صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»
TT

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

صلاح فضل في «صدى الذاكرة»

يقتحم الدكتور صلاح فضل في كتابه «صدى الذاكرة» المناطق التي يفضّل الآخرون السكوت عنها عادةً لا سيما ما يتعلق بالحياة الخاصة للمؤلف وتحديداً ذكرياته العاطفية وعلاقته بالجنس الآخر عبر مراحل مختلفة من تجربته الشخصية، فضلاً عن موقفه من السلطة السياسية. ورغم أن الكتاب ليس سيرة ذاتية فقط بقدر ما هو سيرة «فكرية وثقافية» أيضاً في بعض فصوله فإن الفصول الأكثر تأثيراً واستحواذاً على القارئ هي تلك المتعلقة بالحياة العاطفية للمؤلف الذي يعد «شيخ النقاد العرب»، وله حضور واسع في المشهد الثقافي العربي.

- شجاعة الاعتراف
صدر الكتاب حديثاً عن هيئة الكتاب المصرية، وفي البداية يؤكد د. فضل (83 عاماً) أنه لطالما عدّ كل من تعرض لبسط طرف من سيرته الذاتية وتجاهل عمداً هذا الجانب الجوهري في حيواتنا جميعاً إما منافقاً وإما مخادعاً. ويحث مَن يعرفهم من الأدباء والمفكرين على أن يتسلحوا بما يقدرون عليه من شجاعة أدبية للبوح والاعتراف بما اقترفوه من «أخطاء» في نظر المجتمع وبخاصة إذا كانوا بلغوا درجة من الشهرة والقيمة تشفع لهم عند القراء وتُكسبهم قدراً من الحصانة التي لا يمنحها الناس سوى لمن يحبهم المجتمع.
ولأنه يؤمن بأهمية هذا البوح فقد أخذ يتذكر طرفاً مما فعله شيوخه الأولون في الأدب العربي الحديث؛ فقد اعترف طه حسين على سبيل المثال بعشقه لزوجته وامتنع عن الخوض فيما عدا ذلك «لأن دينه لها كان فادحاً ووقوعه تحت سطوتها كان محتوماً»، لكنّ معاصريه يعرفون قصة إيثاره لتلميذته الأرستقراطية الجميلة د. سهير القلماوي وحدبه عليها وغرامه المكتوم بها حتى إن بعض تلاميذ «عميد الأدب العربي» حكوا له كيف كان يستنشق عطرها وهي على درج السلم في كلية الآداب فينادي عليها بصوته الشجي «سهير»!
هناك أيضاً حكاية توفيق الحكيم، عميد المسرح العربي، مع فتاة شباك تذاكر الأوبرا في باريس ومن قبلها ما كرره في سيرته من ولعه بـ«أسطوات» أهل الفن والمَغنى والطرب، وقد صرح الحكيم للمؤلف بأن قصة «محسن» في روايته الشهيرة «عودة الروح» هي بالفعل مشاعر صباه في الحب وأن مسألة عدائه المزعوم للمرأة ليس سوى بدعة سيئة في صناعة الصورة مثل «البيريه والعصا والحمار والبرج العاجي» وغيره مما يروق له في ترويجه إعلامياً، لكنّ «حسه كقاضٍ سابق» لم يسمح له بالاعتراف المباشر في سيَره العديدة بما يجرح صورته أو يؤخذ عليه.
ويذكر د. فضل أنه طرح سؤالاً نقدياً على نجيب محفوظ يقول: «لقد أتقنت تمثيل حيوات الرجال والنساء، المجرمين والشرفاء، النبيلات وفتيات الليل، وتجسيد كل الغرائز باقتدار، فكيف استطعت فعل ذلك بتجربتك المباشرة والمحدودة؟»، فأجاب محفوظ بعبارة واحدة: «هل أكون روائيا لو لم أفعل ذلك؟».

- الحب والزواج
يورد الدكتور فضل تفاصيل قصة حبه لرفيقة عمره وزوجته، وكانت معلنة وصريحة منذ كانا طالبين في الجامعة يعرفها الزملاء والأساتذة الذين تطوع اثنان منهم لخطبتها له بعد التخرج، وجاهدا معاً بعد ذلك في رحلة علمية شاقة. دامت هذه العلاقة طوال العمر حتى فرّق الموت بينهما منذ عدة سنوات. ويتساءل: «كيف استطاع تجاوز كل التوترات والمآزق الزوجية التي مرّا بها، وهل يحق له اليوم أن يلحد في حبه الممتد العميق المتجدد؟ وهل يغفر له الأهل والأحباب إن وضع تفانيه وإخلاصه فيه موضع الشك مهما كانت الذرائع والأسباب؟»، يجيب عن كل هذا قائلاً: «لعل أقصى ما يمكن أن أبوح به في هذا السياق هو رصد طبيعة التحولات التي انتابت عواطف الحب الزوجية عبر عقود طويلة، فقد تخليت بعد سنوات لا أستطيع تحديدها عن نزق الحب ولهفته وأشواقه المشبوبة، وأن يصبح لوناً من إدمان وجود الآخر معك، ليس بوسعنا تصور الافتراق عنه أو تحمل الحياة من دونه لكنه لم يعد يملأ عليك كل أقطار نفسك ولا يشغل مساحة جميع اهتماماتك».
ويؤكد في هذا السياق أنه كان يسير وفق معيارين مهمين في علاقته بالجنس الآخر أولهما تربيته القروية وجذور تكوينه الديني، كلاهما يحدّ من نزعة التحرر الغالبة على سلوكه، فبقدر انطلاقه العاطفي المشبوب يظل الجسد «تابوهاً» يصعب اختراقه؛ وبقدر ما يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة لا تزال الثقافة الذكورية تغلبه في اللحظات الحاسمة. ومع أن منظوره قد تبدل كثيراً بفعل الصراع المكتوم والسلمي بينه وبين زوجته الراحلة فقد حملته بذكائها وثقافتها وعشقه لها على أن يتخلى عن مفاهيمه القروية في فرض الرجولة والسعي لإخضاعها، فتعلم منها كيف يحترم عقلها وترفّعها وجمالها.
ويروي هنا واقعة طريفة، إذ يبدو أن الطبيعة المتحفظة والمنغلقة لنشأته الريفية الأولى وتعليمه الأزهري جعله يصاب بما يشبه «عقدة نفسية» تجاه الجنس الآخر، حيث كان يخشى من عدم قدرته على التعامل مع الزميلات والفتيات عموماً، حتى جاء إلى القاهرة واستشار طبيباً متخصصاً فأخضعه لبعض الجلسات الكهربائية الباهظة التكاليف ولكن لم تستطع أن تبعث الثقة لديه! تلك الثقة التي عاودته من خلال التفاعل الاجتماعي مع الأخريات في سياق تلقائي في مرحلة الدراسة الجامعية.
وعرف د. فضل في هذه الفترة من صباه نوعاً من اللهو القروي الطريف فكان ينتهز الفرصة في موسم جني القطن في الحقل ليجلس عند البقعة التي يتكوم فيها المحصول وتأتي إليها الفتيات العاملات لإفراغ ما في جيوبهن من لوزه فتكون فرصة للهو البريء.
كما يروي واقعة أخرى تتعلق بابنة عمته الحسناء «كوكب»، مصدقاً ما شاع في الأسرة من دعابة اقترانهما عندما يكبران، فتوهم أنها ستكون شريكة المستقبل بحكم هذا التوافق الضمني، ويبدو أنها بادلته الشعور ذاته وهما يختبئان من عيون الرقباء ليلهوان بعواطفهما الشابة لهواً بريئاً. لكن سرعان ما أدركت ابنة العمة متغيرات النضج الأنثوي، وأدرك الأهل أنها لا يمكنها أن تنتظر حتى ينتهي من رحلته التعليمية الطويلة الأمد، فقبل والدها شيخ البلد خطبتها لمن يليق بها من الشباب، وكانت صدمتها عنيفة إذ فقدت النطق فجأة، وتعذب كثيراً بنظراتها المتوسلة إليه دون أن يملك لها نفعاً، فهرب من الموقف بطريقة صبيانية وقُدر لها الشفاء من صدمتها بعد معاناة!
يروي أيضاً أنه قبل انتقاله للعاصمة حدث أمر كان له بالغ التأثير على صحته النفسية، حيث انتشرت في وجهه حبوب الشباب بشكل أكثر من المعتاد فاستعانت والدته بطبيب «شعبي» ليعالجه فارتكب أكبر خطأ كان يجب تفاديه حيث قام بتصفية الحبوب وتطهير مكانها مما ترك ندوباً واضحة على وجهه، جاهد لعلاجها دون جدوى فانتقص هذا من وسامته الموروثة عن أبيه. يعلّق على ذلك بنبرة شجن وتحدٍّ: «شعرت أنني فقدت الجمال الذي أنشده في كل شيء وتشكلت لديّ ما تشبه العقدة فحزنت كثيراً في داخلي وعاهدت نفسي أن أعوّض ذلك بالإصرار على التفوق الدراسي من ناحية والاستغراق في القراءة الملحّة من ناحية أخرى، كنت أقرأ كتاباً كاملاً كل يوم في مختلف فروع المعرفة والأدب وأصابتني حمى الشغف بالتميز والسبق وأصبح سحر الكلام الذي أرتشفه وأتمرس بتوظيفه هو الكأس التي تشبع نهمي للجمال بديلاً عن الوسامة!»

- السلطة والمثقف
ومن سلطة المرأة إلى سلطة الدولة والسياسة يتساءل د. صلاح فضل كأنه يحاور نفسه: هل كنت بريئاً من شهوة السلطة بوجهها السياسي حيث لا تحتكر المناصب فحسب بل تحتكر الإعلام وأدوات التواصل وتهمِّش بعنف مَن لا يسير في ركابها؛ وهل كان بوسعي أن أقوم بوظيفتي الفكرية لو ناصبتها العداء السافر؟ وما المسافة الضرورية التي حرصت على اتخاذها كي أحتفظ باستقلالي وأبوح برؤيتي وأتمادى في ممارسة الموقف النقدي في كل تجلياته العديدة؟
يجيب شيخ النقاد العرب عن السؤال بشكل عملي، فيروي كيف جاءت ملابسات تعيينه مستشاراً ثقافياً للسفارة المصرية في العاصمة الإسبانية مدريد بالمصادفة وحدها دون تدخل منه؛ بل كيف قام بترشيح أحد أساتذته للمنصب فتم رفض الترشيح لأن زوجة الأستاذ إسبانية، أي أجنبية، مما يجعله غير مستوفٍ للشروط. ويروي واقعة حضور وفد مصري رفيع المستوى للمشاركة في مؤتمر اقتصادي دولي بمدريد عام 1982 فإذا به يقاطع حفل عشاء للوفد أقامه السفير المصري قائلاً: «لماذا لا نقطع شوطاً حضارياً على طريق التقدم مثلما فعلت إسبانيا التي سبقتنا بآماد طويلة حيث أتابع نهضتها منذ الستينات ولا أدرى لماذا لا نخطط لتجاوز مرحلة التخلف في مصر؟». هنا أصاب الوجوم الحاضرين كأن على رؤوسهم الطير وتساءل أحدهم: «لم نكن نعرف أنك تنتمي للمعارضة؟»، وبالطبع لم يكمل الرجل في منصبه طويلاً بينما تولى أعضاء الوفد المصري مناصب مرموقة وتولى أحدهم رئاسة الحكومة فيما بعد.
يعقب د. فضل على الأمر لافتاً إلى أن هناك شيئين ظل حريصاً عليهما فما يتعلق بغزل السلطة الذي يفتن معظم المثقفين، الأول أنه لم يُضبط في مكان عام بقول أو فعل وهو ينافق السلطة أو يمدح الرؤساء، بل كثيراً ما أوسعهم نقداً من دون تجريم، مطالباً بالحكمة والرشد وتحقيق الحرية والعدل لأن هذه القيم هي التي تصنع حضارة الأمم، أما إعلان العداء المتشنج فلم يقترفه لأنه يطعن في المصداقية ويؤدي إلى الاضطهاد. وقد مر بمراحل كثيرة في عهود سابقة كان فيها نجماً ثقافياً في التلفزيون والصحافة ومراحل أخرى تصاعدت فيه نبرة النقد عنده فلم يُدرج في قوائم الممنوعين صراحةً وإن تفادى الإعلاميون ظهوره معهم لأن مواقفه الداعية للحريات والديمقراطية لم تعد تريح الأجهزة الحاكمة للإعلام. أما الأمر الآخر فهو بثه رسائله السياسية بقوة وعنفوان في كتاباته النقدية، فمنذ خروجه من قوقعة الجامعة إلى الحياة العامة والكتابة بالصحف ومقالاته لا يمكن أن تخلو من تعميق الإحساس بأهمية الحرية والديمقراطية وتداول السلطة والحكم الرشيد، مهما كان موضوعها في الشعر أو الرواية أو الفكر الثقافي، هذه الاستراتيجية حكمت بعض اختياراته لعناوين كتبه مثل «جمالية الحرية في الشعر» و«التمثيل الجمالي للحياة» و«الإبداع شراكة حضارية»!



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».