رئيس وزراء إيطاليا الشاب ينقلب على الحرس القديم في بلاده

رينزي يريد إلغاء مجلس الشيوخ وفتح النار على «أصحاب الامتيازات من جيل الآباء».. وشعبيته في تصاعد

رينزي
رينزي
TT

رئيس وزراء إيطاليا الشاب ينقلب على الحرس القديم في بلاده

رينزي
رينزي

مرتديا بذلة سوداء مصممة خصيصا حسب الطلب، وقف رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي في الآونة الأخيرة أمام مجلس الشيوخ، فوجه التحية للمشرعين لتصويتهم على عدة تعديلات يتباهى رينزي أنها ستعمل على تدوير عجلة الاقتصاد الإيطالي بعد أطول ركود شهده في تاريخه المعاصر، لكن ما لم يطرحه هو أنه يطلب منهم أن يصوتوا على خطوة أكثر صعوبة؛ هي إلغاء مجلس الشيوخ نفسه الذي يراه رينزي وآخرون رمزا للنظام السياسي البائد الذي يبدو كأنه صمم لعرقلة أي إنجاز.
كان خطابه أمام المجلس يعبر عن شخصيته؛ حيث جاءت كلماته اللاذعة التي طغى عليها التباهي في إطار يكتنفه تفاؤل بمستقبل مشرق رغم أن أعضاء مجلس الشيوخ يتفهمون أن إقرار التعديلات سيؤدي لإلغاء مناصبهم.
يعد رينزي (40 عاما) أصغر رئيس وزراء في تاريخ إيطاليا حيث تولى المنصب بعد أن تعهد أمام الناخبين بتقويض النظام السياسي الإيطالي المتحجر وإعادة بناء البلاد على أساس يلائم الأجيال الشابة. ومع سعي الحركات الشعبية اليمينية واليسارية إلى تقويض دعائم المؤسسات السياسية من لندن إلى مدريد وباريس، قدم رينزي نفسه باعتباره خبيرا في حركات التمرد الأوروبية؛ حيث حاول استغلال غضب الشارع الإيطالي لترويج وجهة نظره بأن تغيير النظام يجب أن يتم من الداخل، كما قدم نفسه، على غرار ما فعل توني بلير في بريطانيا وبيل كلينتون في الولايات المتحدة، باعتباره النسخة التقدمية لأحزاب يسار الوسط التقليدية التي تكافح من أجل البقاء وسط المشهد السياسي في إيطاليا.
على المستوى الأوروبي، تحدى رينزي في كثير من الأحيان سياسات التقشف المالي، محذرا من العواقب الوخيمة التي ستقع في حال عجز القادة عن التحول تجاه سياسات تدعم النمو الاقتصادي، وهي من المسائل التي من المؤكد أنه سيناقشها رينزي مع الرئيس الأميركي أوباما أثناء لقائهما الشهر الحالي في البيت الأبيض.
نجح رينزي في تطوير علاقته بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين استضافها في فلورنسا في زيارة استمتعت فيها ميركل بمشاهدة روائع الفن الإيطالي. ويقول رينزي إن تبني أوروبا لسياسات التسهيل الكمي والإنفاق على البنية التحتية يثبت أن هناك اتجاها نحو تحول ملموس في السياسات. وقال رينزي أثناء مقابلة جرت معه مؤخرا في مكتبه بروما: «من المهم أن نحدد ملامح الاتجاه الجديد الذي سيسير فيه الاتحاد الأوروبي»، مشيرا إلى حاجة أوروبا للمضي قدما وبعيدا عن مجرد «مناقشة الميزانية وإجراءات التقشف». وأضاف: «لدينا هويتنا وأحلامنا وآمالنا واستراتيجيات خاصة بنا».
سيقاس نجاح رينزي أو فشله في نهاية المطاف بقدرته على إنعاش الاقتصاد الإيطالي، ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يعاني من الركود منذ عقدين من الزمان؛ حيث وصلت نسبة البطالة إلى 12.7 في المائة الأسبوع الماضي بينما وصلت نسبة البطالة بين الشباب لمستويات أعلى بكثير، كما بلغ مقدار الدين الوطني الإيطالي نحو 2.9 تريليون دولار وهو رقم مذهل.
وقال روبرتو داليمونتي، المحلل السياسي في فلورنسا «بإمكان إيطاليا الإبقاء على الاتحاد الأوروبي أو إزالته. انظر إلى إيطاليا من وجهة نظر برلين: هل هناك قائد آخر يمكن لميركل أن تثق به؟ لا يوجد سوى رينزي».
يعد أسلوب عمل رينزي، مزيجا من الطاقة والكفاءة والمهارة في التواصل مع الجماهير، بالإضافة إلى المناورات السياسية الجامحة، لكن رينزي لم يثبت نفسه بعد كقائد، كما أن سعيه لإقرار إصلاحات أغضب قطاعات من المعارضة بالإضافة إلى أصحاب المصالح العتيدة في الحزب الديمقراطي الممثل لتيار يسار الوسط.
يشعر الحلفاء التقليديون مثل نقابات العمال بالغضب إزاء التغييرات التي يشهدها سوق العمل؛ حيث يقولون إنها جاءت لمصلحة أصحاب الأعمال، بينما ينتاب الحرس القديم من الساسة من اليمين واليسار، القلق من أن يؤدي تقليص رينزي لصلاحيات مجلس الشيوخ وإقرار التعديلات المقترحة على قانون الانتخابات والدستور، لوضع مقدار كبير من النفوذ في يد المؤسسة التنفيذية من السلطات. وقال ريناتو برونيتا، النائب في مجلس النواب الإيطالي عن حزب «فورزا إيطاليا» إنه «يدمر كل آليات المراقبة على سلطات الحكومة. رينزي يدفع بالنظام المؤسساتي للبلاد نحو الاتجاه الشمولي».
سيطر زعماء مخضرمون لسنوات كثيرة على يسار الوسط في إيطاليا واعتمدوا في ذلك على نموذج إجماع الأغلبية الذي يقول عنه منتقدوه إنه تسبب في شلل الحزب ووقوعه فريسة في يد أصحاب المصالح الخاصة.
عمل رينزي، منذ أن كان عمدة لمدينة فلورنسا، على تحدي الجيل القديم من الساسة علنا؛ حيث وصف نفسه بأنه «رجل الهدم» الذي سيطيح بالقيادات الراسخة إلى مقلب النفايات، وهو موقف عبر عما يشعر به الشباب الإيطالي الذي يناضل من أجل الحصول على فرصة. وقال توماسو غونتيلا، رئيس فرع الحزب الديمقراطي في روما والبالغ من العمر 30 عاما «هناك صراع بين الأجيال، ورينزي يعرف هذا وقد بدأ بتقديم نفسه كوجه معبر عن الأجيال الجديدة، أجيال الأبناء». وأضاف: «لا يمكن أن نسمح للأبناء أن يسددوا فاتورة الامتيازات التي تمتع بها الآباء».
تمثل دعوة رينزي، لتغليب مصلحة الشباب على الكبار، الأساس الذي ارتكز عليه الإنجاز التشريعي الذي حققه في صورة قانون عمل جديد يعرف باسم «قانون الوظائف» الذي يقول إنه سيجلب الإنصاف تدريجيا إلى النظام المتشعب الخاص بعقود العمل الدائمة والمؤقتة المتبع في إيطاليا.
يتفحص رينزي رسائله على جهازي الهاتف الخاصين به أثناء جلوسه على مكتبه في قصر «شيغي» الحكومي بروما، فيما يصف الانتقادات التي يوجهها له الحلفاء التقليديون بأنها لا تدعو للاستغراب؛ حيث قارن أجندة السياسات الخاصة به بتلك التي اتبعها بلير في بريطانيا أثناء حكم حزب العمال في حقبة التسعينات، كما استشهد بمقولة ساخرة قالها بلير حينما تعهد باتباع تقاليد الحزب عدا تقليد خسارة الانتخابات.
وقال رينزي بلغة إنجليزية أثارت السخرية على وسائل التواصل الاجتماعي لكنها تحسنت بسرعة ملحوظة في الأشهر الأخيرة «المخاطرة تمثلت في تحويل حزب العمال (البريطاني) من حزب خاسر إلى حزب ناجح». وأضاف: «ما هي هوية اليسار في إيطاليا؟ إنها تعتمد على منح مزيد من الحقوق للشباب، منح الفرص لجيل جديد. كان لدينا في إيطاليا نظام عمل أشبه بالفصل العنصري، إن قانون الوظائف هو أكثر الخطوات اليسارية التي اتخذتها».
تولى رينزي السلطة في لحظة كانت السياسة الإيطالية تعاني من نفاد الخيارات الأخرى. فأفول نجم رئيس الوزراء الأسبق سلفيو برلسكوني، ترك يمين الوسط الذي كان يعيش من قبل حالة من الازدهار، في وضع متخبط. كما أن حركة «النجوم الخمسة» الشعبية التي يقودها الكوميدي بيبي غريللو، فقدت بريقها لدى رجل الشارع منذ فوزها بربع الأصوات في انتخابات 2013. ويحاول رينزي، ردا على ذلك، دفع الحزب الديمقراطي تجاه الوسط ليصبح كما يصفه المحللون بالحزب «العام». وقد أظهرت استطلاعات الرأي أن رينزي يعد ببساطة السياسي الأكثر شعبية في إيطاليا الأمر الذي عزز موقفه في أوروبا؛ إذ لسنوات طويلة تسببت الصراعات الداخلية في منع الحزب الديمقراطي من الانضمام إلى تحالف أحزاب يسار الوسط الأوروبية المتمثل في «الأوروبيين الاشتراكيين»، لكن بفضل قيادة رينزي، تمكن الحزب الديمقراطي من الانضمام على الفور كما أنه أصبح أكثر تأثيرا على المستوى الأوروبي.
يقول أنصار رينزي عنه إنه أمل إيطاليا الأخير ويكيلون له المديح لإقدامه على مواجهة أصحاب المصالح العتيدة. لكن منتقديه يصفونه على نحو متزايد بالرجل الشمولي، وهو الوصف الذي يقول عنه رينزي والكثير من المحللين إنه ليس له ما يبرره. لكن رينزي تحدث مؤخرا عن ضرورة وضع قيود على عدد الفترات المسموح فيها بتولي منصب رئاسة الحكومة. وقال رينزي «بالنسبة لإيطاليا، ها قد حان وقت اتخاذ القرارات، أنا أصغر زعيم في تاريخ إيطاليا، أنا أستخدم طاقتي وحيويتي لإحداث تغيير على الصعيد الوطني، أعتقد أنه حان الوقت لنكتب صفحة جديدة في تاريخ إيطاليا. لا أستطيع الصبر على مشاكل الماضي».

* خدمة «نيويورك تايمز»



ماكرون: أوكرانيا ستبدأ إنتاج صواريخ فرنسية وتطلب شراء مقاتلات

الرئيس الفرنسي ماكرون (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون (إ.ب.أ)
TT

ماكرون: أوكرانيا ستبدأ إنتاج صواريخ فرنسية وتطلب شراء مقاتلات

الرئيس الفرنسي ماكرون (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون (إ.ب.أ)

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الاثنين، إن فرنسا ستسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ كروز وذخائر دقيقة التوجيه وصواريخ اعتراضية للدفاع الجوي من صنع فرنسي، وذلك بعد أن طلبت كييف شراء أنظمة دفاع جوي فرنسية - إيطالية من الجيل الجديد وطائرات مقاتلة من طراز رافال.

وأضاف ماكرون في مؤتمر صحافي عقب اجتماع ضم نحو 25 من القادة في باريس: «اتفقنا أنا والرئيس (فولوديمير) زيلينسكي في وقت سابق من بعد ظهر اليوم على خريطة طريق بين بلدينا، لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من حيث المبدأ في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بشأن تعاوننا الدفاعي المشترك».

ويمثل ما أعلنه ماكرون أول موافقة من جانب فرنسا على منح أوكرانيا ترخيصاً بالإنتاج، وهي خطوة من شأنها أن تمكّن أوكرانيا من زيادة مخزونها في وقت تكثف فيه روسيا هجماتها على البلاد.

ويتركز الإنتاج على قنابل جو - أرض دقيقة التوجيه من طراز (إيه إيه إس إم)، وصواريخ (أستر) الدفاعية، وصواريخ سكالب بعيدة المدى التي تطلق من الجو، والتي تنتجها بريطانيا أيضاً.

وقال ماكرون إن أوكرانيا ستتسلم أيضاً أنظمة رادار. وأضاف أن زيلينسكي طلب كذلك تسلم أنظمة دفاع جوي (سامب-تي) من الجيل الأحدث، وهي تأتي بعد طلبيات من الجيل السابق ومجموعة من الصواريخ.

وأشار إلى أنه سيجري تسليم 16 طائرة حربية من طراز رافال مع توقع بإدخالها الخدمة في أوكرانيا بين عامي 2028 و2029.

وذكر ماكرون أن حلفاء أوكرانيا وافقوا على بدء تدريبات عسكرية في الدول المجاورة لأوكرانيا كجزء من خطة لتشكيل قوة متعددة الجنسيات سيتم نشرها بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع روسيا.


دول أوروبية تعلن إنشاء «تحالف لمواجهة الصواريخ الباليستية»

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس الاثنين (أ.ب)
صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس الاثنين (أ.ب)
TT

دول أوروبية تعلن إنشاء «تحالف لمواجهة الصواريخ الباليستية»

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس الاثنين (أ.ب)
صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس الاثنين (أ.ب)

تراهن الرئاسة الفرنسية على عاملين رئيسيين بخصوص مصير الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا منذ اربع سنوات ونصف السنة: الأول، التحولات الميدانية الجارية والقدرات المتراكمة التي أخذت القوات الأوكرانية تتمتع بها، خصوصاً في مجال المسيَّرات الجوية والبحرية وتمكُّنها من استهداف مواقع رئيسية وأخرى ذات أهمية رمزية بعيداً عن الحدود بين البلدين، والثاني، ما تراه باريس ومعها بعض العواصم الأوروبية من تبدل في مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما برزت في قمة إيفيان لمجموعة السبع بداية، ثم في قمة الحلف الأطلسي الأسبوع الماضي في أنقرة.

 

الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس الاثنين (رويترز)

 

وفي ظل هذين التحولين المهمين عُقدت، الاثنين، في باريس القمة الموسعة التي ضمت 25 رئيس دولة وحكومة غالبيتهم من الأوروبيين وبينهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون في إطار «تحالف الراغبين»، أي الدول المهتمة بالمساهمة في توفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد أن تتوقف العمليات العسكرية أو بعد توقيع اتفاق سلام بين كييف وموسكو.

 

«تحالف دعاة الحرب»

ولم تتأخر ردة الفعل الروسية؛ إذ سارع المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الاثنين، إلى وصف التحالف بأنه «تحالف من دعاة الحرب، تحركه أوهام عميقة بإمكانية إلحاق هزيمة استراتيجية ببلادنا، فهذا تحالف من المخدوعين، ولمن يؤججون الحرب»، مضيفاً أن روسيا ستتابع من كثب القمة المذكورة.

وسبق لموسكو أن حذَّرت الأوروبيين الذين يقود تحالفهم الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من نشر قوات على الأراضي الأوكرانية التي تعدّها قوات أطلسية معادية. لكن الجديد اليوم، بالنسبة للعواصم الغربية، أن الصعوبات العسكرية التي تواجهها موسكو، تدفعهم إلى التشدد في شروط الحل السياسي وإلى رفض محددات خطة السلام الأميركية السابقة التي كانت تجعل من تخلي أوكرانيا عن كامل منطقة الدونباس، بما في ذلك الأراضي التي لا تسيطر عليها القوات الروسية، شرطاً للسلام بين الجانبين. وغرَّد ماكرون على منصة «إكس» بعد ظهر الاثنين، مؤكداً أن «تحالف الراغبين» سيعمل على «تسريع الدعم لأوكرانيا وتقوية دفاعها وزيادة الضغوط على روسيا وبناء الضمانات الأمنية للغد»، مضيفاً أن «وحدة (الأوروبيين) مصدر قوتهم وعزمهم ومصداقيتهم».

وكان واضحاً أن ماكرون استفاد من مناسبة العيد الوطني لتنظيم الاجتماع. وكلفتة باتجاه «تحالف الراغبين»، فإنه دعا عدداً من قادته ليكونوا ضيوفه على منصة الشرف لحضور العرض العسكري التقليدي في جادة الشانزليزيه الذي سيسير في مقدمه 500 جندي من الدول الأعضاء في الائتلاف. ويحظى العرض باهتمام شعبي واسع وكان الوحيد من نوعه في الديمقراطية الكبرى قبل أن يستنسخه الرئيس دونالد ترمب ويأمر، بمناسبة عيد الاستقلال الأميركي، بإقامة عرض مشابه في واشنطن.

 

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

 

«الصحوة الاستراتيجية»

واستبقت مصادر في الرئاسة الفرنسية الاجتماع بعرض الأهداف التي يسعى القادة لتحقيقها، ورأت فيه مؤشراً على «الصحوة الاستراتيجية» التي يريدها الأوروبيون في مواجهة روسيا وإزاء الولايات المتحدة. بيد أنها أكدت في الوقت نفسه أن قمة «تحالف الراغبين» ستركّز على الدفع نحو وقف لإطلاق النار واستئناف مفاوضات السلام بين موسكو وكييف بالتوازي مع العمل على تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية. ويركز «التحالف» على تمكين كييف من اعتراض الصواريخ الصواريخ الباليستية الروسية.

وبنظر الإليزيه، فإن ذلك يتعين أن يتحقق من خلال ثلاث آليات: الأولى، توفير مزيد من صواريخ الاعتراض الخاصة بمنظومة «باتريوت» التي تضاءل الحصول عليها بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية - الإيرانية. والثانية، تسريع نشر منظومة الدفاع الجوي الفرنسية - الإيطالية «أٍس آي إم بي - تي» التي تضاهي صواريخ «باتريوت» الأميركية. والثالثة العمل على المستوى الأوروبي لتطوير بدائل عن الصواريخ الاعتراضية من خلال التعاون المشترك بين الأوروبيين والأوكرانيين. وبعد أن قال ترمب لرئيس للرئيس الأوكراني إنه سيمكن كييف من إنتاج «باتريوت» محلياً، فإن الأوروبيين سينظرون بدورهم في آلية كهذه، علماً أن الحصول على رخصة إنتاج صواريخ «باتريوت» على سبيل المثال، ليس مجانياً وسيكون على الأوروبيين تحمل تكلفته.

 

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني على هامش «قمة باريس» الاثنين (أ.ف.ب)

 

تحالف مواجهة الصواريخ الباليستية

وبعد ظهر الاثنين، وزع قصر الإليزيه «الإعلان المشترك بشأن إنشاء التحالف المتكامل لمواجهة الصواريخ الباليستية» الصادر عن قادة 11 دولة أوروبية (الدنمارك، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، والنرويج، وإسبانيا، والسويد، وأوكرانيا وبريطانيا)، وأورد أن الدول الموقّعة «إدراكاً منها للتهديد المتزايد الذي تمثله الصواريخ الباليستية، وللأهمية المتنامية لقدرات الدفاع في ضمان أمن القارة الأوروبية، تعلن اليوم إطلاق عملية إنشاء تحالف دفاعي بحت لمواجهة الصواريخ الباليستية. كما تعرب عن دعمها لمشروعه الرئيسي الهادف إلى العمل دون كلل على تطوير قدرة للدفاع المضاد للصواريخ الباليستية». وترى الدول المعنية «أن حماية أوروبا تتطلب حلاً شاملاً يتمثل في إنشاء منظومة متكاملة للدفاع الصاروخي؛ بهدف ردع التهديدات الصاروخية المستقبلية والتصدي لها، وذلك من خلال جهد جماعي، وانفتاح تكنولوجي، وتعاون صناعي قائم على الثقة».

 

عنصر من الحرس الجمهوري الفرنسي واقف أمام أعلام الدول التي شاركت في «قمة الراغبين» بباريس الاثنين (أ.ف.ب)

 

أما الطريق إلى ذلك، فهي تمر عبر «توحيد قاعدتنا الصناعية الدفاعية، وجهودنا البحثية، وخبراتنا العملياتية». ونص الإعلان على مجموعة من الإجراءات والآليات لتحقيق الهدف المبتغى أو ما يشبه «خريطة طريق». وحسب القادة الـ11، فإن ما يقومون به «لا يستهدف أي شعب، وإنما يهدف إلى الدفاع عن شعوبنا». وترك الموقّعون الباب مفتوحاً «أمام الدول الأخرى التي تتقاسم مبادئه وأهدافه». وغرَّد ماكرون على منصة «إكس» قائلاً إنه «بمواجهة التهديد الباليستي، فإننا أقدمنا على خيار واضح، وهو حماية أوكرانيا وتعزيز أمننا الجماعي وبناء أوروبا الدفاعية ومن خلال إطلاق التحالف الباليستي، فإننا نعزز الإمكانات التي تحتاج إليها أوروبا».

وقبل ذلك، قال ماكرون، في خطابه التقليدي أمام ممثلي القوات المسلحة والحكومة والسلك الديبلوماسي إن أوروبا مستعدة للدفاع عن نفسها وحريتها بالوسائل كافة، بما في ذلك «دمها» إذا لزم الأمر، مضيفاً أن أوروبا «في طريقها لتصبح قوة» جاهزة «للدفاع عن نفسها». ودعا ماكرون في كلمته إلى تعزيز الشراكات في قطاع الدفاع الأوروبي التي لا يبدو أن ترجمتها على أرض الواقع سهلة، والدليل على ذلك أن المشروع الفرنسي - الألماني الذي أُطلق قبل عشرة أعوام لبناء طائرة القتال المستقبلية بتكلفة تصل إلى 100 مليار يورو فشل فشلاً ذريعاً وأعلن عن توقفه الشهر الماضي. كذلك، فإن ألمانيا التي أطلقت، قبل عامين، تحالفاً أوروبياً لبناء منظومة دفاع جوي مشتركة تضم مجموعة من الدول الأوروبية، فضَّلت اللجوء إلى التكنولوجيات الأميركية والإسرائيلية بدل التركيز على المنظومات الأوروبية، ومنها الفرنسية والإيطالية.

وإذا كان القادة الأوروبيون يركزون على الحاجة إلى العمل معاً لمواجهة الصواريخ الباليستية، فإن ذلك بسبب استشعارهم ضعف إمكاناتهم في هذا القطاع الاستراتيجي من جهة ولتخوفهم من تخلي الولايات المتحدة عن انخراطها في الدفاع عن القارة القديمة. وأظهرت حرب أوكرانيا، وفق خبراء عسكريين، أن الحرب الحديثة ليست حرب مواقع وأن حماية الأجواء من المسيرات ومن الصواريخ الباليستية تعدّ حاجة حيوية لا يمكن القفز فوقها. من هنا، الإشارة إلى الخبرات التي اكتسبتها أوكرانيا في هذا المجال واستيلاد «التحالف الباليستي» الذي يعدّ أمراً جديداً بالنسبة للأوروبيين لجهة كثرة الأطراف الضالعة في هذا المشروع. وإذا كان الإعلان عنه حدثاً رئيسياً، فإنه ينبغي التعرف إلى كيفية إطلاقه وتمويله وتوزيع المهمات والأبحاث والحوكمة، أي العناصر التي تنقله من الحيز الافتراضي إلى حيز الواقع.


قادة أوروبيون يتفقون على تحالف مضاد للصواريخ الباليستية مع أوكرانيا

نظام صواريخ «يارس» الروسية الباليستية العابرة للقارات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء في وسط موسكو 9 مايو 2023 (رويترز)
نظام صواريخ «يارس» الروسية الباليستية العابرة للقارات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء في وسط موسكو 9 مايو 2023 (رويترز)
TT

قادة أوروبيون يتفقون على تحالف مضاد للصواريخ الباليستية مع أوكرانيا

نظام صواريخ «يارس» الروسية الباليستية العابرة للقارات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء في وسط موسكو 9 مايو 2023 (رويترز)
نظام صواريخ «يارس» الروسية الباليستية العابرة للقارات خلال عرض عسكري في الساحة الحمراء في وسط موسكو 9 مايو 2023 (رويترز)

قالت الرئاسة الفرنسية في بيان إن قادة الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد وبريطانيا اتفقوا على تشكيل تحالف متكامل لمكافحة الصواريخ الباليستية مع أوكرانيا.

وجاء في البيان: «نعتقد أن حماية أوروبا تتطلب حلاً شاملاً يتمثل في بنية دفاعية متكاملة ضد الصواريخ لردع وهزيمة التهديدات الصاروخية المستقبلية، يتم تطويرها من خلال الجهد الجماعي والانفتاح التكنولوجي والتعاون الصناعي الموثوق به».

وأضاف البيان: «سيكمل هذا التحالف أنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي الحالية، بما في ذلك الحلول الأوروبية السيادية التي تم اقتناؤها بالفعل، أو التي ستقوم الدول المشاركة باقتنائها».