محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

الروائي المصري يرى أن الكتابة عملية اكتشاف

محمود الورداني
محمود الورداني
TT

محمود الورداني: لا أهرب من سيرتي الذاتية وقناعاتي الفكرية أثرت أعمالي

محمود الورداني
محمود الورداني

خمسون عاماً من الكتابة ومكابداتها في تجربة الروائي محمود الورداني، أحد أبرز كتاب جيل السبعينيات في مصر، الذي أصدر عدداً من الأعمال الروائية والقصصية ومنها «رائحة البرتقال» و«بيت النار» و«الإمساك بالقمر». كما ينتظر صدور روايته الجديدة «ساعات الأسر».
ويعتز الورداني بجيله الذي تحمل عبء هزيمة 1967. ويرى أن كتاباته لا تنفصل عن هموم هذا الجيل، كما يعتز أيضاً بمهن متواضعة عمل بها مثل «صبي مكوجي» و«بائع ثلج».
هنا حوار معه حول عالمه الروائي ورحلته مع الكتابة:

> ألم تتخوف من فكرة الخضوع لذائقة جمعية حين دعوت أصدقاءك على «فيسبوك» لمشاركتك اختيار عنوان روايتك الجديدة «ساعات الأسر»؟
- لدي دائما صعوبة في الاستقرار على عناوين كتبي، وكنت ألجأ لأصدقائي المباشرين قبل أن ألج عالم التواصل الاجتماعي. ربما تكون الشيخوخة سببا في اللجوء لأمر كهذا، لكن آراء أصدقائي - رغم احترامي لها - ليست ملزمة، وأنظر إليها بتجرد قدر الإمكان.
> ما الإضافة الجديدة من وجهك نظرك التي تحملها «ساعات الأسر» في سياق تجربتك الإبداعية؟
- كل ما كتبته لا أعتقد أنه يشكل إضافة ما، ولا أظن أن الإضافة كانت تعنيني مطلقا، ما يعنيني هو الكتابة ذاتها. لا أكتب من أجل أن أضيف شيئا أو فكرة أو موقفا أو رأيا محددا. الكتابة هي عملية اكتشاف، ولو كنت أكتب من أجل أن أضيف لما كتبت شيئا. قبل الكتابة لا تكون الأمور واضحة... لا الشخصيات ولا ملامح الواقع ولا إلى أين تمضي الأحداث. حسب تجربتي، أنطلق من إحساس ما غامض. من عالم أو حكاية أو تصور أو معنى ما غير محدد، والمنتج النهائي هو عملية اختبار كل هذا واستكماله من خلال الكتابة. في أحيان كثيرة كان لدي تصور ما في رواية مثل «رائحة البرتقال» لرحلة الرجل الذي يحمل الطفلة ويدور بها في ليلة مخيفة باحثا عن أمها وحبيبته، وقبل أن يحمل الرجل الطفلة من مهدها، كنت حائرا: كيف تمضي الرواية، ولكن عندما حملها وتسلل بها من مطارديه، مضيت أنا خلفهما وتتبعتهما تقريبا في رحلة كنت أكتشفها عبر الكتابة ذاتها. أما في رواية مثل «الروض العاطر» فقد انطلقت من قصة قصيرة لي، أحسست بعد نشرها أنها جزء أو تفصيلة من عمل أكبر، فمضيت في الكتابة لأختبرها.
> ينظر عادة لإقدام المبدع على تدوين سيرته الذاتية على أنها بمثابة الوصول لمحطة النهاية في رحلته الإبداعية، في أي سياق تضع عملك «الإمساك بالقمر – فصول من سيرة زمننا»؟
- الكتاب ليس سيرة ذاتية، بقدر ما هو سيرة أيامنا وزماننا نحن أبناء سبعينيات القرن الماضي، ويتناول الفترة من عام 1968 عندما نشرت أول قصة لي وأنا في الثامنة عشرة وحتى شتاء عام 1981 عندما ألقي القبض علي أنا وزوجتي، واعتبرت أن الفترة التالية تشكل مرحلة مختلفة. الكتاب إذن قصة تشكل هذه الموجة وهمومها وتساؤلاتها في أعقاب واحدة من أقسى الهزائم التي تعرضت لها بلادنا عام 1967. هي أيضاً قصة مقاهينا وأماكن تجمعنا وبيوتنا وبحثنا وكتاباتنا الأولى. كيف انتزعنا استقلالنا عن الأجهزة الرسمية التي سلمنا بفشلها، وكيف أصدرنا في هذا السياق كتاباتنا الأولى، كما خضنا العديد من تجارب النشر والعمل الثقافي.
وفي الوقت نفسه شارك أبناء هذه الموجة في الحركة السياسية النشطة، سواء في الجامعات أو في المنظمات اليسارية غير العلنية. وشهد عقدا السبعينيات والثمانينيات حراكا سياسيا وفكريا واجتماعيا على كل المستويات، كما شهد تشكل تيارات واتجاهات جديدة في الأدب والفن، وصدرت عشرات الأعمال الأدبية المختلفة مع السائد. كذلك تعرض أبناء هذا الجيل للاعتقال والتشريد والنفي.
> بدا للبعض أن العنوان الفرعي «فصول من سيرة زمننا» هو رغبة منك في الهروب من أشباح السيرة الذاتية التي تتطلب أكبر قدر من الصراحة وتعرية الذات؟
- ليس هناك هروب من الحديث عن سيرتي الذاتية لأنني لم أقصد كتابتها، بل قصدت سيرتنا نحن أبناء هذه الموجة. «الإمساك بالقمر» عمل يرصد تلك السنوات التي شعر فيها أبناء السبعينيات أنهم يمسكون بالقمر ولا أقل، وهي الفترة التي شغل أغلبها أنور السادات منصب الرئاسة، وكان معروفا بكراهيته شبه الشخصية للمثقفين والكتّاب المستقلين، وتوالت الصدامات بينه وبيننا.
> عملت في حرف ومهن عديدة في سنوات صباك: «صبي مكوجي» و«بائع ثلج» و«عامل مطبعة»... إلى أي حد تركت تلك التجربة بصمتها على عالمك الإبداعي؟
- لقد تشرفت بالعمل في تلك المهن وغيرها، فأنا أنتمي لأسرة فقيرة جدا، ولدت ونشأت في حي شبرا، واعتدت أن أعمل في فترة الإجازة الصيفية مستغلا عطلة المدرسة لأوفر القليل. لم أشعر وأنا منخرط في هذه المهن بالغبن أو الظلم أو الحاجة، بل كنت فرحا تقريبا وأنا أجر عربة الثلج وأدور بها في شهور الصيف لأوزع الثلج على البيوت والمقاهي. أو وأنا أحمل ملابس السادة المكوية إلى بيوتهم، أو أدفع بكر الورق وأنقل صفوف الكتب في المطبعة، أو أعمل «كاشير» في محل عصير قصب وغيرها. مارست تلك المهن بلا ميلودراما، بل بجدية واهتمام. بالتأكيد تأثرت بها واستلهمت منها بعض تجاربي في الكتابة وخصوصاً في رواية «بيت النار» ومجموعة «السير في الحديقة ليلا» وغيرهما، لكن الأهم أنها شكلتني وأستمد منها ما أظنه صلابتي وقدرتي على الاحتمال.
> تعرضت للاعتقال في بداية السبعينيات بسبب نشاطك في الحركات السياسية اليسارية، ترى ما الذي يبقى من تلك التجربة الآن؟
- الحقيقة أنني لم أتعرض وحدي لتلك التجربة، بل أغلب أبناء السبعينيات دفعوا ثمن اختياراتهم ودفاعهم عن الحرية والعدل والديمقراطية. زاملت في السجن لأكثر من مرة العديد من زملائي من الكتّاب والفنانين ممن لفقت لهم قضايا للزج بهم في السجون، بسبب نشاطهم السياسي ودفاعهم عن حرية التعبير وحق التنظيم المستقل ورفض الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمها النظام مع إسرائيل آنذاك، فضلا عن رفض السيطرة الأميركية. تلك هي العناوين العريضة التي كنت وزملائي نتعرض بسببها للاعتقال، وكان أغلبنا يخرج بعد شهور لعدم ثبوت أدلة على استعمالنا للعنف، وما نلبث أن نعتقل مرة أخرى تحت نفس التهم الجاهزة، فنقضي عدة أشهر وهكذا، وذلك لنبقى في الدائرة الشريرة من التشريد والفصل من أعمالنا وإيذاء عائلاتنا.
وبطبيعة الحال ليس من الضروري أن نكون حققنا ما طالبنا به، لكن من المؤكد أننا حققنا الكثير. أستطيع أن أقول إنني تشرفت أيضاً بتعرضي للاعتقال، وتشرفت بدفع الثمن، ليس على سبيل التضحية والبطولة والفداء، بل ببساطة من أجل حقنا في ممارسة دورنا ككتّاب وكمشتغلين بالعمل العام ومواطنين في بلدنا. لقد عاصرنا أعنف الإجراءات والقرارات والتغييرات في اتجاه العدوان على الحرية والعدل، ولم يكن أمامنا إلا المواجهة المباشرة مهما كان الثمن الذي دفعناه. وغني عن البيان أنني استفدت من تلك التجربة على المستوى الأدبي في عدد من التجارب الروائية، سواء في مجموعة قصصية مثل «النجوم العالية»، أو رواية مثل «أوان القطاف» أو «موسيقى المول» وغيرها.
> لماذا تراجع برأيك دور اليسار ثقافيا في العالم العربي لصالح التيارات المتطرفة دينيا؟
- التراجع الثقافي والسياسي أيضاً لم يكن مسؤولية اليسار وحده، فقد تحالفت أغلب النظم العربية مع قوى التطرف الديني، وليس سرا على سبيل المثال أن أنور السادات قام بالإفراج عن الإخوان المسلمين وفتح المجال أمام الجماعة الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي لمواجهة النشاط اليساري والناصري المناوئ لسياساته، وقد وصل الأمر إلى حد عقد الصفقات المباشرة. وليس سرا أيضاً أن أغلب النظم العربية اعتبرت أن قوى اليسار في السياسة والثقافة هي العدو الأساسي لها، ولم تكتف بتكميم الأفواه وتغييب الديمقراطية وفتح المجال واسعا لقوى التطرف الديني، بل قامت أيضاً بفتح أبواب السجون والمعتقلات على مصراعيها لليساريين والديمقراطيين.
ليس معنى هذا أن اليسار لم يرتكب أخطاء، وكانت بعض فصائله تنتهج أساليب بالغة التطرف، وأبعدتهم ممارساتهم عن التأثير في مجتمعاتهم، ويبقى أن المسؤول الأول والرئيس عن التراجع المخيف وسيطرة قوى التطرف الديني التي أنتجت من بين ما أنتجت تنظيما دمويا مخيفا مثل داعش، هو بعض النظم العربية.
> قناعاتك السياسية والآيديولوجية هل أثرت سلبا أم إيجابا على نصوصك الأدبية أم أعطت عمقا لرؤيتك الفنية؟
- قناعاتي السياسية والآيديولوجية هي باختصار أنا ككاتب في المحل الأول، ولست ممن يصدقون أن هناك كاتبا بلا آيديولوجية، بل إن إنكار البعض لدور القناعة السياسية والآيديولوجية للكاتب هو في حد ذاته آيديولوجية. لا أظن مطلقا أن يعيش الكاتب وينتج بمعزل عن قضايا عصره وزمانه، أو يخفي مواقفه السياسية، أو يتخلى عن دوره في الدفاع عن الحرية والعدل. بالطبع ليس معنى هذا أن يكون الكاتب بوقا لأي أفكار مهما كانت صحيحة وشريفة من وجهة نظره. وليس معنى هذا أن تكون الأعمال الأدبية من شعر وقصة ورواية مجرد أفكار.
اسمحي لي أن أتحدث هنا عن نفسي، فمواقفي السياسية وأفكاري معلنة ومعروفة منذ عدة عقود، كما أنني كتبت عدداً لا بأس به من الأعمال الأدبية، وكتبت في التاريخ أيضاً، ولا أظن أنني تخليت عن المغامرة والتجديد. أظن أنني لم أكتب الواقع أبدا... كتبت الرواية والقصة القصيرة، ومهما تأثرت هذه الأعمال بالواقع واعتمدت على مادته، إلا أنها لها استقلالها وفرادتها.
> خمسون عاما من الإبداع... ما الذي تنظر إليه بغضب حين تستحضر نصف قرن من التجارب في الثقافة والحياة؟
- أظن أنني عشت كما أحببت أن أعيش تقريبا. أنا سعيد بالاستغناء والامتلاء الذي أشعر به، خصوصاً أنني على المستوى الشخصي لم أضطر للمواءمات والتزام خطوط حمراء والحرص على الظهور والتواجد. وإذا كنت عجزت عن كتابة كل ما هفوت إليه، فإنني ما زلت حتى الآن، بعد أن تجاوزت السبعين أتطلع لمزيد من الكتابة. إنني أنظر ورائي برضى على وجه الإجمال وليس بغضب.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».