جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

محاضر جلسات «خميس مجلة شعر» في كتاب يصدر غداً

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
TT

جاك أماتييس السالسي يوثّق كواليس شعراء «قصيدة النثر»

من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960
من اليسار في الصف الأمامي: شوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط ويوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس ولورا غريب وخالدة سعيد... وفي الصف الخلفي: جورج صيدح ونازك الملائكة وبدوي الجبل وسلمى خضراء الجيوسي وقد جمعتهم إحدى جلسات {خميس مجلة شعر} في يناير 1960

قد تكون المرة الأولى التي ينتقل فيها الكلام حول ولادة قصيدة النثر، وتحولات الشعر العربي الحديث، من طور الجدل الشفاهي وتراشق الادعاءات، إلى التوثيق، من خلال كتاب جمع، عشرات من محاضر جلسات، «خميس مجلة شعر»، التي ناقش خلالها كبار أدباء العرب في تلك المرحلة، دواوين ستصبح في كثير منها، من بين الأشهر والأهم في القرن العشرين.
تمكن الأب جاك أماتييس السالسي، بفضل إحاطته بتلك المرحلة، وعميق معرفته بيوسف الخال، أن يضيف إلى المحاضر التي تغطي الفترة من 1957 إلى 1964 دراسات وصوراً وتحاليل وفهارس، تزود القارئ برؤية واضحة عن الجو الأدبي في خمسينات وستينات القرن الماضي، من خلال أدباء المرحلة أنفسهم.
سيصدر الكتاب في أكثر من 500 صفحة عن «دار نلسن» في بيروت، تحت عنوان «خميس مجلة شعر»، ويتكون من أربعة أقسام، تحتل المحاضر نحو نصف الكتاب. يكتشف القارئ، كم كانت النقاشات جادة، والأحكام مدروسة، والمتابعة الأدبية حثيثة، كل يدلي بدلوه، وكأنه يصنع التاريخ. فالجلسات الأسبوعية كانت إضافة إلى جماعة «مجلة شعر»، تستضيف أدباء لبنانيين وعرباً، من بينهم سلمى الخضراء الجيوسي، وفدوى طوقان، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ونذير العظمة، وكثر آخرون.
بدأت «ندوة الخميس» كملتقى شعراء جاءوا لإلقاء قصائدهم والإصغاء إلى نقدها، ناقشوا مفهوم الشعر، وأساليب التعبير واللغة وصورة الشاعر في التراث. طرح يوسف الخال المفهوم الجديد للشعر الذي يتمثل في التعبير عن تجربة صادقة ترتفع فوق الزمان والمكان وتعكس شمولية التجربة الإنسانية. كذلك برز مفهوم جديد للقصيدة حيث أصبحت خلقاً يتحد فيها المبنى والمعنى في وحدة عضوية، كما ظهرت صورة جديدة للشاعر الحديث الذي تسربل برداء الفيلسوف والنبي.
في المرحلة الثانية، وابتداء من 3 أبريل (نيسان) 1958. اقتصرت الندوة على المشتغلين في الشعر وبعض الزوار، وصار المحور هو نقد المجموعات الشعرية الصادرة عن دار «مجلة شعر».
المحاضر في الكتاب، تقرأ بمتعة كبيرة، لأنها تعكس حيوية الحوارات التي كانت تدور في تلك الجلسات، وشكلت مطبخ المجلة الفعلي، وورشات عمل على مدار السنة، حيث نكتشف، كيف كان يتخاطب شعراؤنا الكبار، وحول ما يختلفون، أو يتفقون.
الندوة كرست العديد من اجتماعاتها في ربيع عام 1960 لقراءة قصائد لأنسي الحاج، وهي التي كانت الشرارة التي أثارت موضوع قصيدة النثر. ثم بعد ذلك قدّم أدونيس دراسته عن قصيدة النثر وقرأها على الحضور في أبريل 1960. لكن شوقي أبي شقرا كان قد نشر في فبراير (شباط) من السنة نفسها، أربع قصائد، ونوقشت في ندوة الخميس، ولم يخلص المجتمعون إلى نتيجة بشأنها. لكن أبي شقرا كان قد نشر منذ أبريل 1959. نموذجاً شعرياً آخر، تحت عنوان «رب البيت الصغير» وصفه هو بأنه «قصيدة نثر» كمصطلح فني للتعريف بنصه. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، كتب مقالة عن ألويزيوس برتران (1841 - 1907) أبي قصيدة النثر، مظهراً اهتماماً خاصاً بهذا النوع الأدبي.
لذلك تاريخياً يمكن قول التالي: إن أنسي الحاج كان أول من أثارت قصائده موضوع قصيدة النثر في «ندوة الخميس»، وأبي شقرا هو أول من نشر محاولة وصفها بقصيدة نثر، وأدونيس كتب أول دراسة حول هذه القصائد.
لكن خالدة سعيد، في رسالة منشورة في الكتاب تقول التالي: «بدايات الشعر نثراً كانت قد حضرت قبل ذلك. كما أن المحاولات والإرهاصات والبوادر في اتجاه التجديد شكلاً ومضموناً كانت قد انطلقت منذ مطالع القرن العشرين في سوريا مع مجلة لم تعمر طويلاً هي (القيثارة)». وتكمل خالدة سعيد أن هذه المجلة «نشرت لسورياليين عرب، كما نشر فيها أدونيس في بداياته، يوم كان طالب ثانوية».
وبالطبع كان ثمة محاولات عربية لكتابة قصيدة النثر في العراق وفلسطين وأماكن أخرى، لكن «مجلة شعر» تعتبرها إحدى إنجازاتها، لما هيأت لها من جو ودفع، واعتراف بكينونتها، في خضم معركتها من أجل «قیام شعر طلیعي تجریبي».
ومما تتحدث عنه الناقدة خالدة سعيد هو أن عوامل ودوافع التجديد، والرغبة في الابتكار والتحديث الذي اعتبرته «مجلة شعر» على رأس أولوياتها كانت أسبابه عديدة، ولا تنكر تأثير أنطون سعادة وكتابه «الصراع الفكري في الأدب السوري» لكنها قالت أيضاً: «كانت هناك في الجو رياح تجديد، قادمة من مواقع مختلفة، لا أستطيع الآن أن أستحضرها جميعاً». وتعطي الناقدة أمثلة السوريالية الفرنسية والسورياليات العربية، بالأخص في سوريا ومصر.
ويعتبر مؤلف الكتاب، الأب جاك أماتييس السالسي أن «حركة مجلة شعر» وندوة خميسها، حاملة راية الثورة والتمرد والرفض أمام جمود التراث العربي، قامت بتأسيس ورعاية يوسف الخال وقيادته. وكتابان يقفان في الخلفية الفكرية لهذا الشاعر، هما: «المقدمة» لشارل مالك و«الصراع الفكري في الأدب السوري» لأنطون سعادة. وفي رأيه أن شخصية الخال حملت ملامح من فكر مالك وسعادة. استمد من الأول معاني الحرية، أهمية العقل الباحث عن الحقيقة، وفكرة وحدة الحضارة الإنسانية. واستلهم من الثاني مفهوم التجديد والنظرة الجديدة إلى «الكون والحياة والفن» لإحداث نهضة حضارية وتأسيس عقلية حديثة.
ويخصص الكتاب صفحات لما لم تتطرق إليه محاضر جلسات «خميس شعر»، ومنه الخلاف مع «مجلة الآداب» حينها. وأمر آخر أكثر طرافة، هو أن «جريدة النهار» كانت قد خصصت في تلك الفترة، مسابقة لقصيدة النثر، بعد أن تفاعل الموضوع ثقافياً، وفاز بها محمد الماغوط في 20 سبتمبر (أيلول) 1960. ومن المستغرب ألا يرد في المحاضر أي ذكر لهذا الأمر، رغم أنه في صميم اهتمام أصحاب الندوة.
جمع المؤلف هذه المحاضر المهمة التي لا يمكن معرفة ما كان يدور في كواليس مجلة شعر من دونها، من جريدتي «النهار» و«الجريدة» وما نشرته مجلة «شعر» من نشاطات الندوة في باب «قضايا وأخبار». وكذلك اعتمد الكتاب على صفحة النهار الثقافية بين عامي 1957و1964؛ ثم «خواطر» يوسف الخال وأدونيس التي هي بنفس أهمية المحاضر بما نقلته من معلومات عن مناقشات «الخميس» ومعاني الحداثة والقضايا الشعرية.
واذ يصف المؤلف ظاهرة «مجلة شعر» وخميسها بأنها «إنسانية - حضارية ثقافية - أدبية»، يشرح أنها تأسست في سياق ولادة تجمعات أخرى شهدها القرن العشرون، تشكلت بسبب المآسي الاستثنائية التي عاشتها البشرية. حربان عالميتان، الثورة البولشيفية، الارتجاجات المفصلية التي تعرضت لها المنطقة العربية، التيارات الغربية التي بدأت تتسرب إلى الفكر العربي. خلال هذه الفترة نشأت تجمعات، منها «الرابطة القلمية» عام 1920 في أميركا الشمالية، «العصبة الأندلسية» في أميركا الجنوبية عام (1932 - 1960)، «جماعة أو مدرسة الديوان» عام 1921. وفي مصر أيضاً أنشأ أحمد زكي أبي شادي «جماعة أبوللو» وأصدر «مجلة أبوللو» عام 1932...
أما في لبنان فأنشأ ميشال أسمر «الندوة اللبنانية» عام 1946 لتكون منبراً لـ«قوة المفكرين» تاريخاً وثقافة. وعام 1956 ألّف شبان طليعيون، أكثرهم من مدرسة الحكمة، «حلقة الثريا»، التي رسمت طريقاً لمستقبل الأدب والشعر والسياسة الوطنية.
وعام 1957 أسس يوسف الخال في لبنان «حركة مجلة شعر» وندوتها الأسبوعية «خميس مجلة شعر»، التي احتضنت الحركة الشعرية الجديدة الناشئة في العالم العربي واتخذها حافزاً لمبادرة ثقافية جريئة مغامرة.
انتهت جلسات «خميس مجلة شعر»، منذ أكثر من نصف قرن، لكن القضايا التي طرحتها لا تزال موضع اهتمام المثقفين والباحثين، لأنها تضرب بجذورها عميقاً، ولا تزال تستحق الدراسة والبحث.
يصف يوسف الخال نشاط «حركة مجلة شعر» و«ندوة الخميس»، قائلاً: «نحن مفترق الطريق. لا للشعر فقط، بل فيما ننتمي إليه أيضاً. بعدنا لن يكون وجه الأشياء كذي قبل. فالكارثة نحن: طوفاناً كنا أم ولادة... نحن في لبنان والعرب، شرارة الحريق الأولى».
خلاصة لمناقشات خميس مجلة شعر لديوان السياب «أنشودة المطر» *
استهل فؤاد رفقة الكلام بقوله: «انطباعي عن إنتاج بدر شاعر يتطور وقد مر في ثلاث مراحل: تقليدية، وتطورية، ونضج. هناك عناصر مشتركة في المراحل الثلاث. ورأيت أن نتناوله من أربع زوايا: الصورة، والأسطورة، والأسلوب، والنفس الشعري… في المرحلة التقليدية هناك صور ولكن يطغى عليها هدير قوي، فهي صورة خلفية كما أنه ليس هناك رمز أو قضية كبرى. أما أسلوبه في المرحلة الأولى فمرتبط بالقديم - أنه خال من الحرارة والدم. أنه أقرب إلى الوجدانية أو الرومنطيقية.
يوسف الخال: ألا تعتقد أنه في هذه المرحلة الأولى متأثر بأبو شبكة؟
فؤاد رفقة: أعتقد ذلك… في المرحلة الثانية بقي الرمز متخفياً وعابراً. إنما هنا يدخل شيئان جديدان. أنه يكسر الشكل، العمود الشعري يتكسر. أما الشيء الثاني فهو أن اللفظة تصبح حية. هناك أيضاً حوار داخلي لم يكن ظاهراً في المرحلة الأولى.
أما المرحلة الثالثة فأهم ما هناك هو الرمز. ويعود ذلك في رأيي إلى عمق الرؤيا - وعمق الرؤيا يفرض على الشاعر أن يرتكز على الرمز. الرمز أصبح بارزاً بينما خفت الوجدانية وغطيت بالرمز والصورة والموضوع. تلاشت الفوضوية وأصبحت القصيدة أكثر واقعية ونضجاً ووعياً.
من الظاهر أن بدر يرى أن الإنسان خير - ولذلك، مثلاً، يعود في قصائده إلى الطفولة (في جيكور) - ويخاف من الموت.
أما موقف بدر فهو موقف بعث شعبه، ولكنه في عودته إلى الطفولة خرج من الجو الحضاري وأطل على الجو الميتافيزيقي الأرحب.

ثلاثة أشياء
يوسف الخال: أريد أن أبرز ثلاثة أشياء: أولاً، ما الذي يفسر نزعة بدر الوطنية الشعبية القوية - المحبة والالتصاق القويين بالشعب. ثانياً ما الذي يفسر كونه شاعراً تموزياً يؤمن بالبعث. والنقطة الثالثة: هل التبدل الذي حدث في المرحلة الثالثة هو الذي فتح المجال الميتافيزيقي كي يقفز الشاعر قفزة جديدة؟ لقد فتح طاقة جديدة بعد موقفه التموزي.
هاني أبي صالح: ألاحظ أن في نفسية بدر شيئين. هناك أزمة، أولاً. وثانياً هناك تفاؤلية جماعية. ولكن التفاؤلية غير مطلقة، فهي مبنية على مرحلة تاريخية. فشعره محصور في هذين الجوين. الرمز عنده - نوعاً ما - عرضي. لا يستخدم الرمز كأسلوب أدبي لتورية الموضوع وإخراجه عن المباشرية.
يوسف الخال: تقصد أن بدر لا يكتب الشعر تحت تأثير الفن؟
هاني أبي صالح: عندما يكون في جوه الوجداني الرومنطيقي يكتب تحت تأثير الفن. وعندما يستعمل الرمز لا يصل به إلى غناه الجمالي - أن الجمالية غير مكثفة كما هي عند الشعراء الغربيين الحديثين ثم إن المعنى الحضاري في قصائده لم يتخذ بكل وسعه الحضاري. التفاؤلية سابقة عند الشاعر لاتخاذه الرمز، التفاؤلية الجماعية تأتي قبل الرمز في الأهمية.
فسأله فؤاد رفقة عند ذاك: ولماذا اتخذ الرمز؟ فأجابه أبي صالح أن السبب هو إعجاب الشاعر بأسطورة أدونيس وعشتروت والوحي الذي يمثله تموز، أما مشاعر السياب العميقة أمام هذه الرموز فلم تهتز حقاً. لقد استعار الرمز لا لشيء إلا لصلته بالنهضة الاجتماعية أو الحالة الاجتماعية.
وتشعب الكلام حول الرمز الأسطوري، فقال أنسي الحاج: إنني أرغب في أن يجيبني أحد عن هذا السؤال: الرمز التاريخي غير جديد فهو مستعمل في الشعر الكلاسيكي القديم. فما الفرق بين الرمز التاريخي في شعر بدر شاكر السياب والرمز التاريخي في الشعر الكلاسيكي والتقليدي؟.
وبعد أن أوضح يوسف الخال السؤال وتوسع فيه، قال إلياس مسوح: لقد استخدم بدر الرمز كنوع من العقيدة وهو يضع نفسه موضع الأبطال الأسطوريين ليكون طليعة لشيء أفضل. الرمز لصيق به، يجده في أمثال العراقيين وحياتهم، ولا أعتقد أنه يتناوله كموضوع عابر.
وقالت خالدة سعيد: هناك فرق بين الرمز الجزئي والرمز الذي يستوعب الموضوع بجمله. فرد أبي صالح بأن هذا الفرق عرضي في شعر السياب، واستطردت خالدة سعيد: أنا أرى غير ذلك. لنتساءل هل يعيش بدر في الأسطورة؟ المسيح وتموز شيء واحد في شعره. فالمهم عنده، إذن، الإيماء الأسطوري المرتبط بحياته. الكلاسيكيون أخذوا الأسطورة كموضوع مستقل عن حياتهم، أما الشعراء المحدثون، وبدر منهم، فالأسطورة عندهم رؤيا. أي أن موقف بدر قد اتخذ شكل هذه الأسطورة وأضحت مرتبطة بموقفه الحياتي.
يوسف الخال: بالنسبة للفرق بين استعمال الكلاسيكي للأسطورة واستعمال الشاعر الحديث لها أقول، كما قالت خالدة، إن الكلاسيكيين أخذوا الأسطورة كموضوع. أما الشاعر الحديث فيستعمل الأسطورة لأنه يعتقد أن الرؤيا - رؤيا عالم آخر - تساعده على خلق عالم آخر. هذا يأتي عن طريق اللاوعي واللامعقول. ولكي يصل إلى غايته أخذ يرجع إلى الأفكار الطفولية عنده. الطفولة مهمة لأنها خالية من العقل. كذلك الأسطورة خالية من العقل. إنها أحلام الأقدمين. لقد كان الأقدمون يرون الأسطورة شيئاً واقعياً، والعالم الأسطوري القديم قد خلق الأسطورة بلا وعي. الشاعر الحديث يهتم بكل ما يأتي من اللاوعي.
لور غريب: لكن فيكتور هوغو، وهو شاعر غير حديث، قد نجح في استعمال الأسطورة أيضاً.
تفاؤلي أم لا؟
عصام محفوظ: الأسطورة هي نتيجة لخوف الإنسان القديم وهربه من المسؤولية. التجأ الإنسان القديم إلى الأسطورة بطفولة. الأسطورة في شعرنا الحديث هي كردة فعل للفوضى المادية، والأسطورة عند بدر تضع حدوداً نهائية للقصيدة. حدودها معروفة وتقلل في الشاعر تلك الخطوة نحو الميتافيزيقية.
أنسي الحاج: هل تعتقدون أن الأسطورة عند بدر تنحو منحى تفاؤلياً؟
خالدة سعيد: بالعكس. أنه يؤلف في الأسطورة التناقضات الموجودة في الحياة.
فؤاد رفقة: لا أوافق. فهو ينهي إحدى قصائده بقوله «إن موتي انتصار» إنه تفاؤلي إيجابي.
خالدة سعيد: يجب أن ننظر إليه كشاعر إيجابي كان حزيناً، من جهة، ومن جهة ثانية كشاعر طفل في نفسه من القلق ما يجعله يستخدم الأسطورة للتوفيق بين المتناقضين.
لور غريب: الأسطورة عنده هرب والمأساة أقوى من التفاؤل.
أنسي الحاج: إنه متفائل. المحور الأساسي لشعره هو البعث. مجرد التسليم بالموت والبعث يعني أنه متفائل.
خالدة سعيد: عنده ازدواجية، وهو يحاول التوفيق بين جانبي شخصيته. التشاؤمية عنده ليست عدمية. لكن عنده إحساس مر بالحياة.
أنسي الحاج: لنتساءل هل هو مؤمن أو يائس؟ عوض أن نتساءل هل هو متشائم أو متفائل. وفي رأيي أنه مؤمن واستخدامه الأسطورة يرتدي هذا الإيمان.
خالدة سعيد: إنني لا أنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية.
هاني أبي صالح: لبدر شخصيتان. شخصية الطفل، وشخصية الذي يحس بالأزمة. وشعره صياغة على مستوى ذهني لإظهار موقفه الحضاري وتفاؤله الاجتماعي.
خالدة سعيد: لديه نوع من الفرح ولذة في تلبس شخصية الشهيد. يفرح أن يموت ليس فقط لأنه يريد الانتصار.
بين النجاح والإخفاق
عصام محفوظ: الأسطورة محتوى. وقد التجأ بدر إلى محتوى أسطورة تموز، فهل نجح أم فشل؟
يوسف الخال: استخدام الأسطورة لا يجعل الشاعر كبيراً أو صغيراً. المهم هو كيفية تناول الأسطورة. فهل نجح بدر في استخدام الأسطورة؟
عصام محفوظ: بدر جدد تجاوز العقلية العربية القديمة المادية. تجاوز الحدود المادية إلى جو ميتافيزيقي. الموضوع عنده يضغط على العبارة والكلمات.

كامو والسياب
يوسف الخال: ما هو تأثير كامو على بدر؟ ما هو تأثير المرأة في شعر بدر؟ ما مدى وجود الكلية في شعر بدر؟ هذه أسئلة أحب طرحها ويجب طرحها لاستكمال فهم شعر السياب.
أنسي الحاج: يلتقي مع كامو في اشتراكية الكفاح والتعاضد الإنساني والثورة من أجل الخير، ولكنه لا يلتقي معه في العبث.
يوسف الخال: والمرأة؟
فؤاد رفقة: ليس للمرأة تأثير مباشر على شعره.
خالدة سعيد: لقد هرب من عالم المرأة، أو أنه بالأحرى، مطرود من عالم المرأة.
يوسف الخال: المرأة في شعر بدر غير ظاهرة بقوة وكذلك الغزل. ولكن المرأة ظاهرة، في حسية الصور الشعرية حتى عندما يكتب بدر عن النضال الثوري.
خالدة سعيد: هذه دراسة فرويدية.
يوسف الخال: طبعاً. ولكن المرأة ظاهرة بطريقة غير مباشرة وتقمصه في أشياء أخرى.
والآن، إلى أي حد شعره كلي؟… أي كم فيه من الشمول؟
فؤاد رفقة: أعتقد أنه ركز نفسه اجتماعياً تركيزاً تاماً.
خالدة سعيد: أتصور أن في شعر بدر بعض الشمولية. ولكنه مر في نكسة بعد 1956.
هاني أبي صالح: لا أعتقد أن له حظاً من الشمول الكوني.
* «خميس مجلة شعر» يناقش «أنشودة المطر». النهار 28: 7722
(5 شباط 1961) ص 10؛ 11

أنسي الحاج: النكسة التي تحدثت عنها خالدة ما سببها؟ هل هي لأنه استنفد تجربته؟
يوسف الخال: أن بدر نفسه يحس بذلك وقد حدثني عن رغبته في تغيير أجوائه وتجربته.
مكانة بدر
أنسي الحاج: هناك سؤال أيضاً أحب طرحه. هل استنفد بدر الأساطير التي استعملها؟
فؤاد رفقة: طبعاً. أصبح له هوس بالأسطورة إلى حد زائد.
خالدة سعيد: بلغ ذروة استخدامه للأسطورة في «رسالة من مقبرة». و«النهر والموت».
أنسي الحاج: وما مركز شعر بدر بالنسبة للشعر الحديث؟
خالدة سعيد: سنة 1956 كان بدر في طليعة الشعراء العرب. أما بعد ذلك فلم يعد كذلك.
فؤاد رفقه: أعتقد أنه ما زال طليعياً.
لور غريب: الشعر الحديث لم يعد يرتكز على بدر السياب كما كان من قبل.
إلياس مسوح: كان حتى 1956 أسطع الشعراء المحدثين أما بعد ذلك فأصبح بين عدة نجوم ساطعة.
عصام محفوظ: أعتبره حلقة وصل بين الشعر القديم والشعر الحديث.
هاني أبي صالح: إن بدر السياب لهو من الشعراء الملتزمين من ضحايا الموضوع، لكنه يمتاز عنهم بالنبرة الخاصة.
سبب التوقف
وقال يوسف الخال: هناك حقيقة في كل ما قيل في هذا الموضوع، غير أن التوقف الذي توقفه بدر شاكر السياب منذ 1957 سببه الظروف المحيطة به، وهو توقف لا يدل على عجز ولا على استنفاد، بل على حالة طبيعة. المهم هو أن بدر، كما يظهر في «أنشودة المطر»، مهيأ لانطلاقة جديدة يفيد منها الشعر العربي.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.