الوساطة الأممية في السودان تصطدم بشروط حمدوك والبرهان

بريطانيا تدعو لجلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان الدولي

جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
TT

الوساطة الأممية في السودان تصطدم بشروط حمدوك والبرهان

جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)
جانب من مسيرات 30 أكتوبر المطالبة بعودة حمدوك لرئاسة الحكومة (إ.ب.أ)

تواجه الجهود التي يقوم بها مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى السودان، فولكر بيرتيس، للوساطة بين العسكريين والمدنيين لحل الأزمة السياسية، عقبة رئيسية تتمثل في تباين الشروط التي يضعها كل من قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء المقال عبد الله حمدوك.
وقالت مصادر في الخرطوم، إن حمدوك يتمسك بضرورة إعادة الحكومة المقالة بكامل طاقمها وإطلاق سراح جميع المعتقلين من الوزراء والقادة السياسيين، والعودة للالتزام الكامل بالوثيقة الدستورية، قبل الدخول في أي حوار مع الجيش، فيما يتمسك البرهان بعدم الرجوع إلى الوضع السابق لتسلمه السلطة وحل مؤسسات الدولة في 25 أكتوبر (تشرين الأول).
وأعلن البرهان أنه يعتزم تشكيل حكومة من التكنوقراط، لكن تحالف «الحرية والتغيير»، الذي يضم الأحزاب الرئيسية في البلاد وله شعبية كبيرة في الشارع، يؤيد مطالب حمدوك، ويتمسك بعودته إلى منصبه رئيساً للحكومة المدنية. كما يجد حمدوك دعماً دولياً كبيراً.
في غضون ذلك، أعلنت بريطانيا، أمس، أنها طلبت عقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن السودان، وأوضحت أنها أرسلت طلبها إلى رئيس المجلس، الذي يضم 47 دولة، نيابة عن 18 دولة عضواً، وهو أكثر من الثلث اللازم لعقد جلسة خاصة للمجلس. وأيدت القرار 30 دولة لها وضع مراقب، بينها الولايات المتحدة. وقال سايمون مانلي، سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة في جنيف، على «تويتر»، إن «أعمال الجيش السوداني بمثابة خيانة للثورة والعملية الانتقالية وآمال الشعب السوداني». وأكد مانلي وجود حاجة ملحة لأعلى مجلس حقوقي في الأمم المتحدة للبحث في الوضع بالسودان، في أعقاب حملة قمع ضد التجمعات الحاشدة بعد انقلاب الجيش.
- اجتماع «المجلس المركزي»
كما اتخذت «قوى الحرية والتغيير»، وهي المرجعية السياسية للحكومة الانتقالية في السودان برئاسة عبد الله حمدوك، قراراً بالإجماع بالعمل على إسقاط ما سمته «الانقلاب العسكري»، مؤكدة على محاسبة الذين قاموا به، وطالبت بتحقيق العدالة للشهداء والمصابين. وعقد المجلس المركزي، وهو أعلى هيئة سياسية في «الحرية والتغيير»، أمس، اجتماعاً في دار حزب «الأمة القومي» بمدينة أم درمان، ناقش الأوضاع الراهنة في البلاد عقب استيلاء قائد الجيش على السلطة، وحل مجلسي السيادة والوزراء، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.
وطالبت «الحرية والتغيير»، في بيان، بعودة رئيس الوزراء وحكومته للقيام بمهامهم وفقاً للوثيقة الدستورية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين فوراً، والعودة للنظام الدستوري ما قبل 25 أكتوبر الماضي. وأكدت موقفها القاطع بأنه لا حوار ولا تفاوض مع قيادة الجيش، وأن تحالف «الحرية والتغيير» يهتم الآن بتوحيد قوى الثورة الحية والقوى المدنية والديمقراطية. وكانت بعض أطراف التحالف قد أعلنت في وقت سابق رفضها التام لأي تفاوض مع العسكريين، وإبعادهم من أي ترتيبات دستورية مقبلة «وتقديمهم للمحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها». ويتواصل العصيان المدني والإضراب السياسي الشامل في كل أحياء الخرطوم وعواصم الولايات الأخرى، وتوقف العمل في غالبية المؤسسات الحكومية والبنوك والمصارف.
- وساطة جنوب السودان
في أثناء ذلك، أجرى مستشار رئيس حكومة جنوب السودان، توت قلواك، الذي يوجد في الخرطوم منذ أول من أمس، لقاءات مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، ومع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وتحالف «الحرية والتغيير»، في إطار مساعي دولته لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة. وتلقى البرهان، أمس الاثنين، رسالة من رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت، أكد خلالها حرصه على الأمن والاستقرار والسلام في السودان.
وذكرت الوكالة السودانية للأنباء (سونا)، أن القائد العام للقوات المسلحة، خلال لقائه بمكتبه مستشار رئيس جمهورية جنوب السودان للشؤون الأمنية والوفد المرافق له، ثمن «الدور الكبير الذي تضطلع به حكومة جنوب السودان لدعم وإنجاح الفترة الانتقالية، وحرصها على حماية مكتسبات (ثورة ديسمبر)، وتحقيق تطلعات الشعب السوداني». وأوضح قلواك، أن الرئيس سلفاكير ميارديت يتابع باهتمام وقلق بالغ مجريات الأحداث في السودان، وتأكيده على ضرورة الحوار الجاد للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، مما يستوجب التطلع إلى آفاق أرحب للتعاون بين كافة مكونات القوى السياسية التي صنعت التغيير، داعياً كافة الأطراف لتحكيم صوت العقل.
وأضاف، في تصريح صحافي عقب اللقاء، أن «الوفد بصدد إجراء عدد من اللقاءات تضم رئيس الوزراء السابق دكتور عبد الله حمدوك و(قوى الحرية والتغيير)، للوقوف على جذور المشكلة، والعمل على تقريب وجهات النظر بين كافة الأطراف السياسية».
كما كان وزير خارجية جنوب السودان، مييك أيي دينق، قد أكد على ضرورة استقرار الأوضاع في السودان، لانعكاس ذلك على دول الإقليم. وشدد الوزير دينق، في تصريح صحافي، على وقوف بلاده بجانب الشعب السوداني، ومناشدتها لكل الأطراف بذل أقصى الجهود لضمان الاستقرار والسلام، ومراعاة المصالح العليا للبلاد، وتغليبها على المصالح الحزبية والشخصية.
- إعادة اعتقال رموز نظام البشير
وصف مكتب المتحدث الرسمي باسم الحكومة المدنية، برئاسة عبد الله حمدوك، إطلاق سراح عدد من قادة النظام المعزول، بأنه يسفر بوضوح عن الغطاء السياسي للانقلاب وتوجهاته الفكرية الحقيقية، وأن الشعب السوداني يقظ لتماهي الانقلابين مع فلول النظام البائد. وكانت السلطات قد أطلقت سراح رئيس حزب «المؤتمر الوطني» (المنحل) إبراهيم غندور، ومدير الإعلام الأسبق بجهاز أمن النظام المعزول، محمد حامد تبيدي، والناطق باسم جهاز الأمن والمخابرات الشاذلي المادح، والإسلامي المتشدد محمد علي الجزولي الذي يرتبط بتنظيم «داعش»، لكنها أعادت اعتقالهم في اليوم التالي، بعد أن وجد النبأ ردود فعل مستنكرة من الشارع الذي خرج في مظاهرات ليلية. وأقال البرهان النائب العام و7 من وكلاء النيابة، فيما قالت مصادر إن قرار إطلاق سراح هؤلاء جاء من النيابة العامة، دون أن تؤكد أي جهة رسمية هذه المعلومة. واعتبر مكتب المتحدث باسم حكومة حمدوك، في بيان، هذه الإجراءات، تمثل انتكاسة ضد دولة المؤسسات وسيادة القانون، و«فرية لم تنطل على الشعب السوداني وفطنة المجتمع الدولي».
وقال المحامي والقيادي في «الحرية والتغيير» معز حضرة، إن مكتب المحامي الراحل علي محمود حسنين، تقدم بطلب لمقابلة المعتقلين من قادة الحكومة المدنية، بتفويض من أسرهم، إلا أنهم لم يتلقوا رداً على الطلب. وأضاف: «تقدمنا بطلب ثان للنائب العام السوداني»، قبل قرار إقالته «طلبنا فيه الكشف عن مكان اعتقال المدنيين، لأن القانون لا يسمح بأي اعتقال إلا بواسطة النيابة العامة، بعد إلغاء قانون الأمن العام». وأشار إلى أن السلطات العسكرية لا تملك أي صفة للاعتقال خارج الإجراءات القانونية المعروفة عبر الأجهزة العدلية المختصة، موضحاً أنهم لم يتلقوا أي رد على الطلبات.
- حملة اعتقالات
قالت السفارة الأميركية في الخرطوم، إنها رصدت حملة اعتقالات لعدد من أعضاء «لجان المقاومة» التي تنشط في تنظيم المسيرات الاحتجاجية ومواكب «المليونيات» جنوب الخرطوم منذ 31 من أكتوبر، وأن أعداد المعتقلين والإصابات غير معروفة. وذكرت أنها تلقت تقارير لم يتم التحقق منها تشير إلى تحسن الحركة في الخرطوم وفتح عدد من الجسور، بينما لا تزال نقاط التفتيش العسكرية في مكانها، ويواصل المتظاهرون تشكيل حواجز على الطرق في أحياء الخرطوم المختلفة وما حولها. وأشار بيان السفارة إلى أنها تلقت تقارير تفيد بإغلاق الطريق الذي يربط بين السودان ومصر من قبل المتظاهرين، وفتح الطريق المؤدي إلى بورتسودان، لكن لم يتم التأكد بعد من إمكانية الوصول إلى الطريق.
من جهتها، أعلنت لجنة الأطباء الشرعية ارتفاع عدد القتلى منذ استيلاء الجيش على السلطة في 25 من أكتوبر إلى 15، فيما تجاوزت الإصابات 200. وقال أمس المحامي كمال الجيزولي، الذي يمثل أسر المعتقلين من القادة السياسيين، إنه لا يُعرف مكان اعتقالهم، وأن أسرهم تخشى على صحتهم. وأضاف: «لقد توجهنا إلى النيابة ظناً منا أنهم محتجزون هناك ولكننا لم نجدهم»، موضحاً أنهم «في أسوأ وضع قانوني ممكن حالياً لأنهم في مكان غير معلوم ولم توجه إليهم أي اتهامات بعد، ولم يتم تسمية محققين علناً للتحقيق معهم». ودعا الجيزولي «كل من يقومون بمحاولات وساطة لحل الأزمة لأن يطالبوا السلطات الحاكمة بالإعلان عن مكان وجود الوزراء والسياسيين المعتقلين».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.