عائشة سلطان: المدينة كائن يحب ويعشق ويتألم

الكاتبة الإماراتية ترى أن أدب الرحلة يحتاج إلى ذائقة خاصة

عائشة سلطان
عائشة سلطان
TT

عائشة سلطان: المدينة كائن يحب ويعشق ويتألم

عائشة سلطان
عائشة سلطان

تخوض الكاتبة الإماراتية عائشة سلطان مغامرة شيقة في أدب الرحلة، وتبدو الكتابة لديها في هذا المنحى محاولة حثيثة لاكتشاف روح المكان، وتجلياته في حياة البشر والزمن والأشياء؛ لذلك ترى أن الأسفار تساعدك على تأسيس علاقة قوية مع منبعك الذاتي، وتلفت النظر إلى أن أدب الرحلة لم يعد مجرد ملاحظات ومعلومات عابرة عن المدن وشوارعها ومعالمها، فهذا أصبح متوفراً بيسر على «غوغل». وتؤكد صاحبة كتاب «هوامش في المدن والسفر والرحيل» الصادر أخيراً، أن أدب الرحلة يحتاج إلى ذائقة خاصة، وسياقات مغايرة لتناوله.
صدر للكاتبة من قبل «في مديح الذاكرة» و«شتاء الحكايات»... هنا حوار معها حول ثقافة السفر وما تبحث عنه في المدن والكتابة.

> السردية الذاتية وحكايات الجدة والأم مفاتيح رئيسية في عالم الرحلة والسفر لديك... كيف وجدتْ أسفاركِ طريقها لكتابكِ الجديد؟
- الكتاب هو تطوير لأفكار ومقالات كتبتها حول أسفار كثيرة قمت بها، أكتب عموداً يومياً يقتات من المشاهدات اليومية الخاطفة، ولا أتوقف عن كتابته حتى خلال السفر، ولاحظت مع الوقت أن اليوميات التي كنت أكتبها في حدود مائتي كلمة أو أكثر تحمل بداخلها نواة لأفكار تستحق التطوير والبناء، فلما وجدتها في جعبتي كان هذا الكتاب. أما بالنسبة إلى الذاتية، فأعتقد أن الأمر يتعلق بالصدق مع النفس في مخاطبة المتلقي، والكتابة الذاتية هي أقرب أبوابه، فالحكَّاءة الأولى في كل عائلة هي الجدة، وأنا تعلمت السفر من جدتي وأمي اللتين كانتا من أوليات النساء في عائلتي اللاتي سافرن وسافرت معهن.
وأتصور أنه كي تقدم نفسك للعالم وأن تسافر يجب أن تكون قادراً على التعامل مع العالم ببساطة، وأن يبدأ التعرف على الثقافات المختلفة من تأسيس علاقة قوية مع منبعك الذاتي، فالذاتي هو ما نحمله معنا في الأسفار، ويجعلنا ننطلق في رؤيتنا للعالم دون أن نكون منسلخين عن أنفسنا، فلا نسافر عندها بحثاً عن بديل، وهذا الأدب الذي يحمله الكتاب هو أدب رحلة إنساني، وليس مسحاً طبوغرافياً للأرض والمعالم، هو رحلة ممتدة.
> إذن، ماذا تبحثين في المدن؟
- أبني على هذه العبارة واحداً من المبادئ الأساسية لي في السفر، وهو السفر دون تصورات مسبقة، فتجربة السفر ذاتية جداً، لها مشاعر عاطفية ووجدانية، وانفعالاتنا بالأشياء والأمكنة تختلف، أنصح الناس أن يقرأوا ويشاهدوا أشياء عن الأماكن التي سيذهبون لزيارتها، لكن ألا نأخذ انطباعات مُعلبة من آخرين سبقونا إليها.
> وصفتِ علاقة المسافر بالمدينة بقصص الحب الغامضة... حدثّينا عن هذا الربط؟
- صحيح؛ فهي علاقات تكون أحياناً بلا منطق، فأنا مثلاً لم أحب باريس أو لندن، رغم افتتان الكثيرين بهما، فنحن كشرقيين لدينا ثقافة الأفكار المسبقة، سواء مع الناس ومع الأماكن، بالنسبة لي المعايير تختلف من إنسان إلى آخر، فلماذا لا نريد تأسيس علاقتنا الخاصة مع المدن؟!
المدينة كائن يحب، ويعشق، ويتألم، تُحببني فيها وتُكرهني أيضاً، عالم يعج بالمشاعر، فإذا قررنا أن نكون مسافرين يجب أن نؤسس هذه التجربة شيئاً فشيئاً، اليوم مثلاً أستطيع أن أقول إن لدي ثقافة سفر بسبب تجارب مختلفة قمت بها ما بين مدن ذهبت لها مُحملة بتجارب الآخرين، وأخرى ذهبت لها دون انطباعات، أو للدراسة، وأخرى دون هدف، هناك ذهبت واكتشفت انطباعاتي.
> كيف ترين علاقة الأدب بالرحلة، خاصة أن مدناً كثيرة ارتبطت لدينا بقصيدة أو حكاية أو أسطورة قرأنا عنها وما زال أثرها قابعاً في الوجدان والذكريات؟
- علاقة المدينة والأدب طويلة وتكاد ترافق رحلة الإنسان في الحياة وبحثه الدؤوب عن ملاذ آمن. فمنذ سنوات كنت أتصور أن مسرحية «روميو وجولييت» من اختلاق شكسبير، ثم علمت أن مدينة فيرونا الإيطالية شهدت قصة حب حقيقية لبطليها روميو وجولييت، ذهبت إلى المدينة مدفوعة برؤية هذا المكان الذي تحوّل لمسرحية خالدة، وهكذا بالنسبة لمدينة فينيسيا التي كانت تحمل استعادة حيّة لمسرحية «كازانوفا»، و«جسر التنهدات»، وفلورنسا حيث مدينة دافنشي، ومايكل أنجلو، ودانتي و«الكوميديا الإلهية».
فهناك مساحة إلهام يمكن أن يخلقها الوقوف أمام بيت مثل بيت «دانتي» مثلاً، وأتذكر عندما ذهبت إلى سان بطرسبرغ مدينة الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي، أنني كنت أتخيل كثيراً كيف أنني أسير في الشوارع نفسها التي سار بها دوستويفسكي، وكتبت نصاً في إحدى المرات وأنا على بعد أمتار قليلة من بيته، أتخيله ونحن تفصل بيننا 150 سنة، وأقول كان هنا يضع قبعته، ويجلس بجوار المدفأة، هذا ما يفعله الأدب، ومثل تلك التجارب يخرج من رحمها الأدب، وهناك كثير من التجارب الفنية المستلهمة من مثل تلك الزيارات.
> لماذا برأيك تفتقر مكتبتنا العربية لأدب الرحلة؟
- عندما عرضتُ الكتاب على الناشر تحمس له، وكان سببه أسلوب التناول الأدبي للرحلات، فالكتابة عن الرحلات من منطقة الملاحظات عن المعالم والشوارع أو خطوط السير، ليست أدب رحلة، حيث يمكننا أن نبحث عن تلك المعلومات على «غوغل» بسهولة، أما الأدب فليس معلومات عن مكان، بل هو نوع أدبي يحتاج إلى زاوية ومدخل خاص لتناول الرحلة، فكل فروع الأدب والفن تتطور، سواء في الرواية، أو القصة القصيرة، أو حتى الرسم، وهذا يسري على أدب الرحلة، وأظن أن الذي يجب أن نهتم به في الرحلة هو الإنسان نفسه وعلاقته بالمكان، وكيف يمر الزمن عليهما.
> كيف يمكن أن تضاعف المدن من الإحساس بالوحدة الوحدة كما جاء في كتابك؟
- استلهمت في الكتاب نصاً من مدينة «بادن بادن»، وهي مدينة ألمانية تُعد رمزاً للجمال والرفاهية في كل شيء، ولفت نظري شخص وحيد يبدو أنه لم يتسرب له هذا الجمال، جاء إليها راغباً في تغيير حاله ولكنه ظل وحيداً، فكما جاء في الكتاب كأن الوحدة حين تسكننا يصعب أن تفسح المجال لأحد أن يشاركها المكان، وتكون أكبر من قدرة المدينة على مداواته.
> لديك تجربة حاضرة مع إدارة النوادي الأدبية... كيف بدأت وتطورت؟
- فكرة النوادي الأدبية في البداية هي تكريس لفكرة القراءة، والتشجيع عليها. القراءة تجربة ذاتية، إلا أن التجربة الجماعية عبر مشاركة عدد من القراء قراءة الكتاب المُتفق عليه ومناقشته بعد مدة مقررة، أثبتت أن لها دوراً في الدفع بعجلة القراءة، وتمنح المشاركين قدراً من الالتزام عبر تنمية عادة القراءة، علاوة على أن النوادي الأدبية فيها تحرر من المؤسسة الرسمية وخياراتها، حيث تخضع فقط لاختيارات أعضاء النادي في المقام الأول، وتكون هناك فرصة حقيقية لمناقشة المشروع الأدبي الكامل لكاتب بعينه.
إلى جانب هذا، فهناك دائماً انطباع أن القُراء في الخليج منغمسون في الترف، ونوادي القراءة تُخلخل تلك الصور النمطية الخاطئة التي تسعى لتأطيرنا في أُطر ضيقة. فالمجتمعات المتحضرة تقاس بما تقرأ وما تهتم به من ثقافة.
> امتدت فكرة النقاشات الأدبية أخيراً عبر ساحات الفضاء الإلكتروني... ماذا أضافت إليك؟
- تحت وطأة جائحة كورونا، وما فرضته من حجر وعزلة، فكرت في محاولة النظر إلى جانب إيجابي عبر التكنولوجيا وما أتاحته من حلول، وأسسنا صالوناً أدبياً قمنا خلاله بمناقشة العديد من الكتب، واستقبلنا خلاله دور نشر ونقاداً وكتاباً ومترجمين من العالم العربي، أنا أعتبر أن الإنسان وُجد كي لا ينقرض. لذلك؛ فالتفكير في تطوير الأدوات والتواصل عبر القراءة هو حصانة له، علاوة على أنها تتماشى مع الدعوة التي تتبناها دولة الإمارات لدعم القراءة.
> لكِ تجربة في تحكيم الجوائز، حدثينا عنها؟
- تجربتي في تحكيم الجوائز تمتد بين الصحافة والأدب، قمت بالتحكيم في جائزة الصحافة العربية، وجائزة البوكر، جائزة العويس، وأعتبر أن الجوائز لم تقم فقط بإنعاش الأدب والرواية والقراءة، إنما خلقت تواصلاً بين الأجيال والدول، فنحن طالما كنا نعاني من مشكلة المركزية في القراءة في العالم العربي، فجاءت الجوائز لتكسر هذه المركزية، بعد أن صار تنقل الكاتب والكتاب أسهل في ظل الجوائز والتكنولوجيا، فكسرت تقوقع القرّاء العرب حول كتّاب دولهم وأدبائها، وجعلت رؤيتهم تتسع لباقي كُتاب العالم العربي خارج حدود بلادهم.
> كيف تنظرين لواقع الرواية الإماراتية؟
- التجربة الأدبية في الإمارات ممتدة منذ سبعينات القرن الماضي، وارتبطت تحديداً بكتابة القصة، واستمرت مع الثمانينات لصالح القصة أيضاً أكثر من الرواية، وكانت في مجملها تجربة غنية، وما يعيبها هي أنها تجربة لم تكتمل أو تتطور وتفرز إنتاجاً جديداً، بما يجعل أصحابها أصحاب مشروع.
واليوم وما بعد الألفية يمكن لمس انتعاش الحياة الأدبية، ما بين شباب في مرحلة التكوين والتجريب، ربما هم في حاجة إلى الاطلاع على المدارس الأدبية المختلفة، وسط حاجتنا بشكل عام إلى حركة نقدية، فمن دونها تصبح التجربة الأدبية ناقصة.
> التاريخ في الرواية الإماراتية ركيزة رئيسية في الكتابات الجديدة... لماذا برأيك؟
- صحيح، فالرواية من جهة تُكتب عن أشياء نعرفها، كما أن اتجاهات الكتابة حول موضوعات مثل الخيال العلمي أو الديستوبيا ما زالت بسيطة جداً، فيما لدينا روائيون رسّخوا أسماءهم في المشهد الأدبي منهم ميسون صقر القاسمي، وريم الكمالي، ووداد خليفة، ومريم الساعدي، ولولوة المنصوري، وعلي أبو الريش، وهناك منهم من اتخذ حكايات من زمن الغوص ووصلها بالحاضر، فتبدو الروايات مرتبطة بالماضي، لكنهم صنعوا عبره جملهم الخاصة في الأدب. ويظل معيار الاستمرارية والتراكم هما الأهم في تلك التجارب.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».