حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الروائي المصري يرى أن المرأة خالقة الصراع ومن دونها لا دراما ممكنة

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار
TT

حمدي الجزار: أحيا كشاهد على البشر وغايتي لحظة بهجة في خطواتهم

الكاتب حمدي الجزار
الكاتب حمدي الجزار

لا ينزعج الكاتب الروائي حمدي الجزار من ملاحظة البعض قلة إنتاجه، ويؤكد أنه يكتب يومياً ولا ينشر سوى ما يحب، وأن ما يعنيه هو الكيف والإضافة الجمالية. فاز بأكثر من جائزة عن أعماله، وتُرجم بعضها إلى عدة لغات أجنبية، وينفي أنه يكتب وعينه على الجوائز، ويقول: «كل ما أتطلع إليه هو اقتناص لحظة بهجة في سلوك البشر ودراما حياتهم». لدى الجزار شغف خاص بتصوير الحارة الشعبية وتلعب النساء دوراً محورياً في رواياته... هنا حوار معه حول عالمه الأدبي وهموم الكتابة.

> رغم الاحتفاء الذي حظيت به روايتك الأولى «سحر أسود» فإنك لم تصدر بعدها سوى روايتين عبر نحو 16 عاماً، كيف ترى هذه المفارقة؟
- لا توجد أي مفارقة. صدرت روايتي الأولى عام 2005 وبعدها بثلاث سنوات صدرت «لذّات سرية» ثم قامت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وتغيّرت مصر، فانشغلتُ بكتابة قصص نُشرت أسبوعياً في كبرى الصحف والمجلات، ثم كتبت «كتاب السطور الأربعة» في جزأين، صدر الأول في 2012 وكاملاً في 2014، وصدرت روايتي الثالثة «الحريم» في أواخر 2014، وانشغلتُ بعدها بكتابة رواية هي الأطول بين أعمالي، فاستغرقتُ سنوات أطول من المعتاد.
يشير السؤال إلى مفهوم «الاحتفاء»، والذي يتصور البعض أنه دافع رئيسي لكتابة عمل جديد، أعتقد أن الكتابة نفسها هي الاحتفاء الجوهري، الذي لا يساويه أي احتفاء آخر، نحن جميعاً نحب أن نقطف ثمرة عملنا، ولكن إذا رهن كاتب نفسه بذلك ضاع، ونضب معين إبداعه الأصلي. بالنسبة إليّ لا توجد غاية خارج العمل الأدبي نفسه، وليس وسيلة لشيء آخر، وحده يكفيني ويهبني الفرح، وهو حياتي الجوهرية، أحيا كشاهد على حياة البشر، وكل ما يجري للجنس البشري، وأكتب للجميع.
> هل أنت مقلٌّ في إنتاجك على غرار أدباء كبار مثل الطيب صالح، وإبراهيم أصلان وغيرهما؟
- كتبت قصة قصيرة وعمري 12 عاماً، ونشرت أول قصة وأنا طالب في العشرين، ونشرتُ رواية «سحر أسود» وأنا في الخامسة والثلاثين، كان الطريق إلى الثقة في قيمة ما أكتب طويلاً، لكنني لست مقلاً في الكتابة، أكتب يومياً منذ زمن طويل، ولا أنشر سوى ما أحب، ولديّ عشرات قصص لم تُجمع في كتب بعد، ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الكيف والإضافة الفنية والجمالية.
لم يقصد الطيب صالح أن يكون مقلاً بل شغلته عن الكتابة أشياء أخرى. إبراهيم أصلان ذكر في أحد حواراته أنه نادم لأنه لم يكتب أكثر، هما كاتبان حقيقيان تحريا الكيف، وأعمالهما ما زالت حية وممتعة. وقبل كل شيء الكتابة هي الحرية المطلقة، أن تكتب عملاً، أن تُظهر عالماً للوجود، أو أن تحجبه وتتوقف عن إظهار شخصيات وأحداث وعالم روائي، وفي الحالتين يبقى الكاتب هناك، موجوداً وتبقى الرواية معه، كامنة لكنها قابلة للظهور في أي وقت.
> كيف ترى في المقابل التجارب الروائية التي تتسم بالغزارة في الإنتاج؟
- كنت أتحدث مرة مع الروائي خيري شلبي عن هذه «الغزارة في الإنتاج» فقال: «الغزارة ابنة الموهبة». خيري شلبي بالطبع يشير إلى تجربته، والعبارة أعجبتني، إنها في فهمي تعني القدرة على الكتابة في كل وقت ومكان، الموهبة تعني حضور الكاتب في الشخص، واستعداده الدائم للإبداع.
> في روايتك «الحريم» تحفر عميقاً داخل نسيج الحارة المصرية والحي الشعبي، ألا ترى أن تلك «المنطقة» قد قُتلت بحثاً على يد نجيب محفوظ؟ ما الجديد الذي حاولت أن تضيفه إذن؟
- إذا كان الحفر عميقاً فلماذا لا نحفر؟! كل رواية يجب أن تدور أحداثها في مكان ما، وقبل أن أكتب «الحريم» كتبت رواية تاريخية عن «أحمد بن طولون» أول من استقل بمصر عن الدولة العباسية، عدت إلى مصادر تراثية كثيرة، وأتممت المخطوط في نحو عامين ثم لم يعجبني، ولم أنشر منه شيئاً، بعدها بدأت كتابة «الحريم»، وجعلت الرواية تدور في «طولون»، لم أستعن بالمخطوط الأول لكنه حاضر بين السطور وخلفها، كما إنني عشت لسنوات في مناطق متعددة تتسم بالعراقة التاريخية مثل حي «السيدة زينب» و «المنيرة»، غالباً يحضر المكان الذي أعيش فيه في الرواية التي أكتبها، أحب أن أبقى قريباً. هناك شيء آخر مهم؛ نحن نتحدث عن مكان أدبي وليس المكان الجغرافي الذي يعرفه الناس، المكان الأدبي هو ما يصفه ويرسمه الروائي في عمله وإن اتّخذ اسماً له صلة بواقع جغرافي معين، تماماً مثلما قد تشير بعض شخصيات رواية إلى ناس خارجها، الرواية عالم مكتمل بذاته وخيالي، ورغم ذلك يملك القدرة على النفاذ إلى أعماق الحياة الإنسانية.
الحارة المصرية حاضرة في جلّ أعمال نجيب محفوظ، لكن أي حارة نعني؟ إنها حارة أدبية، أي مكان متخيَّل، وحي نجيب محفوظ الشعبي ليس المكان الواقعي، فالروائي لا يقدم جغرافيا وتقريراً، إنه يخلق مكاناً تحيا فيه شخصياته، وبالطبع سيختلف عن كل ما يمكن أن يكتبه روائي آخر عن مكان يحمل الاسم نفسه. الذي يعرف القاهرة جيداً يعرف أن حياتها الأساسية في أحيائها الشعبية، والتي تقطنها الغالبية العظمى من المصريين، وإن كنت مهتماً بحياة الناس فلا بد لي أن أوجدهم في هذا الأماكن.
المكان الذي تدور فيه «الحريم» ليس من ضمن الأماكن التي أوجدها نجيب محفوظ، مثل أحياء الحسين وخان الخليلي والعباسية أماكنه المفضلة، الحريم تدور في طولون، في موقع أقرب إلى يحيى حقي في رواية «قنديل أم هاشم» وغيرها، وهذا لا يعني شيئاً، لأن المكان متخيَّل وقوة التخيل هي ما تجعله حقيقياً، يشبه الأماكن التي نعرفها ونعيش فيها حياتنا اليومية. أما الجديد الذي حاولت إضافته فهو مهمة النقد.
> ما سر هذا الحضور المهيمن للمرأة في أعمالك؟
- لا توجد رواية بلا شخصيات نسائية، ولا فيلم أو مسرحية، ولا دراما ممكنة بغير المرأة، فهي خالقة الصراع في أي سرد، منها تبدأ الرواية وتنتهي، فالعلاقة جوهرية بين حضور الشخصية النسائية والشكل الروائي نفسه. ولعلكِ تقصدين حضورها المهيمن في «الحريم» بوجه خاص، لأن عنوان كل فصل باسم امرأة: «روحية، لوزة، بطة، رانيا»... هذه تجربة خاصة في الشكل الروائي والسرد، وفي هذه الرواية بعينها، بينما تظهر في أعمالي الأخرى كبطلة مكافئة للرجل.
> يرى البعض أنك تتعمد شد القارئ من خلال عناوين ذات جاذبية تجارية كما في «الحريم» و«لذّات سرية»؟
- لا أتعمد شيئاً من هذا القبيل، لأن القارئ نفسه ليس موجوداً لديّ عند الكتابة، حين أكتب أكون وحيداً تماماً، بلا قارئ أو ناقد أو ناشر، الحاضر هو العمل وحده، ويأتي عنوان العمل كما يأتي العمل نفسه، أحياناً أبدأ بعنوان ثم أغيّره مرات، وأحياناً يبقى العنوان الأول، أو يكون الأخير، والحاكم الوحيد هو يقيني أن هذا العمل ليس له سوى هذا العنوان.
> تُرجم لك «سحر أسود» و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، وتترأس تحرير برنامج «بكل لغات العالم» المعنيّ برصد الأدب العالمي من خلال المختصين والمترجمين... هل أنت محظوظ إذن؟ وكيف ترى واقعنا الأدبي على خريطة الثقافة العالمية؟
- ترجمت «سحر أسود» إلى الإنجليزية والتركية، و«لذّات سرية» إلى الإنجليزية، و«الحريم» إلى الفرنسية والجورجية، وهناك قصص ومقاطع من «كتاب السطور الأربعة» وغيرهما بلغات أخرى كالتشيكية والمالاوية، لا أعتقد في الحظ الطيب أو العاثر، أعتقد في الإخلاص للعمل، والتجويد والمراجعات الدائمة. أما بالنسبة لبرنامج «بكلل لغات العالم» فهو نتيجة لجهود كثير من المترجمين، مثل دينس جونسون ديفيز، وهمفري ديفيز وغيرهما، ونشاط قسم النشر بالجامعة الأميركية. أصبحت الأعمال الرئيسية في أدبنا المصري، على الأقل، متاحة لقراء الإنجليزية، وهي اللغة الأنشط في الترجمة، وكذلك وجود بعض دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي، نحن موجودون لكن المساحة أقل مما يستحق الأدب العربي لأسباب كثيرة، منها إحجام الكثير من المؤسسات الثقافية في العالم العربي عن تمويل نشر أدبنا وترجمته، على غرار ما يفعل الكثير من دول العالم.
> في تجاربك المبكرة كانت القصة القصيرة خيارك المفضل إلا أنك لم تكمل في هذا السياق، لماذا؟
- بدأت بالقصة القصيرة ثم المسرحية وبعدها الرواية، وحدث أن نشرت ثلاث روايات ولم أنشر مجموعة قصصية واحدة بعد، لكنني لم أبتعد عنها، لديّ عشرات القصص القصيرة المنشورة والتي تنتظر أن تُجمع في كتب.
> قمت بتأليف وإخراج أكثر من عمل مسرحي، فماذا عن العلاقة بين الرواية والمسرح وكيف انعكست عليك كروائي؟
- كتبت ثلاث مسرحيات وأخرجتها، وأنا طالب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وأفدت كثيراً من تجربتي مع المسرح، وقرأت روائع المسرح العالمي، وعشت على خشبته، وهو الفن الوحيد الذي يتخلق أمام عيني المتلقي، لكنه في النهاية عمل فني مختلف تماماً عن الرواية؛ المسرحية الجيدة هي التي تُكتب لتمثَّل، وهي عمل جماعي يتشارك فيه مؤلف ومخرج وممثل وآخرون، أما الرواية فعمل فرد واحد، وفي التلقي أيضاً المسرحية تتوجه لجماعة وجمهور، أما الرواية فيقرأها فرد في خلوة، الفارق شاسع لكن ما يجمعهما هي «الدراما» وانعكس ذلك في رواياتي بخاصة حساسيتي للحوار بالعامية المصرية.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.