أحداث ترتفع من المستوى الواقعي إلى الرمزي

القاص عبد جعفر يلعب على التقنية الفانتازية في مجموعته الجديدة

غلاف «أحزان المرايا ومسراتها»
غلاف «أحزان المرايا ومسراتها»
TT

أحداث ترتفع من المستوى الواقعي إلى الرمزي

غلاف «أحزان المرايا ومسراتها»
غلاف «أحزان المرايا ومسراتها»

صدرت عن دار «مدارك للنشر» في دبي المجموعة القصصية الثالثة للقاص والصحافي العراقي عبد جعفر المقيم في لندن حاليا. تضم المجموعة الجديدة التي تحمل عنوان «أحزان المرايا ومسرّاتها» 27 قصة قصيرة تتمحور على ثيمات متنوعة ومقاربات مختلفة ينطوي بعضها على عنصر المفاجأة الذي يُثري البنية السردية للنص القصصي، ويُوجّه مسارها في كثير من الأحيان صوب النهاية الفانتازية القائمة على إدهاش المتلقي وإثارة مخياله الذهني.
ورغم أنّ غالبية أحداث القصص تدور في بغداد وعدن ولندن فإن قصة «الذئب» تشكل استثناء وخروجا على هذا النسق المديني؛ فهي قصة قروية بامتياز، بل إن قسما كبيرا منها يجري في المضارب الصحراوية التي تقع عند تخوم القرية التي لم نعرف اسمها مثلما لم نعرف اسم الشخصيتين الرئيسيتين اللتين تقاسمتا البطولة مع الذئب الذي يفتك بأغنام الرعاة. تنطوي هذه القصة على بنية مُحكمة تتضح حبكتها السردية المتينة رويدا رويدا من خلال شخصية السارد الذي يرافق صاحبه في مغامرة البحث عن الذئب القابع في عمق الصحراء التي يستغرق الوصول إليها ساعة زمنية كاملة على ظهور الجياد المطهّمة. وحينما يكتشف رفيقهُ المغارة التي يختبئ فيها الذئب يجمع حطبا ويوقد نارا كي لا تقترب منهما بقية الذئاب، ثم يقرر في لحظة حاسمة أن يتمدد على الأرض ويندسّ في المغارة التي تشع فيها عينا الذئب مثل نجمتين لامعتين فيسمع الراوي صوتا خافتا وطقطقة عظام تشي بأمر جلل وحينما يسحبه خارج المغارة يكتشف أنّ رقبته تنضح بغزارة دما ساخنا لكن ما أرعبه أكثر هو غياب الرأس! تُرى، هل كان صاحبه بلا رأس أصلا؟
يلعب القاص عبد جعفر على التقنية الفانتازية بذكاء حينما ينقل الحدث من مستواه الواقعي إلى المستوى الرمزي الغامض أول الأمر ثم يرتقي به إلى المستوى العجائبي الذي يتماهى فيه الواقع بالحلم بحيث يصبح خرق المألوف تقنية معقولة تستجيب للإيهامات السردية التي تمرق في أذهاننا مثل لقطات سينمائية مضببة قد تكون مُستقاة من الحلم، لكنها يمكن أن تكون واقعية أو توهمنا بوجودها الواقعي في الأقل.
سيعود السارد مشيا على الأقدام لأن الحصانين جفلا وهربا وسط الليل البهيم بينما يحمل على كتفه جثة صاحبه المقطوعة الرأس ليلعب عليها لعبته الفنية التي تخلق في نهاية المطاف قصة ناجحة بكل المقاييس التي تُزاوج بين ما هو واقعي صادم وسريالي مذهل قد يصل إلى حدّ الإدهاش.
حينما يصل السارد إلى القرية ويطرح جثة صاحبه أمامهم يحتار الناس وينقسموا، فمنهم من قال: كان له رأس، ومنهم من نفى ذلك، لكن مدير مخفر الشرطة برّأ الذئب من دمه وقال إنه مات ميتة طبيعية «وربما كان له رأس لكننا سنحتفظ ببصمات أصابعه». أما الرأي الأغرب فقد أطلقه صاحب القطيع حينما قال: «ليس لراع رأس». كما اختلف بشأنه أهل القرى المجاورة رغم أنهم لم يروه من قبل!
وتعزيزا لأسطرة هذه الحادثة فقد قال الأهالي «إنهم رأوا ذئبا أبيضَ رأسه مثل رأس إنسان». وقال آخرون «إنهم رأوا رجلا يركض بين الحقول رأسه رأس ذئب». فيما قالت زوجته إن عواء الذئب يشبه صوت زوجها، ولما خرجت ابتسم لها ثم ولّى هاربا! ولكي تقطع شكّهم باليقين ختمت هذا النص القصصي الناجح بالقول: «لا أعرف إن كان يملك رأسا أم لا، ولكن كل ما أعرفه أني كنتُ أعلّق يشماغه كل ليلة خلف الباب!».
تعتمد قصة «طبيعة صامتة» على المضمون الفانتازي الذي تفاقم في نهاية النص الذي ابتدأ واقعيا ثم تخللته أحلام اليقظة ليتكثّف شيئا فشيئا قبل أن يصل إلى حدّ الفتنة والإبهار؛ فثمة عجوزان يجلسان متلاصقين في حديقة عامة قرب شارع أجور وسط لندن يستذكران قصة حبهما القديمة وفشلهما في الزواج؛ فلقد هرب منها ولم يتحمل مسؤولية الزواج رغم حبه المجنون لها الذي ظل يراهن عليه مهما تقادمت الأعوام. تكشف استذكارات العجوزين اللذين يتلقيان كل يوم تقريبا أن السلطة المستبدة قد سرقت منه «ضوء العينين» وأنّ السلطة ذاتها هي التي «سرقت أولادها في الحرب» كما خطفت الوطن لسنواتٍ طوالا. ومع ذلك فإن قصة الحب لم تمت، فها هو في خريف العمر يعرِض عليها الزواج ويضمّها بقوة إلى صدره ويعدها «أن يصنع لها من أوراق شجرة وردية قلادة ومن جذورها تذكارا للوفاء!».
يتفنن القاص عبد جعفر في رسمه لهذه النهاية المُتقنة التي تجعل النص القصصي برمته مثل فضاء مقفل لا يحتمل الحذف أو الإضافة أو التعديل؛ فلقد اكتفت القصة بمعطياتها الفانتازية التي تضع أي قارئ في دائرة الدهشة والذهول. وحينما التصقت به مُقوّضة آخر الحواجز بينهما «اشتبكا بعناق حار وسكنت أوراق الحديقة والهواء، وحركة العشب، ونقيق الضفادع، وزقزقة العصافير، وطالت أرجلهما لتصبح جذورا ونمت عليها أوراق عشق». لقد مهدّ القاص للتأثير السحري لعناق العجوزين الحار الذي أفضى إلى سكون الحديقة وأعشابها وأشجارها وعصافيرها، لكن اللحظة التنويرية تتمثل بالفعل العجائبي لأرجلهما التي طالت لتصبح جذورا تكسوها أوراق العشق الخالدة ليس في لوحة العناق الآني الحار وإنما ستنحفر في ذاكرة القارئ الذي يتماهى مع هذه اللعبة الفانتازية.
لا تقل قصة «النازل إلى الأعلى» نجاحا عن سابقتيها ولكن زخم الدهشة أقل لأنها قصة واقعية بامتياز تحكي عن انشغالات محمود اليومية وحماقاته المتواصلة وفشله في تحصيل الرزق الحلال، الأمر الذي حوّله إلى عالة على شقيقته وأبويه؛ فقد انهمك ذات مرة ببيع الخشب، وانهمك مرة أخرى في تربية طيور الحُب لكنه كان يفشل كعادته في كل مرة. وحينما تدهمه الجهات الأمنية وتقبض عليه نكتشف أن جاره «أبو عروبة» كان وراء التبليغ حيث أشبعوه ضربا وأمعنوا في تعذيبه، الأمر الذي دفعه للانتقام من جاره حيث غاب مدة من الزمن ثم عاد يحمل كيسا أبيض أثار هواجس شقيقته التي تعرف كل عرق نابض فيه. إثر مغادرة محمود مباشرة للعيش في مدينة أخرى سمع أهل الزقاق صرخات «أبو عروبة» المفزوع وهو ينادي: «الأفاعي! اقتلوا الأفاعي». كان «أبو عروبة» المذعور يقف وسط الزقاق المكتظ بالناس بملابسه الداخلية بينما كان الناس المذعورون أيضا يستمعون إلى جملته الاستفهامية الوحيدة التي يرددها: «لا أعرف من أين جاءت (الأفاعي)؟». وحدها شقيقة محمود هي التي عرفت كل شيء حينما رأت الكيس الأبيض الذي كان يحمله إثر تواريه عن الأنظار؛ فلقد أنجز وعده ونفذ حماقته الأخيرة تاركا لأهله رسالة يحذرهم فيها من مغبة البقاء في هذا الحي الذي لم يعد آمنا.
تُعتبر شخصية حسّان العاطل من الشخصيات المستلَبة التي لم تستطع أن تحرّك ساكنا. ولا غرابة في ذلك فهي في حضرة الرئيس الذي يعرف سطوته واستبداده كل من هبّ ودبّ في العراق. وحينما يسأله الرئيس عن اسمه الذي يعرفه سلفا وعن الشيء الذي سيقدّمه اليوم ينذهل حسان لأنه نسي القصيدة في ملابسه التي جاء بها من المنزل، لكنه يلتقط أنفاسه حينما يخبره الرئيس بأن عليه أن يقدّم شيئا آخر سيخبره به الحارس في الحال. ولكي تكون المفاجأة قوية وصادمة يسأله الحارس بضعة أسئلة من بينها: ماذا يفعل إذا رأى العدو؟ فيجيبه في الحال: «سأحطّم رأسه». وهل قتلت أحدا من قبل؟ لا يحظى السائل بجواب فيخبره بأنه سيفعلها الآن حيث يناوله الكلاشنيكوف ويأمره بأن يُطلق النار على شبح شخص معصوب العينين وحينما يراه الرئيس يبتسم له مخاطبا الجميع: «حسان هذا تميّز عنكم جميعا تعرفون لماذا؟ لأنه كتب قصيدته بالدم». ثم يسترسل موضحا: «لقد قطع الإصبع العائب في عائلته». عند ذلك نُدرك أنه قتل شقيقه الصغير وقد أسقط الحاضرين جميعا في دائرة المفاجأة والذهول.
نخلص إلى القول بأن كل القصص السريالية التي انطوت على عناصر المفاجأة والدهشة والذهول كانت قصصا ناجحة ليس في بنائها الفني فحسب، بل في تطور أحداثها، ونمو شخصياتها، وجمال نهاياتها التنويرية التي تستقر في أذهان المتلقين. أما القصص الأخرى ذات المناخات الواقعية فقد ظلت محتفظة بشحناتها السردية التي لم تجتز الأنساق التقليدية المتعارف عليها كي تندغم في فضاءات السرد العجائبي.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة