محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

الروائي المصري يرى أن الكتابة عملية اكتشاف

محمود الورداني
محمود الورداني
TT

محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

محمود الورداني
محمود الورداني

خمسون عاماً من الكتابة ومكابداتها في تجربة الروائي محمود الورداني، أحد أبرز كتاب جيل السبعينيات في مصر، الذي أصدر عدداً من الأعمال الروائية والقصصية ومنها «رائحة البرتقال» و«بيت النار» و«الإمساك بالقمر». كما ينتظر صدور روايته الجديدة «ساعات الأسر».
ويعتز الورداني بجيله الذي تحمل عبء هزيمة 1967. ويرى أن كتاباته لا تنفصل عن هموم هذا الجيل، كما يعتز أيضاً بمهن متواضعة عمل بها مثل «صبي مكوجي» و«بائع ثلج».
هنا حوار معه حول عالمه الروائي ورحلته مع الكتابة:

> ألم تتخوف من فكرة الخضوع لذائقة جمعية حين دعوت أصدقاءك على «فيسبوك» لمشاركتك اختيار عنوان روايتك الجديدة «ساعات الأسر»؟
- لدي دائما صعوبة في الاستقرار على عناوين كتبي، وكنت ألجأ لأصدقائي المباشرين قبل أن ألج عالم التواصل الاجتماعي. ربما تكون الشيخوخة سببا في اللجوء لأمر كهذا، لكن آراء أصدقائي - رغم احترامي لها - ليست ملزمة، وأنظر إليها بتجرد قدر الإمكان.
> ما الإضافة الجديدة من وجهك نظرك التي تحملها «ساعات الأسر» في سياق تجربتك الإبداعية؟
- كل ما كتبته لا أعتقد أنه يشكل إضافة ما، ولا أظن أن الإضافة كانت تعنيني مطلقا، ما يعنيني هو الكتابة ذاتها. لا أكتب من أجل أن أضيف شيئا أو فكرة أو موقفا أو رأيا محددا. الكتابة هي عملية اكتشاف، ولو كنت أكتب من أجل أن أضيف لما كتبت شيئا. قبل الكتابة لا تكون الأمور واضحة... لا الشخصيات ولا ملامح الواقع ولا إلى أين تمضي الأحداث. حسب تجربتي، أنطلق من إحساس ما غامض. من عالم أو حكاية أو تصور أو معنى ما غير محدد، والمنتج النهائي هو عملية اختبار كل هذا واستكماله من خلال الكتابة. في أحيان كثيرة كان لدي تصور ما في رواية مثل «رائحة البرتقال» لرحلة الرجل الذي يحمل الطفلة ويدور بها في ليلة مخيفة باحثا عن أمها وحبيبته، وقبل أن يحمل الرجل الطفلة من مهدها، كنت حائرا: كيف تمضي الرواية، ولكن عندما حملها وتسلل بها من مطارديه، مضيت أنا خلفهما وتتبعتهما تقريبا في رحلة كنت أكتشفها عبر الكتابة ذاتها. أما في رواية مثل «الروض العاطر» فقد انطلقت من قصة قصيرة لي، أحسست بعد نشرها أنها جزء أو تفصيلة من عمل أكبر، فمضيت في الكتابة لأختبرها.
> ينظر عادة لإقدام المبدع على تدوين سيرته الذاتية على أنها بمثابة الوصول لمحطة النهاية في رحلته الإبداعية، في أي سياق تضع عملك «الإمساك بالقمر – فصول من سيرة زمننا»؟
- الكتاب ليس سيرة ذاتية، بقدر ما هو سيرة أيامنا وزماننا نحن أبناء سبعينيات القرن الماضي، ويتناول الفترة من عام 1968 عندما نشرت أول قصة لي وأنا في الثامنة عشرة وحتى شتاء عام 1981 عندما ألقي القبض علي أنا وزوجتي، واعتبرت أن الفترة التالية تشكل مرحلة مختلفة. الكتاب إذن قصة تشكل هذه الموجة وهمومها وتساؤلاتها في أعقاب واحدة من أقسى الهزائم التي تعرضت لها بلادنا عام 1967. هي أيضاً قصة مقاهينا وأماكن تجمعنا وبيوتنا وبحثنا وكتاباتنا الأولى. كيف انتزعنا استقلالنا عن الأجهزة الرسمية التي سلمنا بفشلها، وكيف أصدرنا في هذا السياق كتاباتنا الأولى، كما خضنا العديد من تجارب النشر والعمل الثقافي.
وفي الوقت نفسه شارك أبناء هذه الموجة في الحركة السياسية النشطة، سواء في الجامعات أو في المنظمات اليسارية غير العلنية. وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات حراكا سياسيا وفكريا واجتماعيا على كل المستويات، كما شهد تشكل تيارات واتجاهات جديدة في الأدب والفن، وصدرت عشرات الأعمال الأدبية المختلفة مع السائد. كذلك تعرض أبناء هذا الجيل للاعتقال والتشريد والنفي.
> بدا للبعض أن العنوان الفرعي «فصول من سيرة زمننا» هو رغبة منك في الهروب من أشباح السيرة الذاتية التي تتطلب أكبر قدر من الصراحة وتعرية الذات؟
- ليس هناك هروب من الحديث عن سيرتي الذاتية لأنني لم أقصد كتابتها، بل قصدت سيرتنا نحن أبناء هذه الموجة. «الإمساك بالقمر» عمل يرصد تلك السنوات التي شعر فيها أبناء السبعينيات أنهم يمسكون بالقمر ولا أقل، وهي الفترة التي شغل أغلبها أنور السادات منصب الرئاسة، وكان معروفا بكراهيته شبه الشخصية للمثقفين والكتّاب المستقلين، وتوالت الصدامات بينه وبيننا.
> عملت في حرف ومهن عديدة في سنوات صباك: «صبي مكوجي» و«بائع ثلج» و«عامل مطبعة»... إلى أي حد تركت تلك التجربة بصمتها على عالمك الإبداعي؟
- لقد تشرفت بالعمل في تلك المهن وغيرها، فأنا أنتمي لأسرة فقيرة جدا، ولدت ونشأت في حي شبرا، واعتدت أن أعمل في فترة الإجازة الصيفية مستغلا عطلة المدرسة لأوفر القليل. لم أشعر وأنا منخرط في هذه المهن بالغبن أو الظلم أو الحاجة، بل كنت فرحا تقريبا وأنا أجر عربة الثلج وأدور بها في شهور الصيف لأوزع الثلج على البيوت والمقاهي. أو وأنا أحمل ملابس السادة المكوية إلى بيوتهم، أو أدفع بكر الورق وأنقل صفوف الكتب في المطبعة، أو أعمل «كاشير» في محل عصير قصب وغيرها. مارست تلك المهن بلا ميلودراما، بل بجدية واهتمام. بالتأكيد تأثرت بها واستلهمت منها بعض تجاربي في الكتابة وخصوصاً في رواية «بيت النار» ومجموعة «السير في الحديقة ليلا» وغيرهما، لكن الأهم أنها شكلتني وأستمد منها ما أظنه صلابتي وقدرتي على الاحتمال.
> تعرضت للاعتقال في بداية السبعينيات بسبب نشاطك في الحركات السياسية اليسارية، ترى ما الذي يبقى من تلك التجربة الآن؟
- الحقيقة أنني لم أتعرض وحدي لتلك التجربة، بل أغلب أبناء السبعينيات دفعوا ثمن اختياراتهم ودفاعهم عن الحرية والعدل والديمقراطية. زاملت في السجن لأكثر من مرة العديد من زملائي من الكتّاب والفنانين ممن لفقت لهم قضايا للزج بهم في السجون، بسبب نشاطهم السياسي ودفاعهم عن حرية التعبير وحق التنظيم المستقل ورفض الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمها النظام مع إسرائيل آنذاك، فضلا عن رفض السيطرة الأميركية. تلك هي العناوين العريضة التي كنت وزملائي نتعرض بسببها للاعتقال، وكان أغلبنا يخرج بعد شهور لعدم ثبوت أدلة على استعمالنا للعنف، وما نلبث أن نعتقل مرة أخرى تحت نفس التهم الجاهزة، فنقضي عدة أشهر وهكذا، وذلك لنبقى في الدائرة الشريرة من التشريد والفصل من أعمالنا وإيذاء عائلاتنا.
وبطبيعة الحال ليس من الضروري أن نكون حققنا ما طالبنا به، لكن من المؤكد أننا حققنا الكثير. أستطيع أن أقول إنني تشرفت أيضاً بتعرضي للاعتقال، وتشرفت بدفع الثمن، ليس على سبيل التضحية والبطولة والفداء، بل ببساطة من أجل حقنا في ممارسة دورنا ككتّاب وكمشتغلين بالعمل العام ومواطنين في بلدنا. لقد عاصرنا أعنف الإجراءات والقرارات والتغييرات في اتجاه العدوان على الحرية والعدل، ولم يكن أمامنا إلا المواجهة المباشرة مهما كان الثمن الذي دفعناه. وغني عن البيان أنني استفدت من تلك التجربة على المستوى الأدبي في عدد من التجارب الروائية، سواء في مجموعة قصصية مثل «النجوم العالية»، أو رواية مثل «أوان القطاف» أو «موسيقى المول» وغيرها.
> لماذا تراجع برأيك دور اليسار ثقافيا في العالم العربي لصالح التيارات المتطرفة دينيا؟
- التراجع الثقافي والسياسي أيضاً لم يكن مسؤولية اليسار وحده، فقد تحالفت أغلب النظم العربية مع قوى التطرف الديني، وليس سرا على سبيل المثال أن أنور السادات قام بالإفراج عن الإخوان المسلمين وفتح المجال أمام الجماعة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي لمواجهة النشاط اليساري والناصري المناوئ لسياساته، وقد وصل الأمر إلى حد عقد الصفقات المباشرة. وليس سرا أيضاً أن أغلب النظم العربية اعتبرت أن قوى اليسار في السياسة والثقافة هي العدو الأساسي لها، ولم تكتف بتكميم الأفواه وتغييب الديمقراطية وفتح المجال واسعا لقوى التطرف الديني، بل قامت أيضاً بفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصراعيها لليساريين والديمقراطيين.
ليس معنى هذا أن اليسار لم يرتكب أخطاء، وكانت بعض فصائله تنتهج أساليب بالغة التطرف، وأبعدتهم ممارساتهم عن التأثير في مجتمعاتهم، ويبقى أن المسؤول الأول والرئيس عن التراجع المخيف وسيطرة قوى التطرف الديني التي أنتجت من بين ما أنتجت تنظيما دمويا مخيفا مثل داعش، هو بعض النظم العربية.
> قناعاتك السياسية والآيديولوجية هل أثرت سلبا أم إيجابا على نصوصك الأدبية أم أعطت عمقا لرؤيتك الفنية؟
- قناعاتي السياسية والآيديولوجية هي باختصار أنا ككاتب في المحل الأول، ولست ممن يصدقون أن هناك كاتبا بلا آيديولوجية، بل إن إنكار البعض لدور القناعة السياسية والآيديولوجية للكاتب هو في حد ذاته آيديولوجية. لا أظن مطلقا أن يعيش الكاتب وينتج بمعزل عن قضايا عصره وزمانه، أو يخفي مواقفه السياسية، أو يتخلى عن دوره في الدفاع عن الحرية والعدل. بالطبع ليس معنى هذا أن يكون الكاتب بوقا لأي أفكار مهما كانت صحيحة وشريفة من وجهة نظره. وليس معنى هذا أن تكون الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية مجرد أفكار.
اسمحي لي أن أتحدث هنا عن نفسي، فمواقفي السياسية وأفكاري معلنة ومعروفة منذ عدة عقود، كما أنني كتبت عدداً لا بأس به من الأعمال الأدبية، وكتبت في التاريخ أيضاً، ولا أظن أنني تخليت عن المغامرة والتجديد. أظن أنني لم أكتب الواقع أبدا... كتبت الرواية والقصة القصيرة، ومهما تأثرت هذه الأعمال بالواقع واعتمدت على مادته، إلا أنها لها استقلالها وفرادتها.
> خمسون عاما من الإبداع... ما الذي تنظر إليه بغضب حين تستحضر نصف قرن من التجارب في الثقافة والحياة؟
- أظن أنني عشت كما أحببت أن أعيش تقريبا. أنا سعيد بالاستغناء والامتلاء الذي أشعر به، خصوصاً أنني على المستوى الشخصي لم أضطر للمواءمات والتزام خطوط حمراء والحرص على الظهور والتواجد. وإذا كنت عجزت عن كتابة كل ما هفوت إليه، فإنني ما زلت حتى الآن، بعد أن تجاوزت السبعين أتطلع لمزيد من الكتابة. إنني أنظر ورائي برضى على وجه الإجمال وليس بغضب.



مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري
TT

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك / تركت ورداتي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعراً ورواية ومقالات ونصوصاً مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى».

في تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر العماني مبارك العامري (1959 - 2020)، الصادرة عن دار «منشورات كلمات» ببغداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر العامري واستعاد مع سيرته بهاء الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب في تجربة مبدع اختطفه الموت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟!

«هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف، مع ما تيسر من الأحلام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها».

ويلاحظ الرحبي أنه رغم كل هذا الخضم المأساوي للفراق والبين، جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكّر أحبته وأبناءه الأوفياء والأصدقاء مجتمعين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود.

ليست هناك نبرة بوح وشكوى، انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ، خاصة أن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع كانت لا تزال في منتصفها، رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايراً لما كان سائداً ومستقراً.

أخذ على عاتقه التجديد والتجريب في روح القصيدة وبنيتها ولغتها، وجاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شديدة والعداء عنيفاً لكل ما هو جديد وتجريبي.

وكان العامري من هذه القلة المبدعة، التي لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف عن السائد في الأدب، فقد شاء له التاريخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشعار التي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصيناً وترويعاً كي لا تُمس.

وعن الجانب الإنساني في حياة الشاعر الراحل، يرى الرحبي أن العامري كان يميل إلى العزلة والانتقائية في علاقاته الشخصية، فالرهافة والصدق لا ينسجمان مع الحشد والقطيع الذي يتطلب كثيراً من التنازل وإجبار الذات على محو الصفات الفردية التي تشكل تميز المبدع وجوهر وجوده وكتابته، خاصة في مجتمعاتنا التي ترى في توسل الفردية والعزلة عرضاً مرضياً يتطلب القدح والإدانة.

كما كان على حزنه وألمه العميقين، محباً للحياة ولأسرته التي أولاها جلّ حبّه واهتمامه كجزء من حبه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد.

ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعراً عمانياً تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحاً أو تضميناً أو تورية أو اغترافاً من تشبيهاتها واستعاراتها ومغذياتها جميعها في تفاعل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري.

يستحضر العامري الحب ويمارسه في مدى نفسي وفلسفي يتفوق على الحسي، الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته التي بلا حدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية في الحياة الشخصية والعامة، فإن كان الجسد منهكاً والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها.

تقع الأعمال الكاملة لمبارك العامري في 536 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 4 دواوين، هي «بسالة الغرقى» و«مرايا تستنطق الغيم» و«رجع النواقيس» و«شرفة خضراء»، بالإضافة إلى 4 نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي «رؤى الأمس» و«معين بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة».

ويمكن القول إجمالاً إن العالم الشعري للعامري يندرج ضمن تجربة الجيل الذي أسهم في ترسيخ قصيدة النثر في سلطنة عُمان منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بين الحس الفلسفي والبعد الإنساني واللغة المكثفة، مع انفتاح واضح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي.

في ديوان «بسالة الغرقى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جزءاً من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أما في «مرايا تستنطق الغيم» فينتقل العامري من التأمل الوجودي إلى مساءلة الواقع الثقافي والسياسي العربي، متوقفاً عند أزمات الهوية والتحولات الحضارية، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة.

وفي «رجع النواقيس» يخوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دوراً أكبر من السرد الشعري التقليدي.

ويبلغ المشروع الشعري ذروة رقته في «شرفة خضراء»، وهو آخر دواوينه، حيث تغلب على النصوص مفردات الطبيعة والطفولة والأحلام والاخضرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسياباً أكبر وحرية في التلقي... مثلما يقول في قصيدة «مأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»:

«نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تبارك الخراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتوغل عميقاً في اللجة / هي هناك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل».

يتفق النقاد على أن العامري استطاع بناء لغة شعرية تجمع بين البساطة والعمق، بعيداً عن الغموض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والتعجب، بما يخلق حالة من الدهشة ويفتح النص على احتمالات متعددة للتأويل، ما منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية.

يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش


كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟
TT

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظاً بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.

ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة.

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جداً عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحباً لتجريب أشكال أكثر تعقيداً من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيداً للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر.

ويكشف هذا الفصل أيضاً عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي «المدة» و«الحذف» السرديين، إلى رولان بارت في فكرة «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنساً سردياً يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين قصيرتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة... تحكي»، تليهما دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد... قراءة في رواية (جسور متداعية)»، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد موضوعاً لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

في مقدمته، يوضح التميمي أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهاً إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للكتاب جاء من قناعة ترى أن هذه التجربة تمثل نموذجاً جديراً بالدراسة في السرد العربي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.

ويقول التميمي في مقدمته إن الكتاب لا يدّعي الإحاطة بكل جوانب هذه التجربة، بل يقدّم قراءة ممكنة تنفتح على قراءات أخرى، ويطمح إلى الإسهام في إغناء النقاش حول السرد العربي المعاصر وحول الأجناس الأدبية وحدودها وتحولاتها؛ آملاً أن يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة التجارب السردية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام نقدي رغم ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية ومعرفية.


ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي
TT

ذكريات مكسيم غوركي عن معاصريه من الأدباء الروس

غوركي
غوركي

يمثل الروائي والكاتب المسرحي الروسي مكسيم غوركي (1868- 1936) حلقة وصل بين عهدين من تاريخ الأدب الروسي: العهد القيصري الذي كتب في ظله عمالقة من أمثال تولستوي ودوستويفسكي وتورجنيف وتشيخوف، والعهد السوفياتي عقب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1917 الاشتراكية، وأدبائه عبر السنين من أمثال مايا كوفسكي وشولوخوف ويفتشنكو. ورغم أن غوركي كان منحازاً إلى هذا العهد التالي، بل كان أكبر ممثلى «الواقعية الاشتراكية» - المذهب الأدبي الرسمي للدولة الشيوعية - وأول رئيس لاتحاد الكتاب السوفيات في 1934 وحائزاً على رضا الديكتاتور ستالين، فقد كان أوسع أفقاً من أغلب معاصريه الشيوعيين، فهو منفتح على الآداب الغربية، قارئ جيد للتراث الإنسانى، وغير ناكر لفضل الجيل العظيم الذي سبقه. تشهد بهذا كتاباته النقدية وذكرياته عن أدباء ذلك الجيل، ومنها الكتاب الذي نتوقف عنده هنا «ذكريات عن تولستوي وتشيخوف وأندريف» (Reminiscences of Tolstoy, Chekhov and Andreyev).

تشيخوف

وقد صدرت له ترجمة، من اللغة الروسية إلى اللغة الإنجليزية، بقلم بريان كارتنك (Brian Karetnyk) في سبتمبر (أيلول) 2025 عن دار فيتزكارالدو للنشر في قرابة 200 صفحة (سبق أن ترجم الكاتب المسرحي المصري ألفريد فرج بعض هذه الكتابات إلى اللغة العربية، كما ترجم الناقد فؤاد دوارة مختارات من مقالات غوركي النقدية، منها مقالة موضوعها «الانحلاليون» أي الشعراء الفرنسيون البوهيميون في أواخر القرن التاسع عشر، مثل أرتور رامبو وبول فرلين).

أهم هذه الكتابات مقالة غوركي في 1919 عن تولستوي. وكان غوركي -الذي فقد أباه في سن الحادية عشرة- يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز مؤلف الروائع «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا». كان غوركي في صباه وشبابه وقد عرك الحياة عصامياً علّم نفسه بنفسه وكان عاملاً مكافحاً اشتغل صبي حرفة لدى إسكافي وفي مطبخ سفينة تعبر نهر الفولغا ثم خبازاً في قازان. وحين قدّم المخرج ستانسلافسكي مسرحية غوركي «الحضيض» أو «الأعماق السفلى» على مسرح الفن في موسكو عام 1902 بدأ غوركي يجذب الأنظار، لا في روسيا وحدها، وإنما في أوروبا أيضاً. وما لبث تشيخوف أن قدّمه باعتباره كاتباً واعداً إلى تولستوي، فكان غوركي يحج إلى بيت الأستاذ في ياسنايا بولينا أو في القرم.

تولستوي

وبعد عامين من نشر مقالته عن تولستوي، انتقل غوركي إلى جزيرة كابري في إيطاليا. وفي العقد الخامس من عمره بدأ يسجل ذكرياته عن الأدباء الذين عرفهم قبل قيام ثورة 1917. وكما يقول آدم ثرويل في مراجعة للكتاب في «لندن رفيو أوف بوكس» (25 يونيو / حزيران 2026) كانت هذه الذكريات سجلاً لماضٍ بطولي، خاصة أنها تصدر بعد أن رحل تولستوي وتشيخوف عن الدنيا.

لم يكن غوركي يغفل تسجيل أي مشهد أو محادثة مهما كانت بسيطة حتى تافهة. فهو يذكر مثلاً أن تولستوي أثنى على أقصوصة تشيخوف المسماة «العزيزة» في حضور مؤلفها: «ذات يوم كان تشيخوف يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، يجلس وعلى وجنتيه بقع حمراء ورأسه مائل إلى الأمام، ينظف منظاره المثبت على الأنف مدققاً. لم يقل شيئاً لبرهة، وأخيراً وهو يتنهد، قال بهدوء محرجاً: إن فيها أخطاء طباعية.. قصة بسيطة ولكنها تلقي الضوء على جانب مهم من شخصية تشيخوف، هو الإنسان الدمث المتواضع الذي لا يفخر بمنجزاته، وإن كانت منجزات رائعة قل أن يصل إليها غيره».

وكانت المودة متبادلة بين تولستوي وتشيخوف. لصلاح عبد الصبور مقالة عنوانها «عدو التفاهة» في كتابه «مدينة العشق والحكمة»، يقول فيها عن تشيخوف: «عندما يتحدث عن تولستوي تسبح على عينيه ابتسامة شاحبة رقيقة وخجولة معاً، وينخفض صوته كأنه يتحدث عن شيء قابل للكسر... شيء ينبغي أن يتناوله الإنسان في حرص وفي حب».

وموقف غوركي من تولستوي يلخصه قوله: «لن أكون يتيماً ما ظلّ هذا الرجل يعيش على ظهر الأرض». أبوة روحية رغم الفارق الطبقي الكبير بين تولستوي النبيل الأرستقراطي وغوركي البروليتاري القادم من أسفل السلم الاجتماعي.

وتكشف محادثات غوركي مع تولستوي عن آراء هذا الأخير في عدد من الأدباء. يقول مثلاً: «إن للفرنسيين 3 كتّاب: ستندال وبلزاك وفلوبير. هناك أيضاً موباسان بطبيعة الحال، ولكن تشيخوف خير منه. أما عن الأخوين جونكور فأي مهرجين هما! إنهما لا يعدوان أن يتظاهرا بالجدية. لقد عرفا الحياة من كتب وضعها مؤلفو قصص خرافية مثلهما، وظنّا أنها جدّ. لا أحد بحاجة إلى ذلك». وقد اختلف غوركي معه في هذا الرأي «وضايقه هذا بعض الشيء». كذلك صار تولستوي غير راضٍ عن دوستويفسكي قائلاً: «إن قراءته شاقة ولا تفضي إلى شيء».

كان غوركي يعد تولستوي أباه الروحي رغم الاختلاف الشاسع بين آيديولوجية الكاتب الشاب اليساري والمتصوف المسيحي العجوز

كذلك كتب غوركي عن ليونيد آندريف، وهو - وإن يكن أقل شهرة من تولستوي وتشيخوف - قاصّ وكاتب مسرحي ومصور فوتوغرافي موهوب. وقد صدّر أول مجموعة قصصية له عام 1901 بإهداء إلى غوركي الذي شجّعه على دخول مضمار الأدب. ومن رواياته «السبعة الذين شنقوا» (لها ترجمة عربية) عن الإرهاب السياسي. وله أكثر من 20 مسرحية، منها «هو الذي يصفع» (مترجمة أيضاً إلى العربية). وإذ كان مناهضاً لثورة أكتوبر 1917، فقد عاش خارج روسيا ومات منفياً في فنلندا.

والمفارقة أنه بعد مرور 10 سنوات على كتابة هذه الذكريات غدا غوركي ذاته - في نظر أجيال الشباب - حكيماً مثل تولستوي. وفي مؤتمر الكتاب المنعقد في 1934 (الحقبة الستالينية) غضّ غوركي من شأن «الواقعية النقدية» التي يمثلها تولستوي وتشيخوف، ودعا بدلاً منها إلى «واقعية اشتراكية» أدخل في باب الدعاية منها في باب الفن. وأحجم عن مدّ يد العون لأدباء أصغر سناً، مثل الشاعر أوسيب ماندلستام، حين كان هؤلاء الأدباء في أمس الحاجة إلى غذاء وكساء.

وإذا غضضنا الطرف عن هذه السقطات - وهي تكثر في ظل الأنظمة الديكتاتورية - فستظل هناك حقيقة مستفادة من هذا الكتاب؛ أن فوارق السن بين الأجيال لا يجب أن تحول دون تواصلها. واختلاف الرأي السياسي لا يجب أن يفسد للودّ قضية. فما يجمع بين الأدباء أكبر مما يفرق بينهم، كلهم سدنة في معبد الفن مهما جنحوا يميناً أو وسطاً أو يساراً، فالفن أبقى من السياسة.