اكتشاف أعمال جديدة للكاتب الفرنسي المثير للجدل لوي فرديناند سيلين

وصف بأنه «الأعظم في التاريخ الأدبي على الإطلاق»

سيلين
سيلين
TT

اكتشاف أعمال جديدة للكاتب الفرنسي المثير للجدل لوي فرديناند سيلين

سيلين
سيلين

دخل جان بيير تيبودات، وهو كاتب في الشأن الثقافي بإحدى الصحف الفرنسية، مكتب إيمانويل بييرا، المحامي المختص بالملكية الثقافية، يجرجر حقيبتين ضخمتين محشوتين بالأوراق الصفراء المملوءة بالكتابة المخربشة.
كان السيد تيبودات قد أخبر المحامي على الهاتف أنه «شيء ضخم»، قبل أن يأتي إلى مكتبه العام الماضي بحقيبتيه المنبعجتين.
في الداخل وجد السيد بييرا كنزاً أدبياً: مخطوطات مفقودة منذ زمن بعيد للوي فرديناند سيلين، الكاتب الفرنسي مثار الإعجاب والكراهية معاً، والذي ألف روائع مثل «رحلة إلى أقاصي الليل» التي نشرت عام 1932، بالإضافة إلى كراسات معادية للسامية.
«هذا أعظم اكتشاف أدبي على الإطلاق»، قال ذلك السيد بييرا مندهشاً في أحد الحوارات، واصفاً حالة الإثارة التي انتابته حين فرش الأوراق حول مكتبه وتفصحها مع السيد تيبودات.
كان سيلين يقول دائماً إن المخطوطات سرقت من شقته في باريس بعد هربه إلى ألمانيا عام 1944 نتيجة خوفه من أن يعاقب بوصفه متعاوناً بعد تحرير الحلفاء للمدينة.
بعد عقود من البحث غير المجدي، فقد معظم المختصين بسيلين الأمل بالعثور على المخطوطات - 6000 صفحة غير منشورة تضمنت نسخة كاملة من رواية طبعت فقط بصورة غير مكتملة، إلى جانب عمل لم يكن معروفاً من قبل.
قال السيد تيبودات إنه أُعطي المخطوطات من قبل فاعل خير، أو فاعلي خير، لم يكشف عن هويتهم - ورفض إعطاء مزيد من التفاصيل - قبل نحو 15 عاماً. لكنه خبأ الكنز منتظراً أرملة سيلين حتى تتوفى، بناء على طلب فاعل الخير الذي كانت رغبته أن «أسرة معادية للسامية» لن تستفيد من الكنز الدفين، حسبما ذكر في إحدى المقابلات.
والآن ها هو قد جاء إلى مكتب المحامي بييرا آملاً في الاحتفاظ بها في المجال العام، حيث يمكن للباحثين الوصول إليها.
«لقد فقدنا الأمل في العثور عليها»، قال آنك دورافور، وهو باحث في الشأن الأدبي ألف كتاباً عن معاداة سيلين للسامية. «إنه لأمر مذهل».
بيد أن الاكتشاف ما لبث أن صار مثار جدل. رفع ورثة سيلين دعوى ضد السيد تيبودات في فبراير (شباط)، متهمينه بالتعامل مع مسروقات ومطالبين بالمخطوطات بوصفهم المالكين الحقيقيين لتركة سيلين.
الاكتشاف وتهمة السرقة اللذان كشفت عنهما أولاً صحيفة «اللوموند» أثناء الصيف، نتجا عن معرفة جديدة بسيلين في فرنسا. كان دون شك روائياً عظيماً، لكنه اعتنق حكومة متعاونة مع النازيين أرسلت كثيراً من اليهود الفرنسيين إلى المعتقلات أثناء الحرب العالمية الثانية. يُدرّس في المدارس الثانوية لأسباب تعود بصفة خاصة إلى أسلوبه الثوري في التقاط الطريقة التي يتحدث بها الناس، لكنه أيضاً ممن يذكِّرون الفرنسيين باستسلام بلادهم لألمانيا ودورها في المحرقة.
يقول الباحث الأدبي ديفيد أليوت إن المسألة بالنسبة للعديد من الفرنسيين هي أنه إذا كان سيلين «عبقرية أدبية» فقد كان إنساناً عميق العيوب. «ولسنا نعرف كيف نتعامل مع شخص مثله في فرنسا. إن تاريخ فرنسا هو ما نجد في هذه المخطوطات».
في يونيو (حزيران) 1944، رست قوات الحلفاء على ساحل نورماندي، فهرب حشد من المتعاونين من باريس، ومنهم سيلين الذي غادر مع زوجته الجديدة لوسيت دستوش، فيما كانت قطته بيبير تحت ذراعه وقد خاط بعض الذهب داخل سترته. قال إنه ترك مخطوطاته خلفه في شقة مونمارتر محشوة داخل دولاب. لكنها اختفت بعد ذلك.
يبقى كثير من التفاصيل حول كيفية وصولها إلى يدي السيد تيبودات غامضة.
عاد سيلين إلى فرنسا عام 1951 بعد أن حصل على عفو. وقد ألقى باللائمة على أوسكار روزمبلي، وهو جار له وظفه ليتولى حساباته، بشأن اختفاء الأوراق - تهمة لم يُعرف أنه أنكرها.
«كان روزمبلي رجلاً مثقفاً يعرف أن سيلين كاتب عظيم وأن هذه الوثائق مهمة»، ذلك ما ذكره إيميل برامي، وهو بائع كتب يهودي في باريس يبلغ الحادية والسبعين من العمر كرس حياته لأعمال سيلين. «المسار الوحيد المتاح اليوم هو مسار روزمبلي».
في أواخر التسعينات، ذكر برامي أنه وجد ماري - لوس، ابنة روزمبلي، في كورسيكا، وأخبرته أنه كان لديها «كثير من الأشياء المتعلقة بسيلين». لكنه لم يتمكن من لقائها لأنها كانت تلغي المواعيد في اللحظة الأخيرة وباستمرار، حسبما قال. عندئذٍ توقف عن المحاولة وتوفيت الآنسة روزمبلي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 ومعها أسرارها.
ذكر السيد تيبودات، الذي حمل المخطوطات إلى المحامي، أنه لم يسمع بالسيد روزمبلي قبل أن يجري معه البوليس مقابلة في يوليو (تموز) بعد إقامة الدعوى.
قال إنه تلقى المخطوطات - التي تضمنت نسخة كاملة من رواية «كاسبيب» (Casse-pipe) التي نشرت جزئياً عام 1949، بالإضافة إلى رواية لم تكن معروفة من قبل عنوانها «لندره» (لندن) - في أوائل الألفين من مصدر رفض التصريح به.
قال في مقابلة هاتفية: «أولئك الذين أعطوني إياها رأوا أنهم يتخلصون منها. كانت عبئاً عليهم». في الوقت الذي وصلت إليه المخطوطات، كان السيد تيبودات يكتب فيه عن قضايا ثقافية لصحيفة «ليبراسيون».
كان لمصدره مطلب واحد، كما ذكر: الاحتفاظ بالمخطوطات سراً حتى تتوفى السيدة دستوش، أرملة سيلين. قال له المانح إن الهدف هو الاحتفاظ بالمكاسب المحتملة - التي قد تبلغ الملايين من الدولارات - بعيداً عن أسرة تلوثت بمعاداة السامية.
الأوراق التي وصلت إلى السيد تيبودات كانت خليطاً مربوطاً بمشابك غسيل خشبية - الطريقة التي اعتاد سيلين أن يربط بها الأوراق المفككة من أعماله.
قال السيد تيبودات في المقابلة: «لقد قيدني ذلك القَسَم؛ لم أستطع خيانة أولئك الناس. لذا كنت أنتظر. لم أتوقع أن يطول الأمر إلى هذا الحد».
توفيت السيدة دستوش في نوفمبر 2019 وعمرها 107 أعوام، ما منحه الوقت الكافي لتفحص الأوراق، استكشافها ونسخها، حسبما ذكر.
قال إنه «كان عملاً مضنياً ولكنه حسي. قضاء ليالٍ بأكملها وحيداً مع مخطوطات سيلين بشعور لا ينسى».
التقى السيد تيبودات بورثة سيلين في يونيو (حزيران) 2020 ومحاميه إلى جانبه. لم يكن اللقاء طيباً.
اقترح السيد تيبودات أن تعطى المخطوطات لمؤسسة عامة لكي تكون بمتناول الباحثين. غضب فرنسوا غيبولت ذو 89 عاماً وفيرونيك شوفان البالغة 69 عاماً، ورثة أعمال سيلين من خلال علاقتهما بالأسرة بوصفهما من أصدقائها، فرفعوا دعوى ضد السيد تيبودات مطالبين بتعويض عن المبالغ المفقودة طوال أعوام.
يقول السيد غيبولت، وهو أيضاً مؤلف كتاب عن حياة سيلين، في مقابلة معه: «إن إيمانويل بييرا وتيبودات يقدمان نفسيهما كما لو كانا متبرعين كريمين. يروعني هذا».
أخيراً في يوليو، سلم السيد تيبودات المخطوطات حسب أمر المدعين العامين. وفي مقابلة مع البوليس امتدت لأربع ساعات، رفض السيد تيبودات أن يسمي مصدره. وما زال التحقيق مستمراً.
يقول جيريمي أسوس، محامي ورثة سيلين وصديقهم منذ أمد بعيد: «خمسة عشر عاماً من ترك كتب كتلك دون استعمال يساوي ملايين اليوروات. إنه لا يحمي مصدره وإنما يحمي لصاً».
قبل عشرين عاماً، اشترت الحكومة الفرنسية المخطوطة الأصلية لرواية سيلين «رحلة إلى أقاصي الليل»، أول أعماله وأشهرها، لقاء مليوني يورو، ما يعادل 2.3 مليون دولار.
نشر المخطوطات المكتشفة حديثاً تجري مناقشته مع عدة دور نشر فرنسية، وهو حدث ينتظره المشهد الأدبي الفرنسي بتلهف.
«سيغير ذلك من معرفتنا بالفترة الأدبية الأولى من حياة سيلين تغييراً تاماً»، كما يقول الباحث السيد أليوت. «سنقرأ الحرب العالمية الأولى كما رواها سيلين - إنه لأمر مدهش».
بالنسبة للورثة، هناك ضغط للتوصل إلى نهاية للقضية. ستؤول أعمال سيلين للمجال العام خلال عشرة أعوام، ما يسمح لأي ناشر ببيعها دون أن يدفع شيئاً.
أحد مصادر القلق لدى الدارسين أن ورثة سيلين سيحاولون تنظيف تاريخه في معاداة السامية بالاحتفاظ بالأوراق بعيداً عن الجمهور.
السيدة دورافور، التي كانت فاعلة في حملة ناجحة عام 2018 لمنع إعادة نشر كراسات لسيلين معادية للسامية، أحد الذين يقلقهم الأمر.
تقول: «رغبتنا القوية هي أن يتاح الوصول الكامل إلى المخطوطات. ماذا سيفعلون لو وجدوا وثائق تؤثر على السمعة؟ لسنا متأكدين».
غير أن السيد غيبولت يقول إنه لن يخفى شيئاً. ويرى السيد برامي، صاحب المكتبة الذي درس سيلين، أن ماضي الكاتب السيئ معروف مسبقاً.
يقول: «إن نشرنا نصوصاً لسيلين معادية للسامية بين ما عثرنا عليه، فلا أظن أن ذلك سيغير سمعته بوصفه معادياً للسامية على أي نحو من الأنحاء. ذلك أمر متحقق».

* خدمة «نيويورك تايمز»



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.