال الخروج إلى الشارع وتسجيل الحياة اليومية عبر الشرائط الإخبارية، وهو ما ساعدهم على ترسيخ أقدامهم خلف الكاميرات التي اعتمدت على وجود إضاءة أمامية تعطي للصورة وحدة اتزان، وتمنحها تكويناً بصرياً مقبولاً لدى المشاهد، يعتمد على نقل البورتريه إلى الشاشة في اللقطات الكبيرة للتعبير عن الموقف من خلال انفعالات الوجه، وقد بدا ذلك واضحاً في لقطات متنوعة متوسطة أضاف إليها المصورون مسحة جمالية ظهرت في أفلام توجو مزراحي الأولى «المندوبان»، و«فرحات»، و«العز بهدلة».
وهناك سمات مهمة أخرى برزت لدى فناني الإسكندرية تبدّت في إتقان العمل بين الكاميرا وحركة الممثل معاً؛ وقد وجدها المصور ضرورة فنية وتقنية عند التسجيل في الشوارع، وكان ضرورياً استخدام الضوء بشكل أمثل من أجل تقديم صورة سينمائية مختلفة لم يشاهدها المتفرج من قبل مثل الملاعب ومحطات القطار والكورنيش الحديث الذي بُنِي بعد عام 1935، وميدان المنشية، وسيدي جابر، وطريق الحرية حالياً، ومحطة مصر سابقاً، وغيرها. كذلك وجد المصورون أن تنفيذ المشاهد الداخلية في استديو ألفيزي وتوجو مزراحي، يعتمد على ضوء بدائي في مكوناته، ويستند بشكل رئيسي إلى المكون الأساسي في الفوتوغرافيا بعد تطويرها وإضافة العواكس من خلال منهج مدروس يضمن إضاءة المكان والديكور وعناصر الممثلين. ويُلاحظ في إنتاجات تلك الفترة أن الاعتماد كان أساساً على التصوير الخارجي في أكثر من مكان، أما استخدام الاستديو أو البلاتوه فكان يتم عند الضرورة القصوى وفي عدد محدود من الديكورات البدائية.
أرقى نماذج التصوير
أما الفصل الثالث «عبد الحليم نصر... تلميذ الخواجة» فقد تخصص في سينما مدير التصوير عبد الحليم نصر، وتتبع حياته ونشأته، ومسيرته التصويرية منذ بدايته في استديو ألفيزي أورفانيللي معلمه الأول عام 1929، وحتى فيلمه «البحار» الذي قدمه بعد ست سنوات من التحاقه بالعمل في التصوير، وقد ظهرت موهبته مبكراً، وذاع صيته وكان وقتها لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.
كانت الصور الإبداعية التي كوّنها عبد الحليم نصر عبر تاريخه الطويل، وصاغ من خلالها أعماله السينمائية متجددة، وتطورت عبر مسيرته، وزخرت في النهاية بعالمه الفريد المتمكن في التعبير عن النص الروائي بقماشة سينمائية تحمل الكثير من الدلالات التعبيرية الخاصة به ومن خلال عينه التي قدمت أفلاماً مثل «ميرامار» عام 1969 من إخراج كمال الشيخ، ربط نصر بين «بنسيون ميرامار» وبين الحالات الدرامية المختلفة التي تدور داخله بشخصياته المعقدة المتنافرة، وبين العالم الذي يموج خارجه، وقد ظهر أسلوبه الكلاسيكي في رسم وقائع الحركة عبر منظور الصور الخارجية، ليؤكد عمق وترابط الموضوعات المقدمة من الشخصيات مع حكايات الإسكندرية في الكازينوهات والصالات، والكثير من المعالم البارزة وصولاً إلى قلعة قايتباي.
ولم يغفل الكتاب الحديث عن فيلم «الأرض» الذي صوّره نصر أيضاً، وركز على اللقطة الأخيرة والحل البصري والنهاية المؤلمة والحزينة التي عرضها لتلك اليد التي تتمسك بالأرض بينما الدماء تنزف منها. كما تحدث الكتاب عن المصور محسن نصر الشقيق الثالث لعبد الحليم، والذي صوّر أعمالاً مبدعة للمخرج يوسف شاهين، تمثل علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية منها «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«وداعاً بونابرت» فضلاً عن بعض أعمال المخرج علي بدرخان مثل «شفيقة ومتولي»، و«أهل القمة».
وتضمن الكتاب حديثاً مفصلاً عن المشاهير الأُوَل في التصوير السكندري ومنهم ديفيد كورنيل، وتوليو كياريني، وأشلي بريمافيرا، وجوليو دي لوكا، وفيري فاركاش، وكليليو شيشفيللي، ومحمود نصر، وبرونو سالفي، وكذا إبراهيم لاما وإبراهيم شيب، والذين كانوا نجوم البدايات التي تميزت بإنتاج الفيلم الروائي الطويل الصامت، وقد جعلوا معامل واستديوهات «ألفيزي» مدرسة لتعلم الطبع والإظهار والتحميض، وعملوا داخل القصور الملكية فترات طويلة، وقد ترك بعضهم المهنة مع دخول الحلفاء أراضي مصر في أثناء الحرب العالمية الثانية وغادروا البلاد، ومنهم من قضى بعض الوقت في سجن الأجانب، كما استمرت نخبة منهم حتى قيام ثورة يوليو (تموز) 1952، ثم هاجر معظمهم بعد تأميمات يوليو عام 1961، تاركين بصمات كبيرة وأعمالاً سينمائية مهمة.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.