الأمن السيبراني و«التفاوت» على رأس اهتمامات «منتدى باريس»

ترحيب بعودة الولايات المتحدة إلى نادي الإدارة الجماعية للأزمات

ماكرون مع هاريس «نجمة» المنتدى التي حظيت باهتمام فرنسي رسمي استثنائي (أ.ب)
ماكرون مع هاريس «نجمة» المنتدى التي حظيت باهتمام فرنسي رسمي استثنائي (أ.ب)
TT

الأمن السيبراني و«التفاوت» على رأس اهتمامات «منتدى باريس»

ماكرون مع هاريس «نجمة» المنتدى التي حظيت باهتمام فرنسي رسمي استثنائي (أ.ب)
ماكرون مع هاريس «نجمة» المنتدى التي حظيت باهتمام فرنسي رسمي استثنائي (أ.ب)

رغم تسميته «منتدى باريس من أجل السلام»، فإن اللقاء العالمي الذي تستضيفه العاصمة الفرنسية، بنسخته الرابعة، الذي انطلق الخميس وينتهي السبت بمشاركة ما لا يقل عن 30 رئيس دولة وحكومة، والعشرات من الوزراء ورؤساء كبريات الشركات العالمية، والمئات من الجمعيات والمنظمات الدولية، وممثلين عن المجتمع المدني عبر العالم، ليس مؤتمراً دبلوماسياً تقليدياً. فمنذ انطلاقته في العام 2018 أريد له أن يكون فضاءً للحوار والتفاعل ومناقشة القضايا المطروحة كافة. وإن كان المنتدى يخرج بتوصيات ومقترحات، إلا أن كل دولة يمكنها أن تفعل ما تشاء، بمعنى أنه ليست هناك إلزامية لتنفيذ التوصيات أو المقررات. لكن الحضور الدولي الحكومي الواسع وتواجد ممثلي القطاع الخاص والمئات من المنظمات الدولية والإقليمية، كل ذلك يؤشر إلى حرص الأطراف المشاركة على إسماع صوتها في المنتدى الراهن الذي اتخذ رئيسياً له «محاربة التفاوت وانعدام المساواة في العالم»، أكان ذلك على المستويات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والبيئية والتربوية والرقمية، ولكن بعيداً عن السياسة بمعناها التقليدي الضيق، وسعياً لعدم الانزلاق إلى النزاعات التقليدية. وإذا كانت تسمية المنتدى تتحدث عن السلام، فإنه يفهم بمعناه الواسع والشامل، وأن الغرض المرتجى الانطلاق مما تحقق منذ انطلاق المنتدى والنظر للمستقبل تحدياته الجديدة. وأراد المنظمون أن يكون المؤتمر منصة لمواجهة تحديات الحاضر ودعم التعددية وأن يشكل «محركاً» لتوفير الحلول «العملية» للتحديات المطروحة.
وطيلة الأيام الثلاثة، وبالإضافة إلى الجلسة الافتتاحية والختامية التي ستحصل اليوم، فإن مجريات المنتدى بينت عن ثراء المداخلات وتكاثر المشاريع، بما فيها المقدمة من المجتمع المدني ومنظماته ومن القطاع الخاص. لكن الظاهرة اللافتة تمثلت في مشتركة الولايات المتحدة الأميركية للمرة الأولى في المنتدى؛ إذ انتدب الرئيس جو بايدن نائبته كامالا هاريس لتمثيل بلادها؛ الأمر الذي أريد منه إرسال إشارة واضحة للعالم بأن واشنطن وضعت حداً لـ«انعزاليتها» وعادت للمساهمة في إدارة شؤونه. وساد شعور بالارتياح لعودة واشنطن، وقد عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي استبق انطلاق المنتدى بعقد لقاء مطول مع نائبة الرئيس الأميركي لطي صفحة الخلاف مع واشنطن نهائياً، بالقول إن «عودة الولايات المتحدة إلى نادي تعدد الأطراف كانت بالنسبة إلينا خبراً ساراً لأنني أعتقد أن هذا هو مكانها». وكانت هاريس «نجمة» المنتدى وحظيت باهتمام رسمي فرنسي استثنائي.
وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقتها، شددت هاريس على أهمية محاربة الفقر عبر العالم قائلة «إن مواجهة تحدي الفقر هي فرض واجب علينا جميعاً»، مضيفة «إذا تمكنا من تجميع قوانا في هذه اللحظة المفصلية، فلن يكون هناك أي تحدٍ نعجز عن مواجهته». ووفق رؤيتها، فإنه يتعين محاربة الفقر على المستوى الوطني الخاص وداخل كل مجتمع وفي كل بلد، ولكن أيضاً يتعين إبراز «التضامن على مستوى العالم» لمساعدة الدول الفقيرة. بيد أن الكلام شيء والواقع الذي أظهرته جائحة «كوفيد» شيء آخر. وفي حين البلدان الأكثر تطوراً ضربت نسباً قياسية في تلقيح مواطنيها تتراوح ما بين 65 و70 في المائة، لا بل إن غالبيتها باشرت بإعطاء ثالث جرعة من اللقاح، فإن الدول الأفريقية ما زالت متأخرة تماماً وأكثريتها الساحقة لم تصل إلى نسبة 10 في المائة. وجاء الرد سريعاً على المسؤولة الأميركية من الرئيس النيجيري محمد بهاري حث دول الشمال الغنية إلى الانتقال من إعلان النوايا إلى الأفعال، خصوصاً في ميدان محاربة «كوفيد - 19» من خلال تسريع توفير اللقاحات للبلدان الأفريقية. وقال بهاري «إن المستوى الحالي لتوفير اللقاحات غير كاف أبداً»، مضيفاً أن ملايين الأفارقة ما زالوا ينتظرون وصول جرعات اللقاح إلى بلدانهم، مؤكداً أنه على المستوى الأفريقي العام، لم تتعد نسبة التلقيح 6 في المائة من السكان.
واسعة مروحة الملفات المطروحة على منتدى باريس. لكن الثابت، في نسخته الراهنة هو التركيز على مواضيع رئيسية ثلاثة: الأول، الصناعة الرقمية بكل ما تحمله له من أبعاد وتحديات، والثاني هو الذكاء الصناعي، والثالث المخاطر المتمثلة بتكاثر المسيرات في الفضاء الخارجي وكيفية التعامل مع هذا التحدي الجديد. وبالنسبة للتحدي الأول، فإن التركيز كان على كيفية محاربة المضامين التحريضية على شبكات التواصل الاجتماعي وعلاقة ذلك بالإرهاب، إضافة إلى استخدام الفضاء السيبراني لأغراض إجرامية. وتلعب الشركات الكبرى الفاعلة في هذا القطاع الدور الأكبر، وما كان منتظراً منها هو تقديم اقتراحات جديدة تتوافق مع أهداف المنتدى. وفي هذا السياق، حقق ما يسمى «نداء باريس» من أجل توفير الأمن السيبراني الذي أطلق في العام 2018 نجاحين رئيسيين: الأول، إعلان هاريس أن بلادها «تدعم» النداء وبالتالي ستوقع عليه، والآخر تأكيد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون جدير لاين أن الاتحاد الأوروبي يتبنى النداء الذي أخذ يضم ثمانين دولة و700 مؤسسة و400 منظمة حكومية. وثمة نداء آخر يتعلق بالفضاء السيبراني ويسمى «نداء كرايس تشورش» الذي أطلق بعد المجزرة التي شهدتها نيوزيلندا في العام 2019، حيث قتل 51 مصلياً في مسجدين، ويهدف إلى إدخال تغييرات على «المنتدى العالمي لمحاربة الإرهاب على شبكات الأنترنت». وما زالت هذه الشبكات تتضمن محتويات عنفية، وبعضها إرهابي التوجه بشكل فاضح. وبكلام آخر، فإن المطلوب هو «تنظيف» شبكات الإنترنت وتجنب أن توفر فضاءً لبث الأفكار الحاقدة والعنصرية، أو مجالاً لبث نظريات المؤامرات أو الأخبار الكاذبة. وطالب ماكرون بالالتفات بشكل خاص لحماية القاصرين، ودعا إلى إطلاق نداء لحماية «حقوق الأطفال» وحمايتهم من المحتويات الخطيرة والبورنوغرافية والتنمر والمتاجرة بالإنسان. أما فيما خص الذكاء الصناعي، فإن الغرض تجميع أكبر عدد من الدول في إطار ما يسمى «الشراكة الدولية من أجل الذكاء الصناعي» التي أطلقتها فرنسا وكندا في العام 2019 والتي غرضها حث المجموعات العلمية على توفير إرشادات وتوصيات لحكومات من أجل أن تكون تكنولوجيا الذكاء الصناعي في خدمة البشرية وتجنب الاستخدامات السيئة والشريرة. وتضم الشراكة حتى اليوم 19 دولة فاعلة في هذا المجال. ومن المقرر أن يقدم العلماء الذين طلبت منهم المساهمة تقريرهم الأول خلال انعقاد هذا المنتدى حول «الاستخدام المسؤول والأخلاقي للتكنولوجيات الجديدة». وللمرة الأولى، ينظر المنتدى في كيفية حماية البشرية من الأجسام «التائهة” في الفضاء الخارجي وكيفية تلافي الكوارث المترتبة على تكاثرها.
ما سبق يشكل غيض من فيض لما يدور في منتدى باريس للسلام وما يصعب حصره نظراً لتعدد «ورشات العمل» وكثرة المتدخلين ووفرة المشاريع المطروحة والمتداخلة بين الجانب الرسمي الحكومي وبين القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. وما يؤمل منه أن يخرج شيئاً عملياً، وألا يبقى «منصة» للتبادل تجمع لاعبين دوليين مرة في العام، ولكن من دون إحداث تغيرات ميدانية.


مقالات ذات صلة

تحذير لمستخدمي «ChatGPT»: دعوات مزيفة عبر «أوبن إيه آي»

تكنولوجيا يستغل المحتالون ميزات الدعوات الرسمية في «OpenAI» لإرسال رسائل احتيالية تبدو موثوقة تقنياً (شاترستوك)

تحذير لمستخدمي «ChatGPT»: دعوات مزيفة عبر «أوبن إيه آي»

يحذّر خبراء «كاسبرسكي» من أسلوب احتيالي جديد يستغل دعوات «أوبن إيه آي» الرسمية لخداع مستخدمي «ChatGPT» ودفعهم إلى الروابط والمكالمات الوهمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 6 يوليو 2021 (رويترز) p-circle 01:59

«عملية الأخطبوط»… قراصنة إيرانيون يزعمون اختراق هاتف رئيس وزراء إسرائيلي سابق

زعمَت مجموعة قرصنة إيرانية تُدعى «حنظلة» (Handala)، يوم الأربعاء، أنها نجحت في اختراق الهاتف المحمول لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تكنولوجيا معرض «بلاك هات» أفسح مساحة كبيرة للطلاب ضمن فعالياته (تصوير: تركي العقيلي) p-circle

ما الذي يدفع «ناشئين» سعوديين للالتحاق بقطاع الأمن السيبراني؟

أظهر تقرير حديث للهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية، أن حجم القوى العاملة في قطاع الأمن السيبراني بالمملكة؛ بلغ أكثر من 21 ألف مختص خلال عام 2024.

غازي الحارثي (الرياض)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟