التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

«الدفاع عن أحكام القيمة» لمايكل كلون

مايكل كلون
مايكل كلون
TT

التربية الجمالية قد تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً

مايكل كلون
مايكل كلون

نيت كلوغ ترجمة: سعد البازعي

ما الفرق الذي تحدثه التجربة الجمالية في تشكيل هويتنا؟ إن كنت قد شعرت يوماً بأن كتاباً أو لوحة تركت أثراً عميقاً عليك، فأنت تعرف أي صعوبة تكمن في تفسير ذلك الشعور لصديق، أو أن تربط ذلك الشعور بالجوانب الأخرى من حياتك. ومع ذلك فليس لديك شك في أن التجربة قد غيرتك. أو أن التجربة، كما قد يعبر مايكل كلون، تركتك راغباً في أن تكون شخصاً آخر. «عليك أن تغير حياتك» يقول الشاعر ريلكه في نهاية قصيدته حول النظر إلى تمثال «جذع متهالك لأبولو». لكن كيف يكون التغيير؟ يطرح كلون في كتابه «دفاعاً عن الحكم» رؤية للتربية الجمالية بوصفها هدفاً بحد ذاته، هدفاً غنياً بالتحول الشخصي الكامن، والخالي مع ذلك من الإملاء الأخلاقي الذي نربطه أحياناً بمواجهاتنا مع الفن أو الأدب.
في عمود نشر العام الماضي في «نيويورك تايمز» بعنوان «القيامة الأكاديمية» يشير روس دوذات إلى كلون لدعم موقفه المتأسي لكون أساتذة الأدب لم يعودوا يقدمون أحكاما قيمة حول الأدب. يقول دوذات إن الإنسانويين صنعوا «تجريداً من السلاح أحادي الجانب في تسابقهم على كسب عواطف الطلاب وعقولهم»، مبتعدين عن التقييم وعارضين حقلهم الأكاديمي من خلال مناهج وإجراءات نقدية. الطلاب الذين يتخصصون في اللغة الإنجليزية يتخرجون ومعهم أدوات تمكنهم من تطوير حجاج معقد لكن بلا قناعات حول السبب وراء قراءة كاتب ما دون غيره.
في كتاب كلون الجديد حجاج مشابه، لكن ما يجعل «دفاعاً عن الحكم» مدهشاً وأحياناً مثيراً هو الكيفية التي يروي بها كلون نقده لممارسات سياسية تقدمية ومناهضة للرأسمالية. يقدم الأدب، بالنسبة لكلون، «لوناً من ألوان القيمة يتجاوز ما تقرره السوق». تَعِد الرأسمالية المستهلك بسلسلة لا نهاية لها من التغيرات التي تحكمها وتؤكدها ما تختاره هي – تغيرات طفيفة لا تعد تغيرات تذكر لأنها تعكس تفضيلاتها القائمة - التربية الجمالية، التي «يعلق فيها المرء قيمه الحالية متوقعاً اكتساب قيم أفضل»، يمكن أن تقود إلى تحولات ومواقف مقاوِمة أكثر صدقاً.
لكي يحدث التغيير لابد من الحكم. وفي خطوة حاسمة ضمن محاججته يرفض كلون المقترح القائل إنه يجب النظر إلى كل الرغبات على أنها متساوية، الفكرة التي تتحرك عبر أسواق أمازون وأقسام الإنسانيات دون فرق. انتصار الرأسمالية – ونظريات الاقتصادات الاتباعية الجديدة – عند نهاية القرن التاسع عشر أدى إلى مجتمع يكون فيه مصدر القيمة الوحيد المتفق عليه هو التفضيلات الفردية. رغبتي في رواية لتوني موريسون أو برنامج مشاهد بكثافة على نتفلكس ليس أكثر أو أقل مما تفضله أنت، وأن يصر أحد على أنه قد تكون هناك طريقة «أفضل» لتمضية الوقت أو صرف المال تبدو متعالية أو أبوية.
يتكئ كلون على «نقد مشروع غوته» لكارل ماركس «وهو مشروع سياسي ألماني للإصلاح السياسي والاقتصادي لا علاقة له بالشاعر المعروف غوته» وذلك لكي يجادل في أن كفاحنا المعاصر ضد عدم المساواة «لا يمكن أن يتقدم من خلال التمسك بمبادئ المساواة». النظر إلى كل الرغبات الإنسانية بوصفها متساوية يجعل من الصعب علينا أن نميز بين المنتجات الاستهلاكية التي يتسبب إنتاجها في تدمير الأرض والمنتجات (مثل وقت الفراغ الذي نقضيه في قراءة القصائد) التي قد تمكننا من الازدهار.
لكي يُبرز القسم الأول من الفصل الأول من الكتاب، يعود كلون إلى ماركس ليناقش حجج مارتن هاغلوند في كتابه «هذه الحياة» (2019)، الذي رسم خطاً مستقيماً وإن كان مرهفاً بين «العقيدة الدنيوية» والاشتراكية الديمقراطية. يرى كلون أن التزام هاغلوند الآيديولوجي بالمساواة على نحو يتجاوز الحكم ويتعارض معه يفسد في نهاية الأمر مشروعه الاشتراكي، بما أن «التمييز بين الطرق الأجود والأسوأ في تمضية وقتنا شرط مسبق لتحقيق رؤية متماسكة لعالم من العمل المختلف».
قد لا يتوقع من كتاب يدافع عن الحكم أن يمنح الحيرة مكانة رفيعة. لكن إحدى ركائز رؤية كلون للتربية الجمالية تصور راسخ لما يسميه، حسب عبارة [الشاعر الإنجليزي الرومانسي] جون كيتس، «الاستطاعة السلبية». صاغ كيتس هذه العبارة في رسالة كان يحاول فيها التعبير عما رآه أكثر جدارة بالإعجاب لدى شكسبير: القدرة على «أن يكون بين أسباب الحيرة وألوان الغموض والشكوك، دون أي محاولة انفعالية للوصول إلى الحقيقة والعقل». على خطى الفيلسوفة أغنيس كالارد، يطبق كلون هذا المكون الأساسي للإبداع الشعري على التعليم بصفة عامة. حسب كالارد، في التربية الجمالية «لا يقوم [المعلمون] بإقناع [الطلاب] بشيء يريدونه مسبقاً؛ إننا بدلاً من ذلك نحاول مساعدتهم على أن يريدوا شيئاً». بمجرد قبول الطالب بأن بعض الرغبات قد تكون أكثر أهمية من غيرها، فإنه يمكنها أن تتطلع إلى تشكيل ذات، اعتناق الحيرة والغموض على درب الاكتشاف.
يتألف «دفاعاً عن الحكم» من ثلاثة أقسام بثلاثة أهداف مختلفة. يلخص الفصلان الأولان الأطروحة العامة. يأتي بعد ذلك فصلان عنوانهما «الحكم والخبرة: 1: الانتباه والاشتمال» و«الحكم والخبرة 2: المفاهيم والمعايير». هذا القسم الثاني مليء بالتأملات في واقع أقسام اللغة الإنجليزية والنقد الأدبي، وهو أقل ما أعجبني في الكتاب. ومع ذلك، فإن دفاع كلون عن الخبرة الأكاديمية يستحق التأمل. الخبراء هم أولئك «الذين يعرفون أكثر مما يستطيعون الحديث عنه»، ونحن بحاجة إلى الخبراء القادرين على صياغة أنموذج لطريقة طموح ومترددة في الحكم لكي ننتج بديلاً لـ«المساواة الدوغمائية» في النظام القيمي الذي صنعته الرأسمالية، حيث يتصرف كل شخص بوصفه مرجعاً لنفسه.
الفصول الثلاثة في القسم الأخير من الكتاب، «ممارسة الحكم»، يتيح قراءات مدققة لنصوصٍ لإميلي ديكنسون، توماس بيرنارد، وغويندولين بروكس. لم تتضح لي صلة هذه الفصول بمناقشات كلون التي سبقتها – إذا استثنينا أنها نماذج للحكم الأساسي في التفسير الأدبي – لكن كلاً منها يتتبع مساراً مثيراً للتفكير. الفصل المتعلق بغويندولين بروكس، «الانتماء العرقي يجعل الطبقة واضحة»، يتفرد في حجاجه القائم على المفارقة المتمثلة في أن قصيدتين شهيرتين لبروكس تتعمدان إخفاء دينامية العرق لكي توضحا لنا كم نخسر حين لا نستدعي العرق في تحليلنا الاجتماعي.
تبدو المفارقة أساسية لطريقة كلون في التعامل مع العالم. إنه أيضاً مؤلف مذكرات مضحكة ومخيفة حول العقد الذي أمضاه مدمناً على الهيروين، وكتاب سبقه في النقد عنوانه «الكتابة ضد الزمن» يركز فيه على قصائد وروايات تستعمل فيها الأطر الزمنية لتحدي قبضة الزمن.
في القلب من كتابات كلون ثمة نفاد صبر نازع نحو الأشياء النهائية. إنه لا يخرج ليعلنه في «دفاعاً عن الحكم»، لكن يبدو من المحتمل أن الأدب أنقذ حياته عدة مرات. «تمنحني التربية الجمالية، برفضها أن تكون كل التفضيلات متساوية، سبباً لكي أتشكك حيال قيمي الوجودية... إننا نختار الحكم بدلاً من المساواة حين نواجه طلابنا وجمهورنا ونقول: سنريكم طريقة أفضل للعيش».
أثناء قراءتي لـ«دفاعاً عن الحكم» توقفت أمام احتمال أن تكون الفروقات الدقيقة غير البدهية في حجج كلون معيْنة للأشخاص الليبراليي التدين الذين يجدون أنفسهم أحياناً يدافعون عن انتمائهم إلى دين معين ضد تهم يمكن تفهمها بأنهم ضيقو الأفق. لقد كتب كلون، البوذي، في مكان آخر عن ممارسته الدينية وتأثيرها الخاص على تجربته: «إنني أتأمل يومياً، مراقباً، كما في المقولة المعروفة في (فلسفة) الزن، أفكاري وحياتي وهي تموت وتولد مئات المرات في دقيقة... بعدئذٍ، إن كنت أقرأ أو أكتب أو أمشي في المرتفعات أو أتمشى مع شريكي (شريكتي)، فإن تجربتي تتباعد عن تدخل من ذاتي. أحضر بصورة أقل، كما يبدو، في تلك التجارب». لماذا التأمل بانتظام، أو الذهاب للكنيسة أسبوعاً بعد أسبوع، بدلاً من جمع أفكار روحية لتكون نماذج من الثقافة على مستوى أكثر عمومية؟ إن اختياراً يبدو مقيداً قد يمكّن من البحث المكثف المطلوب للتغير. هدف المسيحية هو جعل الإنسان مختلفاً، كما قال فتغنشتاين. هنا، كما في الوضع المثالي للتربية الجمالية لدى كلون، يمكن للحكم أن يقود باتجاه الحيرة المانحة للطاقة في عمل حياة بأكملها.
يقر كلون في بداية كتابه بأنه لا يدعو إلى «تغير جذري» لممارسة النقاد والأساتذة أو أي شخص آخر يحب الكتب أو الفن. هو بدلاً من ذلك يحاول أن يساعدنا على أن نكون صادقين حول ما يحدث حين تتحول مواجهة للفن أو الأدب إلى تعثر في نظامنا العصبي، مواجهة تقودنا إلى مزيد من الاكتشافات، وربما أرغمتنا على ترك ذواتنا السابقة. يكتب الشاعر فرانك بيدارت أن «كل شيء مصنوع مصنوع من/ رفضه: أولئك الذين يأتون لاحقاً يجعلونه جديداً/ برفض رفضه». النظر إلى الحكم من هذه الزاوية يجعله سمة لا يمكن تفاديها لأكثر تجاربنا الجمالية عمقاً، فيقودنا إلى الأعمق والأبعد مما كنا سنذهب إليه من دون ذلك.

* عن مجلة «كومون ويل»



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.