أربعُ نساء في تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية

أصبحن أيقونات في الثقافة العالمية على المستويين الأكاديمي والشعبي

مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
TT

أربعُ نساء في تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية

مارغريت ميد - إيلا ديلوريا
مارغريت ميد - إيلا ديلوريا

يحفلُ تاريخ الأنثروبولوجيا الثقافية (أو الاجتماعية) بكثير من التفاصيل المثيرة لكونه أكثر المباحث المعرفية اتصالاً بنشأة الثقافة بكلّ تمثلاتها الرمزية والمادية؛ لكنّ الأمر الذي أجده أكثر إثارة من سواه هو أنّ معظم البناة الأوائل (ما يسمّى بالآباء المؤسسين بلغة الأدبيات السائدة) لهذا الصرح المعرفي الشامخ كانوا من النساء اللواتي أصبحن مثاباتٍ مضيئة في الثقافة العالمية على المستويين الأكاديمي والشعبي. ثمّة 4 نساء في هذا الميدان سأتناولهنّ باختصار، وسيجد القارئ أنّهن أكاديميات أمريكيات حصرياً، ولعلّ مردّ هذه الحقيقة يعود إلى أنّ نشأة الأنثروبولوجيا الثقافية في مطالع القرن العشرين وجدت تربة صالحة لها في المؤسسة الأكاديمية الأمريكية التي لم تثقلها أعباء المواريث الكولونيالية للإمبراطوريات الأوربية، تلك الإمبراطوريات التي شرعت شمسها في الغروب وما كانت لتتناغم مع الأطروحات الثورية المستجدة التي بشّرت بها الأنثروبولوجيا الثقافية.
أولى هؤلاء الأنثروبولوجيات هي مارغريت ميد Margaret Mead. نشرت ميد كتابها الأوّل «بلوغ سنّ الرشد في ساموا Coming of Age in Samoa » عام 1928 عندما كانت لمّا تزل في الـ26. كان أحد الكتب الأكثر مبيعاً، وظلّت ميد لـ50 سنة عقب ذلك صوتاً تقدّمياً في النقاشات الوطنية التي تناولت موضوعات إشكالية شتى، ابتداءً من الجنس والمباحث الجندرية حتى السياسات النووية والبيئة وشرعنة تناول الماريغوانا (كانت تقف في صفّ الداعين لقبول هذه الشرعنة. دعونا لا ننسى كان هذا عام 1969!). اعتادت ميد كتابة عمود شهري في مطبوعة Redbook ذائعة الصيت التي كانت تقرأ من قبل الملايين، وظلّت تواظب على كتابة هذا العمود لـ16 عاماً متواصلة، كما ساهمت في تقديم المشورة لكثير من الوكالات الحكومية، وقدّمت شهادات عدّة أمام الكونغرس الأمريكي، وحاضرت في كثير من الموضوعات المختلفة أمام حضور متباين في توجهاته الثقافية حتى بلغ الأمر بمجلّة Time الأمريكية واسعة الانتشار عالمياً أن تصفها «أمّ العالم». في العام 1979 - وهو العام الذي توفّيت فيه ميد - منحها الرئيس جيمي كارتر وسام الحرية.
تعيشُ ميد في الذاكرة الجمعية باعتبارها «أيقونة» بمعنى أنّ كثرة من الناس قد يعرفون اسمها، ولن يكونوا مندهشين إذا ما رأوا وجهها على طابع بريدي (مثلما حصل مرّة)؛ لكن ليس في مقدورهم إخبارنا أي شيء حول كتاباتها ومقولاتها، ولو وجد هؤلاء الناس أنفسهم مدفوعين لقول شيء إضافي عنها فسيكتفون بالقول إنها كانت شخصية ذات أهمية استثنائية في الحركة النسوية، وهم إذ يفعلون هذا الأمر فليسوا موضع ملامة لأنهم يخلطون بين الدور المحوري الذي لعبته ميد كنموذج ريادي في حقل الأنثروبولوجيا والثقافة العامة من جهة وبين رؤاها الخاصة من جهة أخرى.
التحقت ميد بكلية برنارد عام 1920 لدراسة اللغة الإنكليزية كتخصص رئيسي، ثم عملت على دراسة علم النفس كفرع دراسي رئيسي بالإضافة إلى اللغة الإنكليزية، وفي الوقت ذاته حضرت درساً أكاديمياً يتناول مقدّمة إلى الأنثروبولوجيا في سنتها الدراسية الأخيرة. التحقت ميد عقب ذلك ببرنامج دراسات عليا في جامعة كولومبيا، وقد اختارت العمل الحقلي في جزيرة ساموا لدراسة مرحلة البلوغ فيها بتشجيع حثيث من أستاذها فرانز بواس الذي كتب مقدّمة للكتاب الذي نشرته ميد عن الموضوع (كتاب «بلوغ سن الرشد في ساموا» المشار إليه أعلاه)، وقد أطلق هذا الكتاب بداياتها المهنية في هذا الحقل البحثي.
الأيقونة الأنثروبولوجية الثانية هي إيلّا ديلوريا Ella Deloria. ولِدت ديلوريا في محميّة بولاية داكوتا الجنوبية، وهي تنتمي لعائلة سيوكس Sioux ذائعة الصيت. كان والدها قساً يتبع الكنيسة الأسقفية، ووالدتها ابنة ضابط في الجيش الأمريكي ذي رتبة كبيرة. التحقت ديلوريا بكلية المعلّمين Teachers College ذائعة الصيت والتابعة لجامعة كولومبيا، وتخرّجت منها عام 1915، وفي سنتها الأخيرة بهذه الكلية تلقّت استدعاءً من أستاذها فرانز بواس (الأب المؤسس للأنثروبولوجيا الثقافية) يطلب فيه منها الانضمام إلى مشروع طويل الأمد يعدُّ له ويسعى فيه لتسجيل كلّ اللغات البدائية الشائعة في أمريكا.
لم تكن ديلوريا طالبة رسمية لبواس في يوم من الأيام؛ لكنها مع هذا عملت مساعدة له وحضرت بعضاً من محاضراته (في كلية كولومبيا التي صارت جامعة فيما بعدُ)، وقد وظّفها بواس لتدقيق المعلومات الأولى التي جمعها اللغويون وعلماء الأجناس الأوائل الذين درسوا جماعة الهنود في السهول الأمريكية. لم يكن بواس مندهشاً إذ وجد أنّ معظم المعلومات التي جمعها هؤلاء اللغويون والأنثروبولوجيون كانت عديمة الفائدة. حصل عام 1941، وهي السنة التي سبقت وفاة بواس، أن نشر بواس بالاشتراك مع ديلوريا كتاباً بعنوان «قواعد داكوتا Dakota Grammar » الذي كان واحداً من أعمال قليلة ارتضى بواس طيلة حياته المهنية بالاشتراك بها مع أحد سواه.
الأنثروبولوجية الثالثة في قائمة الأسماء الأيقونية هي روث بندكت Ruth Benedict. كانت روث بندكت بين كلّ النساء اللواتي عملن برفقة بواس هي الأكثر صلة مهنية معه. حصلت بندكت على شهادة البكالوريوس، ثمّ أبدت ولعاً مميزاً بعلم الأنثروبولوجيا عندما تلقّت محاضرات بشأنه في المدرسة الجديدة التي أسسها بواس في كلية كولومبيا. التحقت بندكت ببرنامج الدراسات العليا في كولومبيا عام 1921، وبعد حصولها على شهادتها العليا أصبحت «القائدة لجيش بواس في قسم الأنثروبولوجيا في كولومبيا»، كما يقول زملاؤها الأنثروبولوجيون، وقد سعى بواس من جانبه لضمان حصولها على وظيفة أكاديمية ثابتة في كولومبيا، ونجح في مسعاه هذا. ارتقت بندكت في موقعها الأكاديمي حتى نالت مرتبة أستاذ مساعد آخر الأمر في كولومبيا عام 1931.
عندما تقاعد بواس من عمله الأكاديمي كانت بندكت العضو الأكثر شهرة بين الأعضاء الأكاديميين لقسم الأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا. كتاب بندكت الموسوم أنماط الثقافة Patterns of Culture (وهو دراسة أنثروبولوجية لـ3 جماعات بشرية مختلفة) كان قد نُشِر عام 1934 وأصبح واحداً من أكثر كتب الأنثروبولوجيا الأكاديمية مبيعاً حتى يومنا هذا؛ لكن برغم هذه السمعة الواسعة التي حازتها بندكت فقد ارتأت جامعة كولومبيا توظيف رجل (هو رالف لنتون Ralph Linton) ليشغل مرتبة الأستاذية الشاغرة، وهو شخصية علمية ناقدة لأعمال بندكت، ولم يحصل أن التقى الاثنان (بندكت ولنتون) في نقطة توفيقية وسطية بينهما حتى نهاية مهنتهما الأكاديمية.
نشرت بندكت عام 1946 كتابها الثاني الذي نال – كما كتابها الأوّل – شهرة عجيبة بين أوسع الحلقات الشعبية. كان عنوان الكتاب «زهرة الأقحوان والسيف The Chrysanthemum and the Sword »، وهو دراسة عن ثقافة اليابان. غادر لنتون جامعة كولومبيا تلك السنة، حينئذ رُقّيت بندكت لمرتبة الأستاذية الكاملة آخر الأمر عام 1948، وماتت عقب ذلك بشهرين متأثرة بنوبة قلبية مفاجئة وهي في الـ61.
الاسم الرابع في هذه القائمة هو زورا نيل هرستون Zora Neale Hurston. التحقت هرستون بكلية برنارد عام 1925 عندما كانت في الـ34 (لا أحد يعرف العمر الحقيقي لهرستون؛ إذ لطالما كذبت بشأن ذلك!)، وبعد تخرجها من الدراسة الأولية التحقت ببرنامج لدراسة الدكتوراه، وقضت فيه سنتين متتاليتين قبل أن تترك الدراسة فيه؛ لكنّها، وبتأثير مباشر من بواس، راحت بعد ذلك تجمع التفاصيل الخاصة بالفلكلور الأفريقي – الأمريكي السائد في منطقة وسط فلوريدا حيث نشأت هناك. نشرت هرستون نتائج عملها عام 1935 في كتاب بعنوان «بغالٌ وحمير Mules and Men» مع مقدّمة له كتبها بواس؛ لكنّ الأهمية الحقيقية لهذا العمل تكمن في أنّه وفّر لها المادة الضرورية للتمثيل المدهش لطريقة الكلام الإفريقية – الأمريكية في روايتها الوحيدة «كانت عيونهم ترقبُ الرب Their Eyes Were Watching God » نُشِرت هذه الرواية عام 1937؛ لكنها اختفت شيئاً فشيئاً من المشهد الروائي الأمريكي والعالمي، ثمّ حدث أن «أعيد اكتشاف» هذه الرواية في سبعينات القرن العشرين، وهي اليوم نصٌّ أساسي في المقررات الدراسية الخاصة بالأدب الإنكليزي.
كانت هرستون عنصراً فاعلاً في حركة نهضة هارلم Harlem Ranaissance التي سعت لإحياء ثقافة الأمريكيين السود في حقول الموسيقى والفن والرقص والموضة والأدب والمسرح والسياسة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، بعد أن جعلت حيّ هارلم النيويوركي قاعدة لانطلاقتها، كما كانت هرستون باحثة كوسموبوليتانية (عالمية) كتبت روايتها «كانت عيونهم ترقبُ الرب» لأنها أرادت أن تقدّم للقرّاء الأمريكيين الشماليين طريقة في الحياة قلّما مرّت أطيافها بالعقلية الأمريكية الشمالية التي تصوّرت أنّ الأمريكيين الأفارقة يعيشون بسعادة في الجنوب الأمريكي، رغم عدم وجود أي صلة ثقافية لهم بالبيض هناك.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».