حمدوك يعود رئيساً لمجلس وزراء السودان... والشارع منقسم

وقع مع البرهان «اتفاقاً سياسياً» بتكوين حكومة تكنوقراط

البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
TT

حمدوك يعود رئيساً لمجلس وزراء السودان... والشارع منقسم

البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)
البرهان وحمدوك في مراسم توقيع الاتفاق السياسي الجديد في القصر الرئاسي بالخرطوم أمس (أ.ب)

وقع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، اتفاقاً سياسياً أنهيا بموجبه القطيعة بين الرجلين التي استمرت نحو شهر، وعاد بموجبه رئيس الوزراء لممارسة مهام منصبه، بعدما كان البرهان قد أقاله، وحل حكومته، وأعلن حالة الطوارئ في البلاد، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو ما عدته القوى المدنية انقلاباً على السلطة.
ويشمل الاتفاق الجديد تكوين حكومة تكنوقراط مستقلة، والعودة إلى الوثيقة الدستورية، لكنه واجه انقساماً في الشارع، حيث خرج أمس مئات الآلاف في مواكب احتجاجية كان أصلاً قد أعد لقيامها حتى قبل تسرب الأنباء عن الاتفاق الجديد، وفرقتها الشرطة مستخدمة الغاز المسيل للدموع بكثافة، بعد أن اقترب المحتجون من القصر الرئاسي وسط العاصمة.
ونص الاتفاق الذي تم توقيعه في القصر الرئاسي بالخرطوم، أمس، على العودة للوثيقة الدستورية بتعديلاتها، وعدها مرجعية أساسية لاستكمال الفترة الانتقالية، وتعديلها بالتوافق لتحقيق مشاركة سياسية شاملة لا تستثني إلا حزب المؤتمر الوطني (حزب الرئيس المعزول عمر البشير)، وعد الشراكة المدنية العسكرية ضامناً لاستقرار وأمن البلاد، بتكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة من التكنوقراط.
وأعطى الاتفاق مجلس السيادة الانتقالي سلطة الإشراف على تنفيذ مهام الفترة الانتقالية، دون تدخل في العمل التنفيذي، وضمان انتقال السلطة للمدنيين وحكومة منتخبة. كما نص الاتفاق على صياغة إعلان سياسي يدير الفترة الانتقالية، ويحدد إطار شراكة العسكريين والمدنيين، وإكمال تنفيذ اتفاق سلام جوبا، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.
وأكد الاتفاق أهمية إكمال هياكل الحكم الانتقالي، وهي «المجلس التشريعي، والجهاز القضائي، والنيابة العامة، والمفوضيات المستقلة»، وابتدار حوار موسع بين القوى السياسية كافة، وإعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو (حزيران)، ومراجعة أدائها السابق، ورفدها بالكوادر المؤهلة، بالإضافة إلى التحقيق في أحداث العنف التي طالت المدنيين والعسكريين، وتقديم الجناة للمحاكمة.
وفي أول ظهور له بعد إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية، قال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك إنه وقع من أجل حقن دماء السودانيين، وأضاف: «شبابنا عندهم القدرة على تقديم النفس والنفيس من أجل الوطن، لكن دعونا نحقن الدم، ونوفر دم الشباب للتعمير». كما أوضح أن الاتفاق يهدف لفك الانسداد الداخلي والخارجي للبلاد، والحفاظ على مكتسبات السنتين الفائتتين من عمر الثورة، الممثلة في عودة السودان للمجتمع الدولي، وتحقيق السلام والتحسن في الاقتصاد.
وأوضح حمدوك أن الاتفاق يعد إطاراً مناسباً لمعالجة مشكلات الانتقال وتحدياته كافة، وقال إن «هناك تحديات كبيرة تواجهنا، بالإرادة نستطيع السير إليها مع بعضنا»، مشيراً إلى أنه يحصن التحول المدني الديمقراطي بتوسيع قاعدة الانتقال، قائلاً: «دعونا لا نضيق المجال الواسع، ونسعى لتوحيد شعبنا لبناء نظام ديمقراطي راسخ».
ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إن توقيع الاتفاق يعد أهم خطوط الدفاع عن الثورة، مضيفاً: «اليوم، بهذا التوقيع، استطعنا إقامة تأسيس حقيقي لفترة انتقالية كما تخيلناها وتخيلها الشعب السوداني في الثورة».
وأشاد بما سماه «الجهد السوداني الخالص» الذي قدمه السودانيون «لنظل متفقين موحدين مهما حدث بيننا»، مضيفاً: «تعودنا حل مشكلاتنا وحدنا، وإن هذا الجهد يقوم به أخوة أعزاء منذ فترة طويلة، ومن بينهم عبد الله حمدوك، للوصول لتوافق».
وأوضح البرهان أن الاتفاق أتاح لهم إعادة النظر في الانتقال «وفيما تم وسيتم في المستقبل»، متابعاً أن «حمدوك ظل دائماً محل ثقتنا وتقديرنا واحترامنا، ونعلم حجم التحديات والتنازلات التي قدمت من كل الأطراف لحقن دماء الشعب السوداني، وإنجاح الفترة الانتقالية، وإقامة دولة السلام والعدالة».
وكشف البرهان عن أشخاص وراء الوصول إلى الاتفاق الذي عاد بموجبه حمدوك رئيساً للوزراء، وخص منهم نائب قائد الدعم السريع عبد الرحيم حمدان دقلو، وقال: «كان لهم الدور الأكبر في أن نصل إلى اتفاق يتيح لنا إكمال الفترة الانتقالية بصورة توافقية؛ نحن نسعى إلى إشراك كل القوى السياسية وقوى الثورة، ما عدا المؤتمر الوطني».
وأعلن في وقت مبكر من صباح أمس عن توصل قيادة الجيش السوداني، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إلى اتفاق قضى بعودته لتسلم مهام منصبه رئيساً للوزراء، وتكوين حكومة كفاءات وطنية مستقلة، بوساطة شارك فيها عدد من الشخصيات الوطنية ورجال الطرق الصوفية ورجال الإدارة الأهلية، أبرزهم رئيس حزب الأمة فضل الله برمة ناصر، ورئيس لجنة التحقيق المستقلة في جريمة فض الاعتصام نبيل أديب، والأكاديمي الناشط المدني مضوي إبراهيم، والبروفسور حيدر طه، وآخرون، إلى جانب ممثلين عن الجبهة الثورية والموقعين على اتفاق سلام جوبا، وعدد آخر من الشخصيات.
وبتوقيعه الاتفاق مع البرهان، يكون حمدوك قد أنهى علاقته السياسية بالتحالف الذي أتى به رئيساً للوزراء «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير»، وتحلقت حوله مرجعية سياسية جديدة، ممثلة في الأحزاب والجهات التي وقفت وراء الاتفاق الجديد. ولم يشاهد أي من القوى السياسية التي صنعت وشاركت في الثورة، وإسقاط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، في مهرجان توقيع الاتفاق، وكان بين الحضور مبارك الفاضل المهدي، وجبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، وعدد آخر من المجموعة التي يطلق عليها مجموعة اعتصام القصر، بالإضافة إلى أعضاء مجلس السيادة.
وفور إعلان التوقيع، تبرأ فرع من حزب الأمة القومي من الاتفاق في بيان رسمي، على الرغم من مشاركة رئيسه فضل الله برمة ناصر في الوساطة التي أدت للاتفاق، وجدد تأكيد موقفه برفض ما أطلق عليه «أي اتفاق سياسي لا يخاطب جذور الأزمة التي أنتجها الانقلاب العسكري وتداعياتها، من قتل الثوار الذي يستوجب المحاسبة».
وقطع الحزب الذي يعد أحد أكبر الأحزاب السودانية بأنه لن يكون طرفاً في أي اتفاق لا يلبي تطلعات الشعب السوداني قاطبة، مبدياً ثقته في «المقاومة الباسلة المنتصرة»، مؤكداً أنه يقف دوماً في «صفوف هذا الشعب حارساً لمشاريعه».
ورحبت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس) بالاتفاق، وعدته حلاً للأزمة السياسية التي وصفتها بأنها كانت «تهدد استقرار البلاد»، وشددت في بيانها الذي حصلت عليه «الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية النظام الدستوري للحفاظ على الحريات الأساسية للعمل السياسي، وحرية التعبير والتجمع السلمي». ودعت شركاء الانتقال لتسريع معالجة القضايا العالقة لإكمال الانتقال السياسي بطريقة شاملة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة حكم القانون، وضم أصوات الشباب لتلبية مطالب الشعب، والحفاظ على المشاركة الهادفة للمرأة.
وتأسفت «يونيتامس» على فقدان أرواح كثير من السودانيين، ودعت لضمان المساءلة والعدالة لأرواحهم، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين على الفور، في «بادرة أولى لتنفيذ الاتفاق»، ودعت لتحقيق أهداف الثورة في «الحرية والسلام والعدالة».
ومن جانبه، وصف تجمع المهنيين السودانيين الاتفاق بأنه «اتفاق الخيانة والخنوع» بين حمدوك والبرهان، قائلاً إنه «مرفوض، جملةً وتفصيلاً، ولا يخص سوى أطرافه، وهو مجرد محاولة باطلة لشرعنة الانقلاب وسلطة المجلس العسكري».
وعد التجمع الذي قاد الثورة الشعبية اتفاق الرجلين بأنه «اتفاق غدر، وتلبية لأهداف الانقلابيين المعلنة، وإعادة تمكين (الفلول)؛ أي أنصار النظام المعزول من الإسلامويين وسلطة لجنة البشير الأمنية، وخيانة لدماء شهداء الثورة». وأضاف: «يقيننا أن شعبنا سيبطله، وسيواصل وقوفه الصامد بوجه عواصف القمع والانتكاس التي تحاول إعادته للوراء».
وجدد المجلس المركزي لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، في بيان، تأكيد موقفه الرافض للاتفاق مع العسكر، المتمثل في: «لا تفاوض ولا شراكة ولا شرعية للانقلابيين». وطالب بتقديم قادة الانقلاب والانتهازيين وفلول النظام البائد إلى المحاكمات الفورية، بقوله إن «جريمة تقويض نظام الحكم الشرعي، والانقلاب على الدستور، وقتل الثائرات والثوار السلميين، والإخفاء القسري، والقمع المفرط، وغيرها من الجرائم الموثقة، تقتضي تقديم قادة الانقلاب والانتهازيين وفلول النظام البائد المشكلين لهذه السلطة الانقلابية إلى المحاكمات الفورية».
وقال التحالف الذي قاد التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي في عام 2019، بعد سقوط نظام البشير، ووقع مع الجيش الوثيقة الدستورية، وظل مرجعية سياسية لحكومة حمدوك، إنه غير معني بأي اتفاق مع من سماههم «الطغمة الغاشمة»، وتوعد بالعمل عبر الطرق السلمية المبتكرة لإسقاط التحالف الجديد برفقة كل قوى الثورة.
وبعد سقوط نظام الإسلاميين، في 11 أبريل (نيسان) 2019، خاض تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير مفاوضات شاقة مع المجلس العسكري الانتقالي الذي استولى على السلطة بعد سقوط عمر البشير أدت إلى توقيع الوثيقة الدستورية التي تكونت بموجبها الحكومة الانتقالية في 17 أغسطس (آب) 2019، وأعطته سلطة اختيار رئيس الوزراء، فأتت بعبد الله حمدوك، إضافة إلى نسبة 67 في المائة من عضوية المجلس التشريعي، وتسمية الوزراء عدا وزيري الداخلية والدفاع اللذين يرشحهما المكون العسكري في مجلس السيادة. بيد أن الشراكة واجهت صعوبات كثيرة، أرجعوها في وقتها إلى عرقلة الطرف المدني لأداء الحكومة، ومحاولاته شق وحدة التحالف، ثم تعقدت الأوضاع عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي، بدخول المكونين المدني والعسكري في تراشقات عنيفة تعطلت بموجبها أعمال الحكومة ومؤسساتها.
وفي ظل هذا التوتر، فاجأ قائد الجيش البلاد، في 25 أكتوبر (تشرين أول) الماضي، بالاستيلاء على السلطة، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وإعلان حالة الطوارئ، وإقالة حكام الولايات، واعتقال قادة سياسيين وتنفيذيين، بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وسارع بتكوين مجلس سيادي أبعد منه تحالف «الحرية والتغيير»، وهو ما عده الثوار والتحالف «انقلاباً عسكرياً» على الحياة المدنية في البلاد.



مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)

أكد رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق أحمد خليفة، أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، وذلك خلال لقائه نظيره التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو في القاهرة.

وقال بيان صادر عن المتحدث العسكري المصري، السبت، إن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية يزور القاهرة حالياً في زيارة رسمية تستغرق عدة أيام، وأن اللقاء ناقش عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز أوجه التعاون العسكري في العديد من المجالات.

وأضاف أن رئيسَي أركان البلدين ترأسا الجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية - التركية، ووقّعا على محضر الجلسة، الذي تضمن تنفيذ العديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز آفاق التعاون العسكري، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة المصرية والتركية.

وأكد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، «على عمق علاقات الشراكة والتعاون الثنائي بين القوات المسلحة المصرية والتركية»، مشيراً إلى أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

تدريب «نسر الأناضول 2026» في تركيا (المتحدث العسكري المصري)

من جانبه، أعرب رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، عن تقديره لعمق الروابط والعلاقات التي تجمع بين البلدين، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز أوجه العلاقات العسكرية المثمرة بين القوات المسلحة لكلا الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

تأتي الزيارة في إطار الحراك العسكري المزداد بين البلدين في الفترة الأخيرة، الذي يظهر من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في فبراير (ِشباط) الماضي.

ويوم الخميس الماضي، أعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، «إن التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيك».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين نسر الأناضول 2026»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو - 25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف - 16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

يأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، التي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

 

 

Your Premium trial has ended


مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي، في حين أكد عضو بـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن القاهرة تضغط لتحريك مسار التسوية والدفع نحو حوار سياسي شامل بين الفرقاء.

وأكد السفير إيهاب عوض مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أن مصر تواصل تنسيقها مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك العمل ضمن إطار «الآلية الرباعية» (تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، للوصول إلى وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.

وأشار في كلمته أمام جلسة مخصصة لمناقشة أوضاع السودان في مجلس الأمن الدولي، الجمعة، إلى أن استقرار السودان يمثل عنصراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على البلد الموحد والمستقر يتطلب بيئة إقليمية داعمة تتحلى بالمسؤولية والحكمة، محذراً من استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الداخل السوداني؛ لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن دول الجوار والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجدد التأكيد على ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر، وأن مصر ترفض أي محاولات لتقسيمه أو الاعتراف بأي كيانات موازية»، مشدداً على ضرورة دعم المؤسسات الوطنية السودانية ومنع المساس بها.

ويأتي الموقف المصري الذي أعاد التأكيد على رفض تقسيم السودان، والذي تضمن مخاوف مصرية متزايدة جراء الاتجاه نحو هذا المسار، في أعقاب محادثات استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي لمناقشة خطوات التحرك نحو إقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وبالتزامن مع تصعيد عسكري ميداني، خصوصاً في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان (وسط السودان).

لقاء سعودي - مصري - تركي تناول في القاهرة الأسبوع الماضي تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير صلاح حليمة، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تضغط باتجاه تحريك مسار تسوية الأزمة السودانية بعد أن تراجعت المبادرات الدولية مؤخراً، وأن القاهرة تعمل على أن يكون الحل في إطار «الرباعية الدولية» بالتنسيق مع «الخماسية» (تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأوروبي).

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تهدف إلى الضغط على طرفَي الصراع (الجيش والدعم السريع) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض، وذلك عبر مسار أمني عسكري، على أن يكون هناك مسار سياسي موازٍ تشارك فيه كافة القوى السياسية باستثناء التي ترتبط مباشرة بطرفَي الصراع.

وأكد أن التحركات المصرية تستهدف التوصل إلى اتفاق هدنة مبدئي يعقبه مفاوضات في مسارات أمنية وعسكرية وسياسية، وكذلك مباحثات أخرى لإعادة الإعمار، وتعول على ممارسة ضغوط حقيقية على الجيش و«الدعم السريع» نحو الذهاب إلى طاولة التفاوض.

وعكس حديث مندوب مصر لدى مجلس الأمن موقف بلاده من الحل السياسي؛ إذ شدد على أن «أي حلول تساوي بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا المتمردة (في إشارة لقوات الدعم السريع) محكوم عليها بالفشل»، مشدداً على «ضرورة إخضاع الميليشيا للمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، في إطار مسار العدالة الانتقالية عبر آليات وطنية خالصة».

وأكد السفير إيهاب عوض أن أي رهان على الفوضى أو الكيانات الموازية في السودان هو «رهان خاسر لن يُكتب له النجاح»، لافتاً إلى أن الحل المستدام للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون إلا سودانياً خالصاً نابعاً من إرادة السودانيين أنفسهم، ومدعوماً من مؤسسات الدولة الوطنية.

وكان الملف السوداني حاضراً أيضاً في لقاء وزير الخارجية المصري مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس الأسبوع الماضي، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي دعت له وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبولس.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى، أن «التحركات المصرية الأخيرة، بما فيها التحذيرات المتصاعدة من تقسيم السودان، ترجع إلى تطورات الموقف الميداني الخطيرة مع حصار (قوات الدعم السريع) لمدينة الأُبيّض، وإمكانية وقوع مجازر وحشية أسوة بما حدث في مدينة الفاشر (عاصمة إقليم دارفور)، مع تقديرات مصرية بإمكانية تضرر أعداد هائلة من المدنيين المحاصرين يفوق ما حدث في الفاشر».

مصر تستهدف تحريك جهود حل الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أن أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر، أفادت تقارير دولية بأن «(الدعم السريع) ارتكبت مجزرة في المدينة قُتل فيها أكثر من 2000 شخص، منهم 460 مريضاً، وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للولادة في الفاشر»، في حين أُجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار «وهم في حالة من الرعب».

وأضاف عيسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البيان المصري أمام مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، وبخاصة أن سقوط الأُبيّض بيد «الدعم السريع» يعني أن السودان دخل مرحلة التقسيم الفعلي، وفي تلك الحالة سوف تتمكن «الحكومة الموازية» من السيطرة على أطراف وهوامش السودان، وهي مناطق تقدر بـ45 في المائة من مساحة السودان، في حين توجد الحكومة المعترف بها دولياً في باقي الولايات.

وأشار إلى أن الاتصالات المصرية جارية لاستئناف التفاوض، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن هناك صعوبات وتحديات تعترض التئام أي محادثات، لعدم رغبة طرفَي الصراع في الانخراط في مفاوضات جديدة، مع عدم الاستجابة لمبادرة «الرباعية»، وكذلك ما طرحته «الخماسية»، إلى جانب ضعف تأثير القوى السياسية على المشهد القائم في البلاد.


تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

وثَّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما وصفته بواحدة من أوسع حملات التعذيب والانتهاكات داخل السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكدة تسجيل 1893 حالة تعذيب منذ مطلع عام 2018 وحتى بداية عام 2026، في تقرير أصدرته بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو (حزيران).

وقالت الشبكة إن فريقها الميداني رصد تعرض مختطفين في 15 محافظة يمنية لشتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسنون، معتبرة أن الأرقام الموثقة تعكس جانباً فقط من حجم الانتهاكات، في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من أماكن الاحتجاز، واستمرار القيود الأمنية المفروضة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وحسب التقرير، فإن 394 مختطَفاً تعرضوا على يد الحوثيين لأشد أنواع التعذيب التي أفضت إلى الوفاة، بينهم أطفال ونساء ومسنون؛ حيث توفي بعضهم داخل السجون، بينما فارق آخرون الحياة بعد الإفراج عنهم بفترة قصيرة نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية.

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

كما وثَّق التقرير 32 حالة تصفية جسدية داخل المعتقلات الحوثية، إلى جانب حالات انتحار قال إنها ارتبطت بظروف الاحتجاز القاسية، فضلاً عن تسجيل عشرات الوفيات بسبب الإهمال الطبي أو الإصابة بنوبات قلبية أثناء الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أن 218 شخصاً أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب الحوثي، بينها حالات شلل كلي وجزئي، وفقدان للبصر أو السمع، إضافة إلى أمراض مزمنة واضطرابات نفسية وفقدان للذاكرة، بينما تعرض أكثر من 1300 مختطف لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة.

شبكة واسعة من السجون

أكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الجماعة الحوثية تدير نحو 739 سجناً ومعتقلاً، منها 382 سجناً رسمياً استولت عليها عقب سيطرتها على مؤسسات الدولة، إضافة إلى 357 سجناً سرياً أنشأتها خلال سنوات النزاع.

ووفق التقرير، فإن أماكن الاحتجاز الحوثية لا تقتصر على السجون التقليدية؛ بل تشمل مباني حكومية ومواقع عسكرية ومقرات لوزارات وإدارات عامة، ومراكز دينية، ومقرات حزبية، ومنازل خاصة، وهو ما يجعل عمليات الرصد والتوثيق أكثر تعقيداً.

وأضافت الشبكة أن آلاف المختطفين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة بتُهم وصفتها بالكيدية، رغم أن كثيراً منهم لا تربطهم أي صلة مباشرة بالأعمال القتالية، مشيرة إلى أن الاحتجاز يُستخدم كوسيلة لإسكات المعارضين والناشطين والضغط على الخصوم السياسيين.

ويرى التقرير أن التعذيب داخل تلك المعتقلات الحوثية يتم بصورة ممنهجة، ويستهدف انتزاع اعترافات قسرية أو معاقبة المحتجزين بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية، مؤكداً أن المختطفين يتعرضون لضغوط نفسية وجسدية متواصلة خلال فترات الاحتجاز.

كما أشار إلى أن كثيراً من الضحايا حرمتهم الجماعة الحوثية من التواصل مع أسرهم أو الحصول على الرعاية الصحية، بينما تعرَّض بعضهم للإخفاء القسري لفترات طويلة، قبل الكشف عن أماكن احتجازهم أو الإفراج عنهم.

اتهامات ودعوات للتحقيق

اتهمت الشبكة الحقوقية الحوثيين بممارسة التعذيب في إطار سياسة منظمة، وقالت إن الانتهاكات تتم -وفق ما وثقته- بإشراف قيادات في الجماعة، مضيفة أن بعض الممارسات تنتهي بعمليات تصفية جسدية أو وفيات داخل السجون.

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

وأكدت أن ما تمكنت من توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، بسبب استمرار وجود معتقلات حوثية مغلقة لم يتمكن فريقها من الوصول إليها، مع بقاء آلاف المختطفين والمخفيين قسراً داخل أماكن احتجاز غير معلنة.

وجددت الشبكة الحقوقية دعوتها إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، للتحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات الحوثية، وفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التعذيب والإخفاء القسري، والعمل على الإفراج عن جميع المختطفين في سجون الجماعة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.