مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

المدينة أعطتها الخصوصية والأجانب أسسوا بداياتها

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير
TT

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

مدرسة الإسكندرية السينمائية... حاضنة رواد التصوير

في كتاب «مدرسة الإسكندرية للتصوير السينمائي» يسعى الباحثان المصريان إبراهيم دسوقي وسامي حلمي لإبراز العناصر التي تؤكد وجود مدرسة سكندرية لتصوير السينما في مصر، مختلفة في سماتها وخصائصها عن تلك التي تَميز بها مصورو السينما القاهريون. وقام المؤلفان من أجل ذلك بالتنقيب والبحث في أصول المدرسة السكندرية والتفتيش في جذورها خاصة وبداياتها على أرض المدينة، كما عملا على توثيق ملامح وخصائص وأسلوب التصوير السينمائي السكندري، وتتبعا بالتحليل والدراسة أفلام مجموعة من المصورين الأجانب الذين كانوا يقيمون هناك، وامتهنوا في بداياتهم التصوير الفوتوغرافي؛ أمثال دوريس، وأورفانيللي، وكياريني، وغيرهم من الذين أسسوا لنهضة وصناعة السينما المصرية مع تلاميذهم من المصريين، كما قام المؤلفان بتوثيق جهود مدير التصوير عبد الحليم نصر، صاحب الدور الرائد في هذا المجال، وكذلك شقيقه الفنان محمود نصر، وفي نهاية كل فصل من فصول الكتاب الأربعة قدم الباحثان فيلموجرافيا منقحة وشاملة ضمت أعمال رواد فن التصوير السينمائي في مصر، ووضعا فيها الكثير من الإضافات لأعمال مجهولة لم تكن معلومة من قبل.
ملامح سينما دوريس
تَركز الفصل الأول من الكتاب على إبراز ملامح سينما «دوريس» المعلم الأول للتصوير السكندري، والذي قدم فيلماً وحيداً هو «أنشودة الفؤاد»، وقال المؤلفان إن هناك الكثير من المشاهد الخارجية المميزة لمدرسة التصوير السينمائي ظهرت في هذا العمل، وتمثلت في أسلوبه في تصوير البادية أو الصحراء وغيرها من الأماكن، لافتين النظر إلى أن المصور السكندري من أصل إيطالي «أمبرتو مالافلاس دوريس» كان الأنشط والأكثر حركة بين فناني عصره، فقد جمع حوله مجموعة من المساعدين لم يظهروا بأسمائهم في الشرائط المصورة للأحداث العامة والرياضية والوطنية المختلفة، أما ما تبقى من وثائق فكان مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تؤكد حضوره في الحقل السينمائي والأفلام الروائية.
طبيعة التصوير السكندري
ورغم قلة المصادر التي استند إليها المؤلفان في كتابهما، فإنهما وعبر قراءة الكثير من قصاصات الصحف والوثائق حاولا تتبع إسهامات مجموعة من المصورين الإيطاليين والفرنسيين، من أجل إثبات مكانتهم ودورهم في صناعة السينما المصرية، وهي محاولة غير مسبوقة في ظل عدم وجود أرشيف وثائقي يحفظ التاريخ الماضي، وقد حاولا تقديم بحث تاريخي يردّ الفضل لأصحاب الريادة الأولى، ويوثّق أدوارهم المهمة في التصوير السكندري.
وذكر المؤلفان أن مصوري وفناني مدرسة الإسكندرية استفادوا من البحر والأفق المفتوح والطبيعة الكوزموبوليتانية، وهو ما ظهر في التصوير الخارجي، والبراح المتمثل في التعايش بين الأعراق والأديان، والذي يمكن ملاحظته في سينما أمبرتو دوريس، وألفيزي أورفانيللي، ومحمد بيومي، وتوجو مزراحي، وعبد الحليم نصر، كما أن هناك عنصراً آخر مهماً لم تتم الإشارة إليه هو الأداء التمثيلي من نجوم وكومبارس الإسكندرية، فقد كانوا مختلفين تماماً، عمَّا قدمه أقرانهم في الفترة نفسها من إنتاجات سينما مدرسة القاهرة، وقد أكدوا بأعمالهم مكانة سينما تميزت بسمات خاصة بهم عبر الأعمال الوثائقية والإخبارية التي أبدعوها طوال الفترة من عام 1897 حتى عام 1930، وكانت تتسم بكثافة الإنتاج وتعدده وامتلاك ناصية الحرفة وسرعة التنفيذ والابتكار.
وذكر المؤلفان أن الإسكندرية كانت تملك أكثر من معمل واستديو تصوير سينمائي وجيشاً من الفنانين والفنيين الذين أسهموا في إبداع ملامح سينمائية تخص المدينة وحدها، أسهم في تطويرها واستمرارها توفر التمويل الذي قدمه رجال إعمال لعبوا دوراً لا يقل أهمية في دعم صناعة السينما إنتاجاً وتمويلاً وساعدوا في خلق نوع من الرواج صاحَب عمليات الإبداع ودفع عجلة الإنتاج السينمائي نحو مسارها المتعارف عليه تاريخياً.
سمات مصوري الإسكندرية
وتركز أبرز فصول الكتاب الذي جاء بعنوان «أسطوات تصوير مدرسة الإسكندرية في السينما المصرية» حول سمات وملامح التصوير السينمائي الذي كان يعتمد على الضوء الغامر الساطع للشمس، وكانت الاستديوهات وقتها، وبسبب ذلك، تُبنى في حدائق القصور أو تُنشأ محاطة بالزجاج أو فوق أسطح البنايات. وقد استطاع المصورون رغم الإمكانيات الفقيرة أن يقدموا الشكل الأمثل للأشخاص، ويضبطوا حركتهم في إطار الكادر المتفق عليه، وقد دفعهم ذلك فيما بعد لاستحداث مهنة مدير التصوير لإدارة دفة العمل بدقة وحرفية لرصد كل من يتحرك أمام الكاميرا التي كانت تدار باليد.
هذه المهارات اكتسبها فنانو الإسكندرية، حسبما جاء في الكتاب، من خلال الخروج إلى الشارع وتسجيل الحياة اليومية عبر الشرائط الإخبارية، وهو ما ساعدهم على ترسيخ أقدامهم خلف الكاميرات التي اعتمدت على وجود إضاءة أمامية تعطي للصورة وحدة اتزان، وتمنحها تكويناً بصرياً مقبولاً لدى المشاهد، يعتمد على نقل البورتريه إلى الشاشة في اللقطات الكبيرة للتعبير عن الموقف من خلال انفعالات الوجه، وقد بدا ذلك واضحاً في لقطات متنوعة متوسطة أضاف إليها المصورون مسحة جمالية ظهرت في أفلام توجو مزراحي الأولى «المندوبان»، و«فرحات»، و«العز بهدلة».
وهناك سمات مهمة أخرى برزت لدى فناني الإسكندرية تبدّت في إتقان العمل بين الكاميرا وحركة الممثل معاً؛ وقد وجدها المصور ضرورة فنية وتقنية عند التسجيل في الشوارع، وكان ضرورياً استخدام الضوء بشكل أمثل من أجل تقديم صورة سينمائية مختلفة لم يشاهدها المتفرج من قبل مثل الملاعب ومحطات القطار والكورنيش الحديث الذي بُنِي بعد عام 1935، وميدان المنشية، وسيدي جابر، وطريق الحرية حالياً، ومحطة مصر سابقاً، وغيرها. كذلك وجد المصورون أن تنفيذ المشاهد الداخلية في استديو ألفيزي وتوجو مزراحي، يعتمد على ضوء بدائي في مكوناته، ويستند بشكل رئيسي إلى المكون الأساسي في الفوتوغرافيا بعد تطويرها وإضافة العواكس من خلال منهج مدروس يضمن إضاءة المكان والديكور وعناصر الممثلين. ويُلاحظ في إنتاجات تلك الفترة أن الاعتماد كان أساساً على التصوير الخارجي في أكثر من مكان، أما استخدام الاستديو أو البلاتوه فكان يتم عند الضرورة القصوى وفي عدد محدود من الديكورات البدائية.
أرقى نماذج التصوير
أما الفصل الثالث «عبد الحليم نصر... تلميذ الخواجة» فقد تخصص في سينما مدير التصوير عبد الحليم نصر، وتتبع حياته ونشأته، ومسيرته التصويرية منذ بدايته في استديو ألفيزي أورفانيللي معلمه الأول عام 1929، وحتى فيلمه «البحار» الذي قدمه بعد ست سنوات من التحاقه بالعمل في التصوير، وقد ظهرت موهبته مبكراً، وذاع صيته وكان وقتها لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره.
كانت الصور الإبداعية التي كوّنها عبد الحليم نصر عبر تاريخه الطويل، وصاغ من خلالها أعماله السينمائية متجددة، وتطورت عبر مسيرته، وزخرت في النهاية بعالمه الفريد المتمكن في التعبير عن النص الروائي بقماشة سينمائية تحمل الكثير من الدلالات التعبيرية الخاصة به ومن خلال عينه التي قدمت أفلاماً مثل «ميرامار» عام 1969 من إخراج كمال الشيخ، ربط نصر بين «بنسيون ميرامار» وبين الحالات الدرامية المختلفة التي تدور داخله بشخصياته المعقدة المتنافرة، وبين العالم الذي يموج خارجه، وقد ظهر أسلوبه الكلاسيكي في رسم وقائع الحركة عبر منظور الصور الخارجية، ليؤكد عمق وترابط الموضوعات المقدمة من الشخصيات مع حكايات الإسكندرية في الكازينوهات والصالات، والكثير من المعالم البارزة وصولاً إلى قلعة قايتباي.
ولم يغفل الكتاب الحديث عن فيلم «الأرض» الذي صوّره نصر أيضاً، وركز على اللقطة الأخيرة والحل البصري والنهاية المؤلمة والحزينة التي عرضها لتلك اليد التي تتمسك بالأرض بينما الدماء تنزف منها. كما تحدث الكتاب عن المصور محسن نصر الشقيق الثالث لعبد الحليم، والذي صوّر أعمالاً مبدعة للمخرج يوسف شاهين، تمثل علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية منها «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» و«وداعاً بونابرت» فضلاً عن بعض أعمال المخرج علي بدرخان مثل «شفيقة ومتولي»، و«أهل القمة».
وتضمن الكتاب حديثاً مفصلاً عن المشاهير الأُوَل في التصوير السكندري ومنهم ديفيد كورنيل، وتوليو كياريني، وأشلي بريمافيرا، وجوليو دي لوكا، وفيري فاركاش، وكليليو شيشفيللي، ومحمود نصر، وبرونو سالفي، وكذا إبراهيم لاما وإبراهيم شيب، والذين كانوا نجوم البدايات التي تميزت بإنتاج الفيلم الروائي الطويل الصامت، وقد جعلوا معامل واستديوهات «ألفيزي» مدرسة لتعلم الطبع والإظهار والتحميض، وعملوا داخل القصور الملكية فترات طويلة، وقد ترك بعضهم المهنة مع دخول الحلفاء أراضي مصر في أثناء الحرب العالمية الثانية وغادروا البلاد، ومنهم من قضى بعض الوقت في سجن الأجانب، كما استمرت نخبة منهم حتى قيام ثورة يوليو (تموز) 1952، ثم هاجر معظمهم بعد تأميمات يوليو عام 1961، تاركين بصمات كبيرة وأعمالاً سينمائية مهمة.



قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»