صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»
TT

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

يقتحم الدكتور صلاح فضل في كتابه «صدى الذاكرة» المناطق التي يفضّل الآخرون السكوت عنها عادةً لا سيما ما يتعلق بالحياة الخاصة للمؤلف وتحديداً ذكرياته العاطفية وعلاقته بالجنس الآخر عبر مراحل مختلفة من تجربته الشخصية، فضلاً عن موقفه من السلطة السياسية. ورغم أن الكتاب ليس سيرة ذاتية فقط بقدر ما هو سيرة «فكرية وثقافية» أيضاً في بعض فصوله فإن الفصول الأكثر تأثيراً واستحواذاً على القارئ هي تلك المتعلقة بالحياة العاطفية للمؤلف الذي يعد «شيخ النقاد العرب»، وله حضور واسع في المشهد الثقافي العربي.

- شجاعة الاعتراف
صدر الكتاب حديثاً عن هيئة الكتاب المصرية، وفي البداية يؤكد د. فضل (83 عاماً) أنه لطالما عدّ كل من تعرض لبسط طرف من سيرته الذاتية وتجاهل عمداً هذا الجانب الجوهري في حيواتنا جميعاً إما منافقاً وإما مخادعاً. ويحث مَن يعرفهم من الأدباء والمفكرين على أن يتسلحوا بما يقدرون عليه من شجاعة أدبية للبوح والاعتراف بما اقترفوه من «أخطاء» في نظر المجتمع وبخاصة إذا كانوا بلغوا درجة من الشهرة والقيمة تشفع لهم عند القراء وتُكسبهم قدراً من الحصانة التي لا يمنحها الناس سوى لمن يحبهم المجتمع.
ولأنه يؤمن بأهمية هذا البوح فقد أخذ يتذكر طرفاً مما فعله شيوخه الأولون في الأدب العربي الحديث؛ فقد اعترف طه حسين على سبيل المثال بعشقه لزوجته وامتنع عن الخوض فيما عدا ذلك «لأن دينه لها كان فادحاً ووقوعه تحت سطوتها كان محتوماً»، لكنّ معاصريه يعرفون قصة إيثاره لتلميذته الأرستقراطية الجميلة د. سهير القلماوي وحدبه عليها وغرامه المكتوم بها حتى إن بعض تلاميذ «عميد الأدب العربي» حكوا له كيف كان يستنشق عطرها وهي على درج السلم في كلية الآداب فينادي عليها بصوته الشجي «سهير»!
هناك أيضاً حكاية توفيق الحكيم، عميد المسرح العربي، مع فتاة شباك تذاكر الأوبرا في باريس ومن قبلها ما كرره في سيرته من ولعه بـ«أسطوات» أهل الفن والمَغنى والطرب، وقد صرح الحكيم للمؤلف بأن قصة «محسن» في روايته الشهيرة «عودة الروح» هي بالفعل مشاعر صباه في الحب وأن مسألة عدائه المزعوم للمرأة ليس سوى بدعة سيئة في صناعة الصورة مثل «البيريه والعصا والحمار والبرج العاجي» وغيره مما يروق له في ترويجه إعلامياً، لكنّ «حسه كقاضٍ سابق» لم يسمح له بالاعتراف المباشر في سيَره العديدة بما يجرح صورته أو يؤخذ عليه.
ويذكر د. فضل أنه طرح سؤالاً نقدياً على نجيب محفوظ يقول: «لقد أتقنت تمثيل حيوات الرجال والنساء، المجرمين والشرفاء، النبيلات وفتيات الليل، وتجسيد كل الغرائز باقتدار، فكيف استطعت فعل ذلك بتجربتك المباشرة والمحدودة؟»، فأجاب محفوظ بعبارة واحدة: «هل أكون روائيا لو لم أفعل ذلك؟».

- الحب والزواج
يورد الدكتور فضل تفاصيل قصة حبه لرفيقة عمره وزوجته، وكانت معلنة وصريحة منذ كانا طالبين في الجامعة يعرفها الزملاء والأساتذة الذين تطوع اثنان منهم لخطبتها له بعد التخرج، وجاهدا معاً بعد ذلك في رحلة علمية شاقة. دامت هذه العلاقة طوال العمر حتى فرّق الموت بينهما منذ عدة سنوات. ويتساءل: «كيف استطاع تجاوز كل التوترات والمآزق الزوجية التي مرّا بها، وهل يحق له اليوم أن يلحد في حبه الممتد العميق المتجدد؟ وهل يغفر له الأهل والأحباب إن وضع تفانيه وإخلاصه فيه موضع الشك مهما كانت الذرائع والأسباب؟»، يجيب عن كل هذا قائلاً: «لعل أقصى ما يمكن أن أبوح به في هذا السياق هو رصد طبيعة التحولات التي انتابت عواطف الحب الزوجية عبر عقود طويلة، فقد تخليت بعد سنوات لا أستطيع تحديدها عن نزق الحب ولهفته وأشواقه المشبوبة، وأن يصبح لوناً من إدمان وجود الآخر معك، ليس بوسعنا تصور الافتراق عنه أو تحمل الحياة من دونه لكنه لم يعد يملأ عليك كل أقطار نفسك ولا يشغل مساحة جميع اهتماماتك».
ويؤكد في هذا السياق أنه كان يسير وفق معيارين مهمين في علاقته بالجنس الآخر أولهما تربيته القروية وجذور تكوينه الديني، كلاهما يحدّ من نزعة التحرر الغالبة على سلوكه، فبقدر انطلاقه العاطفي المشبوب يظل الجسد «تابوهاً» يصعب اختراقه؛ وبقدر ما يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة لا تزال الثقافة الذكورية تغلبه في اللحظات الحاسمة. ومع أن منظوره قد تبدل كثيراً بفعل الصراع المكتوم والسلمي بينه وبين زوجته الراحلة فقد حملته بذكائها وثقافتها وعشقه لها على أن يتخلى عن مفاهيمه القروية في فرض الرجولة والسعي لإخضاعها، فتعلم منها كيف يحترم عقلها وترفّعها وجمالها.
ويروي هنا واقعة طريفة، إذ يبدو أن الطبيعة المتحفظة والمنغلقة لنشأته الريفية الأولى وتعليمه الأزهري جعله يصاب بما يشبه «عقدة نفسية» تجاه الجنس الآخر، حيث كان يخشى من عدم قدرته على التعامل مع الزميلات والفتيات عموماً، حتى جاء إلى القاهرة واستشار طبيباً متخصصاً فأخضعه لبعض الجلسات الكهربائية الباهظة التكاليف ولكن لم تستطع أن تبعث الثقة لديه! تلك الثقة التي عاودته من خلال التفاعل الاجتماعي مع الأخريات في سياق تلقائي في مرحلة الدراسة الجامعية.
وعرف د. فضل في هذه الفترة من صباه نوعاً من اللهو القروي الطريف فكان ينتهز الفرصة في موسم جني القطن في الحقل ليجلس عند البقعة التي يتكوم فيها المحصول وتأتي إليها الفتيات العاملات لإفراغ ما في جيوبهن من لوزه فتكون فرصة للهو البريء.
كما يروي واقعة أخرى تتعلق بابنة عمته الحسناء «كوكب»، مصدقاً ما شاع في الأسرة من دعابة اقترانهما عندما يكبران، فتوهم أنها ستكون شريكة المستقبل بحكم هذا التوافق الضمني، ويبدو أنها بادلته الشعور ذاته وهما يختبئان من عيون الرقباء ليلهوان بعواطفهما الشابة لهواً بريئاً. لكن سرعان ما أدركت ابنة العمة متغيرات النضج الأنثوي، وأدرك الأهل أنها لا يمكنها أن تنتظر حتى ينتهي من رحلته التعليمية الطويلة الأمد، فقبل والدها شيخ البلد خطبتها لمن يليق بها من الشباب، وكانت صدمتها عنيفة إذ فقدت النطق فجأة، وتعذب كثيراً بنظراتها المتوسلة إليه دون أن يملك لها نفعاً، فهرب من الموقف بطريقة صبيانية وقُدر لها الشفاء من صدمتها بعد معاناة!
يروي أيضاً أنه قبل انتقاله للعاصمة حدث أمر كان له بالغ التأثير على صحته النفسية، حيث انتشرت في وجهه حبوب الشباب بشكل أكثر من المعتاد فاستعانت والدته بطبيب «شعبي» ليعالجه فارتكب أكبر خطأ كان يجب تفاديه حيث قام بتصفية الحبوب وتطهير مكانها مما ترك ندوباً واضحة على وجهه، جاهد لعلاجها دون جدوى فانتقص هذا من وسامته الموروثة عن أبيه. يعلّق على ذلك بنبرة شجن وتحدٍّ: «شعرت أنني فقدت الجمال الذي أنشده في كل شيء وتشكلت لديّ ما تشبه العقدة فحزنت كثيراً في داخلي وعاهدت نفسي أن أعوّض ذلك بالإصرار على التفوق الدراسي من ناحية والاستغراق في القراءة الملحّة من ناحية أخرى، كنت أقرأ كتاباً كاملاً كل يوم في مختلف فروع المعرفة والأدب وأصابتني حمى الشغف بالتميز والسبق وأصبح سحر الكلام الذي أرتشفه وأتمرس بتوظيفه هو الكأس التي تشبع نهمي للجمال بديلاً عن الوسامة!»

- السلطة والمثقف
ومن سلطة المرأة إلى سلطة الدولة والسياسة يتساءل د. صلاح فضل كأنه يحاور نفسه: هل كنت بريئاً من شهوة السلطة بوجهها السياسي حيث لا تحتكر المناصب فحسب بل تحتكر الإعلام وأدوات التواصل وتهمِّش بعنف مَن لا يسير في ركابها؛ وهل كان بوسعي أن أقوم بوظيفتي الفكرية لو ناصبتها العداء السافر؟ وما المسافة الضرورية التي حرصت على اتخاذها كي أحتفظ باستقلالي وأبوح برؤيتي وأتمادى في ممارسة الموقف النقدي في كل تجلياته العديدة؟
يجيب شيخ النقاد العرب عن السؤال بشكل عملي، فيروي كيف جاءت ملابسات تعيينه مستشاراً ثقافياً للسفارة المصرية في العاصمة الإسبانية مدريد بالمصادفة وحدها دون تدخل منه؛ بل كيف قام بترشيح أحد أساتذته للمنصب فتم رفض الترشيح لأن زوجة الأستاذ إسبانية، أي أجنبية، مما يجعله غير مستوفٍ للشروط. ويروي واقعة حضور وفد مصري رفيع المستوى للمشاركة في مؤتمر اقتصادي دولي بمدريد عام 1982 فإذا به يقاطع حفل عشاء للوفد أقامه السفير المصري قائلاً: «لماذا لا نقطع شوطاً حضارياً على طريق التقدم مثلما فعلت إسبانيا التي سبقتنا بآماد طويلة حيث أتابع نهضتها منذ الستينات ولا أدرى لماذا لا نخطط لتجاوز مرحلة التخلف في مصر؟». هنا أصاب الوجوم الحاضرين كأن على رؤوسهم الطير وتساءل أحدهم: «لم نكن نعرف أنك تنتمي للمعارضة؟»، وبالطبع لم يكمل الرجل في منصبه طويلاً بينما تولى أعضاء الوفد المصري مناصب مرموقة وتولى أحدهم رئاسة الحكومة فيما بعد.
يعقب د. فضل على الأمر لافتاً إلى أن هناك شيئين ظل حريصاً عليهما فما يتعلق بغزل السلطة الذي يفتن معظم المثقفين، الأول أنه لم يُضبط في مكان عام بقول أو فعل وهو ينافق السلطة أو يمدح الرؤساء، بل كثيراً ما أوسعهم نقداً من دون تجريم، مطالباً بالحكمة والرشد وتحقيق الحرية والعدل لأن هذه القيم هي التي تصنع حضارة الأمم، أما إعلان العداء المتشنج فلم يقترفه لأنه يطعن في المصداقية ويؤدي إلى الاضطهاد. وقد مر بمراحل كثيرة في عهود سابقة كان فيها نجماً ثقافياً في التلفزيون والصحافة ومراحل أخرى تصاعدت فيه نبرة النقد عنده فلم يُدرج في قوائم الممنوعين صراحةً وإن تفادى الإعلاميون ظهوره معهم لأن مواقفه الداعية للحريات والديمقراطية لم تعد تريح الأجهزة الحاكمة للإعلام. أما الأمر الآخر فهو بثه رسائله السياسية بقوة وعنفوان في كتاباته النقدية، فمنذ خروجه من قوقعة الجامعة إلى الحياة العامة والكتابة بالصحف ومقالاته لا يمكن أن تخلو من تعميق الإحساس بأهمية الحرية والديمقراطية وتداول السلطة والحكم الرشيد، مهما كان موضوعها في الشعر أو الرواية أو الفكر الثقافي، هذه الاستراتيجية حكمت بعض اختياراته لعناوين كتبه مثل «جمالية الحرية في الشعر» و«التمثيل الجمالي للحياة» و«الإبداع شراكة حضارية»!



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.