محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

الروائي المصري يرى أن الكتابة عملية اكتشاف

محمود الورداني
محمود الورداني
TT

محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

محمود الورداني
محمود الورداني

خمسون عاماً من الكتابة ومكابداتها في تجربة الروائي محمود الورداني، أحد أبرز كتاب جيل السبعينيات في مصر، الذي أصدر عدداً من الأعمال الروائية والقصصية ومنها «رائحة البرتقال» و«بيت النار» و«الإمساك بالقمر». كما ينتظر صدور روايته الجديدة «ساعات الأسر».
ويعتز الورداني بجيله الذي تحمل عبء هزيمة 1967. ويرى أن كتاباته لا تنفصل عن هموم هذا الجيل، كما يعتز أيضاً بمهن متواضعة عمل بها مثل «صبي مكوجي» و«بائع ثلج».
هنا حوار معه حول عالمه الروائي ورحلته مع الكتابة:

> ألم تتخوف من فكرة الخضوع لذائقة جمعية حين دعوت أصدقاءك على «فيسبوك» لمشاركتك اختيار عنوان روايتك الجديدة «ساعات الأسر»؟
- لدي دائما صعوبة في الاستقرار على عناوين كتبي، وكنت ألجأ لأصدقائي المباشرين قبل أن ألج عالم التواصل الاجتماعي. ربما تكون الشيخوخة سببا في اللجوء لأمر كهذا، لكن آراء أصدقائي - رغم احترامي لها - ليست ملزمة، وأنظر إليها بتجرد قدر الإمكان.
> ما الإضافة الجديدة من وجهك نظرك التي تحملها «ساعات الأسر» في سياق تجربتك الإبداعية؟
- كل ما كتبته لا أعتقد أنه يشكل إضافة ما، ولا أظن أن الإضافة كانت تعنيني مطلقا، ما يعنيني هو الكتابة ذاتها. لا أكتب من أجل أن أضيف شيئا أو فكرة أو موقفا أو رأيا محددا. الكتابة هي عملية اكتشاف، ولو كنت أكتب من أجل أن أضيف لما كتبت شيئا. قبل الكتابة لا تكون الأمور واضحة... لا الشخصيات ولا ملامح الواقع ولا إلى أين تمضي الأحداث. حسب تجربتي، أنطلق من إحساس ما غامض. من عالم أو حكاية أو تصور أو معنى ما غير محدد، والمنتج النهائي هو عملية اختبار كل هذا واستكماله من خلال الكتابة. في أحيان كثيرة كان لدي تصور ما في رواية مثل «رائحة البرتقال» لرحلة الرجل الذي يحمل الطفلة ويدور بها في ليلة مخيفة باحثا عن أمها وحبيبته، وقبل أن يحمل الرجل الطفلة من مهدها، كنت حائرا: كيف تمضي الرواية، ولكن عندما حملها وتسلل بها من مطارديه، مضيت أنا خلفهما وتتبعتهما تقريبا في رحلة كنت أكتشفها عبر الكتابة ذاتها. أما في رواية مثل «الروض العاطر» فقد انطلقت من قصة قصيرة لي، أحسست بعد نشرها أنها جزء أو تفصيلة من عمل أكبر، فمضيت في الكتابة لأختبرها.
> ينظر عادة لإقدام المبدع على تدوين سيرته الذاتية على أنها بمثابة الوصول لمحطة النهاية في رحلته الإبداعية، في أي سياق تضع عملك «الإمساك بالقمر – فصول من سيرة زمننا»؟
- الكتاب ليس سيرة ذاتية، بقدر ما هو سيرة أيامنا وزماننا نحن أبناء سبعينيات القرن الماضي، ويتناول الفترة من عام 1968 عندما نشرت أول قصة لي وأنا في الثامنة عشرة وحتى شتاء عام 1981 عندما ألقي القبض علي أنا وزوجتي، واعتبرت أن الفترة التالية تشكل مرحلة مختلفة. الكتاب إذن قصة تشكل هذه الموجة وهمومها وتساؤلاتها في أعقاب واحدة من أقسى الهزائم التي تعرضت لها بلادنا عام 1967. هي أيضاً قصة مقاهينا وأماكن تجمعنا وبيوتنا وبحثنا وكتاباتنا الأولى. كيف انتزعنا استقلالنا عن الأجهزة الرسمية التي سلمنا بفشلها، وكيف أصدرنا في هذا السياق كتاباتنا الأولى، كما خضنا العديد من تجارب النشر والعمل الثقافي.
وفي الوقت نفسه شارك أبناء هذه الموجة في الحركة السياسية النشطة، سواء في الجامعات أو في المنظمات اليسارية غير العلنية. وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات حراكا سياسيا وفكريا واجتماعيا على كل المستويات، كما شهد تشكل تيارات واتجاهات جديدة في الأدب والفن، وصدرت عشرات الأعمال الأدبية المختلفة مع السائد. كذلك تعرض أبناء هذا الجيل للاعتقال والتشريد والنفي.
> بدا للبعض أن العنوان الفرعي «فصول من سيرة زمننا» هو رغبة منك في الهروب من أشباح السيرة الذاتية التي تتطلب أكبر قدر من الصراحة وتعرية الذات؟
- ليس هناك هروب من الحديث عن سيرتي الذاتية لأنني لم أقصد كتابتها، بل قصدت سيرتنا نحن أبناء هذه الموجة. «الإمساك بالقمر» عمل يرصد تلك السنوات التي شعر فيها أبناء السبعينيات أنهم يمسكون بالقمر ولا أقل، وهي الفترة التي شغل أغلبها أنور السادات منصب الرئاسة، وكان معروفا بكراهيته شبه الشخصية للمثقفين والكتّاب المستقلين، وتوالت الصدامات بينه وبيننا.
> عملت في حرف ومهن عديدة في سنوات صباك: «صبي مكوجي» و«بائع ثلج» و«عامل مطبعة»... إلى أي حد تركت تلك التجربة بصمتها على عالمك الإبداعي؟
- لقد تشرفت بالعمل في تلك المهن وغيرها، فأنا أنتمي لأسرة فقيرة جدا، ولدت ونشأت في حي شبرا، واعتدت أن أعمل في فترة الإجازة الصيفية مستغلا عطلة المدرسة لأوفر القليل. لم أشعر وأنا منخرط في هذه المهن بالغبن أو الظلم أو الحاجة، بل كنت فرحا تقريبا وأنا أجر عربة الثلج وأدور بها في شهور الصيف لأوزع الثلج على البيوت والمقاهي. أو وأنا أحمل ملابس السادة المكوية إلى بيوتهم، أو أدفع بكر الورق وأنقل صفوف الكتب في المطبعة، أو أعمل «كاشير» في محل عصير قصب وغيرها. مارست تلك المهن بلا ميلودراما، بل بجدية واهتمام. بالتأكيد تأثرت بها واستلهمت منها بعض تجاربي في الكتابة وخصوصاً في رواية «بيت النار» ومجموعة «السير في الحديقة ليلا» وغيرهما، لكن الأهم أنها شكلتني وأستمد منها ما أظنه صلابتي وقدرتي على الاحتمال.
> تعرضت للاعتقال في بداية السبعينيات بسبب نشاطك في الحركات السياسية اليسارية، ترى ما الذي يبقى من تلك التجربة الآن؟
- الحقيقة أنني لم أتعرض وحدي لتلك التجربة، بل أغلب أبناء السبعينيات دفعوا ثمن اختياراتهم ودفاعهم عن الحرية والعدل والديمقراطية. زاملت في السجن لأكثر من مرة العديد من زملائي من الكتّاب والفنانين ممن لفقت لهم قضايا للزج بهم في السجون، بسبب نشاطهم السياسي ودفاعهم عن حرية التعبير وحق التنظيم المستقل ورفض الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمها النظام مع إسرائيل آنذاك، فضلا عن رفض السيطرة الأميركية. تلك هي العناوين العريضة التي كنت وزملائي نتعرض بسببها للاعتقال، وكان أغلبنا يخرج بعد شهور لعدم ثبوت أدلة على استعمالنا للعنف، وما نلبث أن نعتقل مرة أخرى تحت نفس التهم الجاهزة، فنقضي عدة أشهر وهكذا، وذلك لنبقى في الدائرة الشريرة من التشريد والفصل من أعمالنا وإيذاء عائلاتنا.
وبطبيعة الحال ليس من الضروري أن نكون حققنا ما طالبنا به، لكن من المؤكد أننا حققنا الكثير. أستطيع أن أقول إنني تشرفت أيضاً بتعرضي للاعتقال، وتشرفت بدفع الثمن، ليس على سبيل التضحية والبطولة والفداء، بل ببساطة من أجل حقنا في ممارسة دورنا ككتّاب وكمشتغلين بالعمل العام ومواطنين في بلدنا. لقد عاصرنا أعنف الإجراءات والقرارات والتغييرات في اتجاه العدوان على الحرية والعدل، ولم يكن أمامنا إلا المواجهة المباشرة مهما كان الثمن الذي دفعناه. وغني عن البيان أنني استفدت من تلك التجربة على المستوى الأدبي في عدد من التجارب الروائية، سواء في مجموعة قصصية مثل «النجوم العالية»، أو رواية مثل «أوان القطاف» أو «موسيقى المول» وغيرها.
> لماذا تراجع برأيك دور اليسار ثقافيا في العالم العربي لصالح التيارات المتطرفة دينيا؟
- التراجع الثقافي والسياسي أيضاً لم يكن مسؤولية اليسار وحده، فقد تحالفت أغلب النظم العربية مع قوى التطرف الديني، وليس سرا على سبيل المثال أن أنور السادات قام بالإفراج عن الإخوان المسلمين وفتح المجال أمام الجماعة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي لمواجهة النشاط اليساري والناصري المناوئ لسياساته، وقد وصل الأمر إلى حد عقد الصفقات المباشرة. وليس سرا أيضاً أن أغلب النظم العربية اعتبرت أن قوى اليسار في السياسة والثقافة هي العدو الأساسي لها، ولم تكتف بتكميم الأفواه وتغييب الديمقراطية وفتح المجال واسعا لقوى التطرف الديني، بل قامت أيضاً بفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصراعيها لليساريين والديمقراطيين.
ليس معنى هذا أن اليسار لم يرتكب أخطاء، وكانت بعض فصائله تنتهج أساليب بالغة التطرف، وأبعدتهم ممارساتهم عن التأثير في مجتمعاتهم، ويبقى أن المسؤول الأول والرئيس عن التراجع المخيف وسيطرة قوى التطرف الديني التي أنتجت من بين ما أنتجت تنظيما دمويا مخيفا مثل داعش، هو بعض النظم العربية.
> قناعاتك السياسية والآيديولوجية هل أثرت سلبا أم إيجابا على نصوصك الأدبية أم أعطت عمقا لرؤيتك الفنية؟
- قناعاتي السياسية والآيديولوجية هي باختصار أنا ككاتب في المحل الأول، ولست ممن يصدقون أن هناك كاتبا بلا آيديولوجية، بل إن إنكار البعض لدور القناعة السياسية والآيديولوجية للكاتب هو في حد ذاته آيديولوجية. لا أظن مطلقا أن يعيش الكاتب وينتج بمعزل عن قضايا عصره وزمانه، أو يخفي مواقفه السياسية، أو يتخلى عن دوره في الدفاع عن الحرية والعدل. بالطبع ليس معنى هذا أن يكون الكاتب بوقا لأي أفكار مهما كانت صحيحة وشريفة من وجهة نظره. وليس معنى هذا أن تكون الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية مجرد أفكار.
اسمحي لي أن أتحدث هنا عن نفسي، فمواقفي السياسية وأفكاري معلنة ومعروفة منذ عدة عقود، كما أنني كتبت عدداً لا بأس به من الأعمال الأدبية، وكتبت في التاريخ أيضاً، ولا أظن أنني تخليت عن المغامرة والتجديد. أظن أنني لم أكتب الواقع أبدا... كتبت الرواية والقصة القصيرة، ومهما تأثرت هذه الأعمال بالواقع واعتمدت على مادته، إلا أنها لها استقلالها وفرادتها.
> خمسون عاما من الإبداع... ما الذي تنظر إليه بغضب حين تستحضر نصف قرن من التجارب في الثقافة والحياة؟
- أظن أنني عشت كما أحببت أن أعيش تقريبا. أنا سعيد بالاستغناء والامتلاء الذي أشعر به، خصوصاً أنني على المستوى الشخصي لم أضطر للمواءمات والتزام خطوط حمراء والحرص على الظهور والتواجد. وإذا كنت عجزت عن كتابة كل ما هفوت إليه، فإنني ما زلت حتى الآن، بعد أن تجاوزت السبعين أتطلع لمزيد من الكتابة. إنني أنظر ورائي برضى على وجه الإجمال وليس بغضب.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.