تحذيرات من ارتفاع أعداد المصابين باضطرابات نفسية في مناطق الحوثيين

80 في المائة من المرضى ينتمون إلى فئة الشباب

TT

تحذيرات من ارتفاع أعداد المصابين باضطرابات نفسية في مناطق الحوثيين

كشف مصادر يمنية في القطاع الطبي عن ارتفاع أعداد المصابين باضطرابات نفسية في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية نتيجة الظروف المعيشية التي خلفها الانقلاب الحوثي والحرب الهمجية إلى أكثر من 7 ملايين حالة.
واتهمت المصادر الانقلابيين الحوثيين بالوقوف وراء تنامي أعداد المرضى النفسيين، مشيرة إلى أن ما نسبته 80 في المائة من المرضى هم من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و30 عاماً.
وصرحت المصادر ذاتها لـ«الشرق الأوسط» بأن أسباب تزايد نسب وأعداد المرضى النفسيين ترجع إلى حالة البؤس والحرمان والفقر والبطالة التي عصف بملايين اليمنيين جراء الإنقلاب، وسياسات الإفقار والتجويع التي اتبعتها الجماعة طوال السنوات الماضية. وحذرت أيضاً من توسع دائرة الإصابة بتلك الاضطرابات في أوساط فئات وشرائح مجتمعية يمنية جديدة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.
وفي هذا السياق، تحدث مواطنون وسكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تنامٍ غير مسبوق لعدد المرضى النفسيين في شوارع وأزقة وأحياء العاصمة ومدن أخرى تحت سيطرة الجماعة، وأكدوا أن أعداد مرضى الاضطرابات النفسية ارتفع خلال الأعوام القليلة المنصرمة بشكل لافت، بالتزامن مع استمرار وتيرة الحرب التي تواصل الميليشيات شنها على مختلف المدن اليمنية.
من جهتهم، ذكر أطباء ومختصون نفسيون في صنعاء أن أعداد المصابين بتلك الاضطرابات في تزايد وارتفاع كبيرين في ظل استمرار تغاضي سلطات الميليشيات الصحية وإهمالها المتعمد وسوء إدارتها للقطاع الصحي ونهب الموارد والمساعدات الطبية.
وقال بعضهم لـ«الشرق الأوسط»، مشترطين عدم الكشف عن هوياتهم، إن آلاف المرضى النفسيين باتوا يهيمون في شوارع وطرقات وأحياء أغلب المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً تلك التي تشهد كثافة سكانية عالية، كالعاصمة صنعاء وريفها ومحافظات إب وذمار والحديدة وعمران والمحويت وصعدة.
وكشف أطباء عن تصاعد كبير في أعداد المتضررين نفسياً خلال الأعوام الـ7 الماضية، أي منذ بدء الانقلاب، مشيرين إلى وجود 200 مصاب باضطراب نفسي من بين كل ألف شخص، ولفتوا إلى أن تلك الأرقام باتت مرشحة للارتفاع في حال استمرت الجماعة الموالية لطهران في حربها العبثية وسياسات العنف والنهب والتجويع بحق المدنيين القاطنين في المدن الواقعة تحت سطوتها.
وتوقع مختصون في الأمراض والاضطرابات النفسية أن يشهد اليمن، لا سيما مناطق سيطرة الجماعة الحوثية التي يعاني أغلب سكانها من الفاقة، ارتفاعاً مضطردا في المرحلة المقبلة في أعداد المرضى النفسيين، وبنسبة قد تفوق المستويات المسجلة في دول العالم.
وأشاروا إلى أن تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومواصلة سرقة الجماعة للمرتبات، وانعدام فرص العمل وتوسع رقعة الفقر والجوع، تعد من أهم أسباب عدم الاستقرار النفسي، وبالتالي الإصابة بالحالات المرضية المتطورة، خصوصاً بين الشباب.
وعلى الصعيد ذاته، تحدث مسؤول في البرنامج الوطني للصحة النفسية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» عما تواجهه الصحة النفسية في مناطق سيطرة الجماعة من صعوبات ومشاكل، بينها ندرة المستشفيات والعيادات والمراكز المتخصصة بعلاج الاضطرابات النفسية.
وكشف المسؤول ذاته عن استمرار توقف المنشآت الخاصة بالطب النفسي وخروج أجهزتها ومعداتها الطبية عن الخدمة بنسبة 95 في المائة، نتيجة فساد قادة الميليشيات وسوء إدارتها لمرافق وأجهزة القطاع الصحي، مشيراً إلى وجود سرير واحدٍ فقط لكل 250 ألف مريض نفسي.
وكانت منظمة «أطباء بلا حدود» كشفت أول من أمس في تقرير لها عن ارتفاع هائل في عدد الحالات النفسية الشديدة في اليمن جراء الحرب التي تشهدها البلاد منذ سبع سنوات.
وقالت أنتونيلا بوتزي، مديرة أنشطة الصحة النفسية للمنظمة في المستشفى الجمهوري في حجة، إن «نطاق الحالات التي نعالجها كبير، وهناك أشخاص يعانون من القلق والأرق، ومرضى يعانون من أمراض خطيرة مثل الذهان والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)». وتابعت: «في خدمتنا نرى المرضى بانتظام بعد محاولات الانتحار».
وتوقعت بوتزي أن يكون العدد الفعلي أعلى من الأرقام المعلنة، موضحةً أنه «في أغلب الأحيان يأتي أشخاص إلى عيادتنا من مسافات تزيد على 100 كيلومتر للوصول إلى خدماتنا».
وأشارت إلى أن النزاع المسلح في اليمن لم يؤثر على الصحة البدنية للناس فحسب، «بل قلل من وصولهم إلى الرعاية الصحية والتعليم والغذاء، كما أنه يقيد حريتهم في التنقل ويحرمهم من حرية التعبير عن أنفسهم، وهذا يخلق اضطرابات صحية عقلية خطيرة».
وأضافت بوتزي أن «المرضى الذين يعانون من مشاكل نفسية في اليمن لا يختلفون عن غيرهم ممن يعانون من الصراع في جميع أنحاء العالم، لكن 45 في المائة من المرضى الذين نراهم في عيادة الصحة العقلية التابعة لأطباء بلا حدود يعانون من حالات خطيرة».
وكشفت عن أن عدد الحالات الشديدة «مرتفع بشكل مذهل»، لا سيما مع الأخذ في الاعتبار أنه في جميع أنحاء العالم، وحتى في حالات النزاع، يجب ألا يتجاوز عدد المرضى الذين يعانون من حالات صحية نفسية حادة 5.1 في المائة من إجمالي الحالات، على النحو الذي حددته منظمة الصحة العالمية في عام 2019.


مقالات ذات صلة

إحباط تهريب معدات لتصنيع المسيّرات الحوثية في «باب المندب»

المشرق العربي القارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية (قوات العمالقة)

إحباط تهريب معدات لتصنيع المسيّرات الحوثية في «باب المندب»

ضبط قارب كان ينقل معدات تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والزوارق الانتحارية، خلال محاولته العبور إلى سواحل محافظة الحديدة على البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

خاص مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

شكّل مجمع الموهوبين نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي في محافظة مأرب، والتحق به منذ افتتاحه عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق.

عبد الهادي حبتور (اليمن مأرب)
خاص أكد بن عزيز أن العلاقة مع السعودية ليست مجرد تنسيق... بل شراكة حقيقية على الأرض (سبأ) p-circle

خاص رئيس هيئة الأركان اليمنية: أعدنا بناء الجيش... والقرار العسكري أصبح موحداً

أكد الفريق صغير بن عزيز أن القيادة والقرار العسكري أصبح واحداً، وذلك في إطار توحيد كل التشكيلات تحت مظلة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة.

عبد الهادي حبتور (اليمن - مأرب)
خاص اللواء يحيى حميد مدير أمن محافظة مأرب (إدارة أمن مأرب) p-circle

خاص مدير أمن مأرب لـ«الشرق الأوسط»: ضبطنا عشرات الخلايا الحوثية

نجحت محافظة مأرب في ترسيخ نفسها واحدة من أقل المحافظات اليمنية تسجيلاً للجريمة، وأكبرها استقراراً من الناحية الأمنية...

عبد الهادي حبتور (مأرب (اليمن))
خاص صرف المستشفى أكثر من 150 ألف نظارة طبية و342 ألف وصفة دوائية مجانية (الشرق الأوسط)

خاص مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

تحوّل المستشفى التخصصي لطب وجراحة العيون الممول بالكامل من السعودية ويقدم خدماته مجاناً بنسبة 100 في المائة، إلى نافذة أمل لآلاف اليمنيين من مختلف المحافظات.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

عودة مليونَي يمني نازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية

العائدون من النزوح الداخلي في اليمن بحاجة ماسة إلى مزيد من المساعدات (الأمم المتحدة)
العائدون من النزوح الداخلي في اليمن بحاجة ماسة إلى مزيد من المساعدات (الأمم المتحدة)
TT

عودة مليونَي يمني نازحين داخلياً إلى مناطقهم الأصلية

العائدون من النزوح الداخلي في اليمن بحاجة ماسة إلى مزيد من المساعدات (الأمم المتحدة)
العائدون من النزوح الداخلي في اليمن بحاجة ماسة إلى مزيد من المساعدات (الأمم المتحدة)

أظهرت بيانات أممية حديثة مؤشرات لافتة على تحسُّن الأوضاع في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع تسجيل عودة أكثر من مليونَي نازح إلى مناطقهم الأصلية، في تَطوُّر يعكس تراجعاً نسبياً في موجات النزوح الداخلي، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحديات كبيرة تتعلق بإعادة دمج العائدين، وتأمين الخدمات الأساسية، وضمان عدم اضطرارهم إلى النزوح مرة أخرى.

وكشفت المنظمة الدولية للهجرة، في تقييم ميداني أُجري خلال شهرَي أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الماضيَين، عن عودة نحو 2.105 مليون نازح يمني، يمثلون قرابة 298 ألف أسرة، إلى مناطق يسهل الوصول إليها في المحافظات الواقعة ضمن نفوذ الحكومة الشرعية، مؤكدة أنَّ هذه العودة تُعدُّ من أكبر التَّحرُّكات السكانية الداخلية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

وبيَّن التقرير أنَّ محافظة تعز (جنوبي غرب) استحوذت على النصيب الأكبر من العائدين، بعدما استقبلت نحو 783 ألف شخص، بما يعادل 37.2 في المائة من إجمالي العائدين، وهو ما يعكس حجم النزوح الذي شهدته المحافظة خلال سنوات الحرب، إلى جانب رغبة كثير من الأسر في العودة بعد تحسُّن الأوضاع الأمنية والخدمية نسبياً.

وجاءت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (جنوب) في المرتبة الثانية باستقبال نحو 647 ألف عائد، أي نحو 31 في المائة من الإجمالي، بينما حلَّت محافظة الضالع (جنوب) ثالثة بنحو 151 ألف عائد، تلتها شبوة بأكثر من 118 ألفاً، ثم لحج (جنوب) بنحو 115 ألفاً، في حين تَوزَّع نحو 268 ألف شخص على بقية المحافظات المشمولة بالتقييم.

84 % من النازحين اليمنيين عادوا إلى مناطقهم بسبب تحسُّن الأوضاع (الأمم المتحدة)

وأظهرت نتائج المسح أنَّ 84 في المائة من العائدين اليمنيين، أي نحو 1.77 مليون شخص، أكدوا أن تحسَّن الأوضاع في مناطقهم الأصلية كان السبب الرئيسي وراء قرار العودة، وهو ما يعكس تأثير التَّحسُّن النسبي في الاستقرار الأمني وتوفر الحدِّ الأدنى من الظروف المعيشية في تشجيع الأسر على مغادرة مواقع النزوح.

في المقابل، أوضح نحو 293 ألف نازح يمني، يمثلون 14 في المائة من إجمالي العائدين، أنَّ تدهور الظروف الاقتصادية والخدمية في مناطق نزوحهم دفعهم إلى العودة، حتى وإن كانت مناطقهم الأصلية لا تزال تعاني تحديات كبيرة. كما سجَّل التقرير دوافع أخرى للعودة، وإن بنسب محدودة، من بينها الرغبة في لمّ شمل الأسرة أو التَّعرُّض للطرد من أماكن النزوح.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإنَّ المنظمة الدولية للهجرة شدَّدت على أنَّ غالبية العائدين لا يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، إلى جانب برامج التعافي المبكر وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، بما يضمن استقرارهم ويمنع تجدد موجات النزوح في المستقبل.

تحديات ما بعد العودة

ترى منظمات الإغاثة أنَّ نجاح العودة لا يُقاس بعدد العائدين من النازحين فقط، بل بقدرة المناطق المستقبِلة على استيعابهم وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، بما يشمل فرص العمل، والرعاية الصحية، والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، خصوصاً في المحافظات اليمنية التي تعرَّضت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أنَّ كثيراً من الأسر العائدة تواجه أوضاعاً معيشية صعبة؛ نتيجة تضرر منازلها أو فقدان مصادر دخلها، الأمر الذي يجعل استمرار الدعم الدولي عاملاً أساسياً لضمان تحول العودة إلى استقرار دائم، بدلاً من أن تكون محطةً مؤقتةً تسبق موجة نزوح جديدة.

كما تشير هذه البيانات إلى تحول تدريجي في طبيعة الاستجابة الإنسانية، من التركيز على إدارة النزوح إلى دعم التعافي وإعادة بناء المجتمعات المحلية، وهو ما يتطلب تنسيقاً أكبر بين الحكومة والمنظمات الدولية والجهات المانحة.

برنامج أممي لدعم تعليم الأطفال

في سياق الجهود الرامية إلى دعم استقرار الأسر العائدة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) استكمال المرحلة الأولى من برنامج جديد يهدف إلى تعزيز فرص التعليم لأكثر من 10 آلاف طفل في مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة، عبر مساعدات نقدية مباشرة للأسر، إلى جانب حزمة من التدخلات التعليمية والحماية الاجتماعية.

وأوضحت المنظمة أنَّها صرفت الدفعة الأولى من المساعدات النقدية لنحو 1967 أسرة خلال الأسبوعين الأخيرين من يونيو (حزيران) الماضي، ضمن مشروع مُموَّل من المديرية العامة للحماية المدنية وعمليات المساعدة الإنسانية الأوروبية، يستهدف الحدَّ من التَّسرُّب المدرسي، وتشجيع الأطفال على مواصلة تعليمهم.

تأهيل المدارس وتوزيع الحقائب المدرسية ضمن برنامج أممي في اليمن (الأمم المتحدة)

ويمتد البرنامج لمدة 10 أشهر، ويستفيد منه 10 آلاف و250 طفلاً من الفئات الأكثر احتياجاً، من خلال التعليم التعويضي، وتوفير فرص تعليمية بديلة، وتنفيذ حملات للعودة إلى المدارس، فضلاً عن أنشطة توعوية تستهدف تشجيع الأسر على ضمان استمرار أبنائها في التعليم.

كما يشمل البرنامج إعادة تأهيل المباني المدرسية، وتدريب المعلمين، وتوفير الحقائب واللوازم المدرسية، إلى جانب خدمات حماية الطفل والدعم الاجتماعي، بما يُخفِّف الأعباء الاقتصادية عن الأسر، ويزيل أبرز العوائق التي تحول دون انتظام الأطفال في الدراسة.

وأكدت «يونيسف» أنَّها تستعد لتنفيذ دورة ثانية من المساعدات النقدية قبل بدء العام الدراسي الجديد في سبتمبر (أيلول) المقبل، لتشمل نحو 2100 أسرة، من بينها الأسر التي استفادت من الدفعة الأولى، إضافة إلى أسر جديدة سيلتحق أطفالها بالصف الأول الابتدائي للمرة الأولى.


اليمن في مواجهة طور جديد من التهديد الإيراني

صورة متداولة للطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)
صورة متداولة للطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)
TT

اليمن في مواجهة طور جديد من التهديد الإيراني

صورة متداولة للطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)
صورة متداولة للطائرة الإيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)

دخلت الشرعية اليمنية في طور جديد من المواجهة مع الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران، بعد تسيير الأخيرة رحلة مباشرة إلى مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الجماعة، نقلت قيادات من الجماعة للمشاركة في تشييع المرشد السابق علي خامنئي، وهي خطوة عدّتها الحكومة اليمنية انتهاكاً مباشراً لسيادة البلاد، وسط تحذيرات أطلقها «تحالف دعم الشرعية» من مغبة أي تصعيد يُهدد أمن السعودية أو السيادة اليمنية.

وعلى وقع هذا التطور، ردّ «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني بعقد اجتماع استثنائي برئاسة رئيس المجلس رشاد العليمي، شارك فيه جميع الأعضاء وكبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين، في مؤشر على أن الحكومة اليمنية تنظر إلى التطور باعتباره قضية سيادية تتجاوز مجرد تشغيل رحلة مدنية، وتمس احتكار الدولة لإدارة الأجواء والمطارات والمنافذ الدولية.

وركّز الاجتماع على أن الرحلة الإيرانية لا يمكن فصلها عن العلاقة الوثيقة بين الحوثيين وطهران، عادّاً أنها تؤكد استمرار استخدام الجماعة مؤسسات الدولة الواقعة تحت سيطرتها لخدمة الأجندة الإيرانية، وأنها تُمثل تحدياً لقرارات مجلس الأمن والقانون الدولي، وتضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد بشأن مدى التزامه بحماية سيادة اليمن.

ويحمل الموقف اليمني بُعداً يتجاوز الاعتراض على رحلة جوية واحدة، إذ يتعلق بمبدأ احتكار الدولة الشرعية لإدارة المجال الجوي والمنافذ الدولية، وهو ملف ظل محل خلاف منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014.

اجتماع استثنائي لـ«مجلس القيادة الرئاسي اليمني» لبحث تداعيات الرحلة الإيرانية إلى صنعاء (سبأ)

وترى الحكومة اليمنية أن تشغيل رحلات دولية بصورة منفردة من دون موافقتها يُمثل سابقة قد تفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تتجاوز المؤسسات الشرعية، وتكرس واقع الانقسام القائم، وهو ما يفسر تشديد «مجلس القيادة» على أن الدولة ستستخدم جميع الوسائل السياسية والقانونية والدبلوماسية لحماية سيادتها.

كما ربط «المجلس الرئاسي اليمني» بين هذه الخطوة وسلسلة من التحركات التي اتهم الحوثيين بتنفيذها خلال السنوات الماضية، من بينها استهداف الملاحة الدولية، ورفض مبادرات السلام، عادّاً أن التصعيد الأخير يؤكد استمرار الجماعة في تقديم أولويات حليفها الإيراني على حساب مصالح اليمنيين.

تحذير سعودي

بالتوازي مع الموقف اليمني، جاء بيان «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بقيادة السعودية ليؤكد أن التطورات الأخيرة لا تُمثل خلافاً يمنياً داخلياً فحسب، وإنما ترتبط أيضاً بأمن المنطقة.

وأعلن المتحدث باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، أن التحالف سيرد «بكل حزم وبقوة غير مسبوقة» على أي محاولة تستهدف المملكة أو تمس سيادة الجمهورية اليمنية، في رسالة حملت نبرة أشد مقارنة بالبيانات السابقة.

واتهم المالكي الحوثيين بمحاولة تصدير أزماتهم الداخلية إلى الخارج، مؤكداً أن الجماعة رفضت خريطة الطريق الخاصة بالسلام، وصعّدت عملياتها ضد الملاحة البحرية، الأمر الذي أدى -حسب البيان- إلى استهداف الموانئ والبنية التحتية اليمنية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية.

ويعكس البيان السعودي -وفق مراقبين- رغبة في رسم خطوط حُمر أمام أي ترتيبات إيرانية جديدة تتعلق بمطار صنعاء، مع التأكيد في الوقت نفسه أن أي ردّ سيأتي ضمن إطار القانون الدولي الإنساني.

انعكاسات على مسار السلام

يأتي هذا التصعيد من قِبل الحوثيين وحليفتهم إيران، في وقت كانت فيه الجهود الإقليمية والدولية تُحاول إبقاء مسار التهدئة اليمنية قائماً رغم تعثر المفاوضات السياسية.

إلا أن التهديدات الحوثية الأخيرة باستقبال رحلات إيرانية مستمرة إلى صنعاء تُثير مخاوف من انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تحولت الرحلات الجوية بين إيران وصنعاء إلى مسار دائم؛ حيث تتهم طهران بتزويد الحوثيين بالأسلحة والتقنية والخبراء.

ويرى مراقبون أن الحكومة اليمنية تُحاول من خلال تحركها الدبلوماسي تثبيت أن قضية مطار صنعاء ليست مسألة إنسانية فقط، وإنما ترتبط أيضاً بالسيادة الوطنية والاعتراف الدولي بمؤسسات الدولة.

وفد الحوثيين للمشاركة في تشييع مرشد إيران السابق علي خامنئي (رويترز)

ووسط هذه المخاطر دعت الحكومة اليمنية الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية لوقف ما وصفته بالانتهاكات الإيرانية، في حين يسعى الحوثيون إلى تكريس واقع جديد يفرض التعامل معهم بوصفهم سلطة تدير المطار والمنافذ الواقعة تحت سيطرتهم.

وفي مقابل ذلك، يبدو «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بقيادة السعودية حريصاً على تأكيد استمرار الدعم للحكومة اليمنية، مع توجيه رسائل ردع واضحة لأي خطوات قد تؤدي إلى تهديد أمنها أو تغيير قواعد الاشتباك القائمة.

وتضع هذه التطورات المجتمع الدولي أمام تحدٍّ جديد يتعلق بكيفية فرض الالتزام بقرارات مجلس الأمن التي تعترف بالحكومة اليمنية ممثلاً شرعياً للدولة، وبين كيفية التصدي لمخاطر انتهاك إيران القانون الدولي والسيادة اليمنية، إضافة إلى مخاطر تهريب مزيد من الأسلحة إلى الجماعة الحوثية التي بات ينظر إليها على أنها أهم أذرع «الحرس الثوري» بعد إضعاف «حزب الله» في لبنان.


أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة التمويل تُهدد بعثة حفظ السلام في الصومال... و3 سيناريوهات محتملة

جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام تابعون لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تعاني بعثة حفظ السلام الجديدة في الصومال أزمات تمويلية منذ تشكيلها قبل نحو عام، غير أن أفق عمل تلك القوات ينتظر تهديداً وجودياً أكبر مع تحركات أميركية لمنع التمويل الدولي للبعثة.

تلك الخطوة التي تجري مشاورات بشأنها لتقليص أو وقف التمويل، يراها خبير صومالي تحدّث لـ«الشرق الأوسط»، قد تنعكس مباشرة على العمليات العسكرية الجارية ضد «حركة الشباب» الإرهابية، متوقعاً 3 سيناريوهات، بينها أن يخالف المجتمع الدولي مساعي واشنطن لإنهاء فوري للتمويل، ويواصل الدعم لتفادي أي مخاطر تُهدد منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية.

«حركة الشباب» الصومالية تضاعف المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024، لفترة أولية مدتها 12 شهراً، بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» الإرهابية التي تتصاعد عملياتها هناك منذ 15 عاماً.

وتقدم بعثة الاتحاد الأفريقي، التي يبلغ قوامها نحو 12 ألف فرد، الدعم للحكومة الهشة في مقديشو، وتساعدها في صد إرهابيي «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي أوصلتها هجماتها السابقة إلى مسافة قريبة من العاصمة، وتُسيطر على مساحات شاسعة من الريف في جنوب الصومال ووسطه.

وفي مذكرة دبلوماسية صدرت أول يوليو (تموز) أبلغت واشنطن الاتحاد الأفريقي بأنها لن تدعم مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية نحو 500 مليون دولار، بعد نهاية هذا العام، وفق ما نقلته «رويترز»، الخميس.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وقالت الحكومة الأميركية إنها لن تعترض على قيام مجلس الأمن الدولي بتجديد تفويض بعثة الاتحاد الأفريقي عندما يحين موعد التجديد، لكنها ستعارض أي تمديد يتضمن دعماً لوجستياً أو دعماً يتعلق بالعمليات من الأمم المتحدة.

وبلغت ميزانية بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال العام الماضي 190 مليون دولار، لكن تمويل البعثة أصبح غير مستقر على نحو متزايد، ما ترتب عليه عجزاً هائلاً في التمويل، خصوصاً بعدما عرقلت واشنطن العام الماضي خطة للتحول إلى نموذج تمويلي تغطي في إطاره الأمم المتحدة ثلاثة أرباع الميزانية، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

وقال أحمد كوشين، المدير العام السابق بوزارة الدفاع الصومالية، والعضو الحالي في البرلمان الوطني لـ«رويترز»: «سيكون لهذا الأمر تداعيات هائلة على الصومال (...) بعثة حفظ السلام في خطر».

وأوضح دبلوماسيان على دراية مباشرة بشؤون بعثة الاتحاد الأفريقي لـ«رويترز»، أنها لن تتمكن من الاستمرار ما لم تحل هيئة أخرى محل الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة.

مسلح خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

ويرى المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، أن أي تقليص أو توقف للتمويل قد ينعكس مباشرة على العمليات العسكرية الجارية ضد «حركة الشباب» الإرهابية، كما قد يفرض ضغوطاً إضافية على الحكومة الصومالية لتسريع برامج بناء الجيش، ورفع كفاءته العملياتية واللوجستية، بما يضمن انتقالاً تدريجياً للمسؤوليات الأمنية من القوات الدولية إلى المؤسسات الوطنية.

ويعتقد كلني، أنه رغم الموقف الأميركي فإن المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار مفاجئ للبعثة؛ نظراً لما يمثله الصومال من أهمية في أمن القرن الأفريقي، ومكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، متوقعاً أن تتجه الأطراف الدولية إلى البحث عن صيغ تمويل بديلة، أو إعادة هيكلة البعثة، أو تقليص مهامها بصورة تدريجية بدلاً من إنهائها بشكل كامل.

عناصر من الجيش الصومالي (وكالة الأنباء الصومالية)

وفي حال تعثر التوافق الدولي بشأن التمويل، تبرز 3 سيناريوهات رئيسية لمستقبل البعثة، حسب كلني، أولها استمرارها بعد إعادة هيكلة آليات التمويل وتقليص حجمها، وثانيها انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الجيش الصومالي مع بقاء دعم دولي محدود، أما السيناريو الثالث، وهو الأقل ترجيحاً لكنه الأكثر خطورة، فيتمثل في تراجع كبير للدور الدولي، بما يخلق فراغاً أمنياً قد تستفيد منه الجماعات المسلحة.

تحركات صومالية

ووسط ذلك التهديد، ترأس وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية الصومالية، أحمد معلم فقي، الخميس، اجتماع اللجنة العليا لاستراتيجية الجيش الوطني، والذي ناقش الخطط الاستراتيجية المتعلقة بالإسراع في تطوير وإعادة بناء وتحديث الجيش الوطني، حسب «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية.

وأكد الوزير الصومالي أهمية تنفيذ خطط استراتيجية تهدف إلى تطوير الجيش الوطني، بما يُسهم في بناء جيش وطني محترف وحديث وقادر على أداء واجباته الدستورية في الدفاع عن السيادة الوطنية، وحماية وحدة الأراضي، وضمان الأمن القومي.

ولا تزال القوات المسلحة الصومالية، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، تنفذ «سلسلة غارات جوية متتالية استهدفت مواقع تابعة لميليشيات (الشباب) الإرهابية في مناطق عدة بالبلاد»، حسب «وكالة الأنباء الصومالية».

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)

وبين الضغوط المالية ومساعي تطوير الجيش، يؤكد المحلل السياسي الصومالي علي كلني، أن الحكومة الصومالية أمام اختبار استراتيجي حاسم، فنجاحها في بناء مؤسسة عسكرية قادرة على تحمل المسؤولية سيُحدد إلى حد كبير مستقبل الاستقرار الداخلي، كما سيُشكل معياراً لمدى قدرة الدولة الصومالية على إدارة مرحلة ما بعد الاعتماد على بعثات حفظ السلام الدولية.

ويتوقع أن تستمر الحكومة الصومالية في التحرك بوتيرة متسارعة لإعادة هيكلة قواتها المسلحة وتعزيز جاهزيتها، في وقت تتزايد المؤشرات إلى احتمال تعرض بعثة حفظ السلام الدولية في الصومال لأزمة تمويل قد تعيد رسم المشهد الأمني في البلاد.