سعيد بن سلطان البوسعيدي: استراتيجية القطاع الثقافي تنطلق من رؤية عُمان 2040

وكيل وزارة الثقافة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مشروعات تترجم الأهداف والتوجهات

سعيد بن سلطان البوسعيدي
سعيد بن سلطان البوسعيدي
TT

سعيد بن سلطان البوسعيدي: استراتيجية القطاع الثقافي تنطلق من رؤية عُمان 2040

سعيد بن سلطان البوسعيدي
سعيد بن سلطان البوسعيدي

أكد وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب في سلطنة عُمان، سعيد بن سلطان البوسعيدي، أن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الثقافيّة 2021 - 2040 التي اعتمدها الشهر الماضي، السيّد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب، تسعى لتوحيد الجهود لتحقيق التنمية الثقافية وتحويل المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي، ما يعكس الوجه الحضاري للسلطنة من خلال منظومة ثقافية متكاملة مصدّرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع سعيد بن سلطان البوسعيدي عبر التواصل الإلكتروني.

(*) هلّ لكم أن تحدثونا عن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الثقافيّة للسلطنة (2021 - 2040) التي اعتمدها السيّد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب؟
- تمثل الاستراتيجية الثقافية أحد المشاريع التي سعت الوزارة إلى تنفيذها؛ وهي تتكون من جانبين: الأول يتمثل في الإطار التنظيمي الخاص بمحددات العمل الثقافي وأهدافه وتوجهاته؛ والبعد الآخر يتمثل في الخطة التنفيذية، والتي هي محور سؤالكم.
تعد الخطة التنفيذية المنفّذ لمسار الاستراتيجية، وهي - أي الخطة - تتخذ أبعاداً ثقافية مختلفة؛ سواء كانت ضمن النطاق المحلي أو الدولي. ووفق منظومة عمل الاستراتيجيّة؛ ثمة عشرة مشروعات ثقافية تترجم أهداف وتوجهات الاستراتيجية، وكل مشروع يتضمن مجموعة من البرامج والفعاليات وفقاً لأهداف وتوجهات المشروع.
(*) هل نذكر مثالاً؟
- نعم، نذكر مثلاً مشروع «روابط»، وهو مشروع يختص بالمشاركات الثقافية الخارجية وإقامة علاقات ثقافية دولية، والذي ينفذ مجموعة من البرامج والفعاليات الثقافية كالأسابيع الثقافية والمهرجانات الثقافية والفنية والشراكات التي تتم مع المؤسسات الثقافية العربية والدولية. وبالتالي فإن كل ما يتعلق بالبرامج أو الشراكات الخارجية ينطلق من خلال هذا المشروع. الأمر نفسه لباقي المشروعات التي يختصّ كلّ منها بتحقيق مجموعة من أهداف الاستراتيجيّة الثقافيّة للعشرين سنة المقبلة.

- منهج تشاركي
(*) ماذا تضيف هذه الخطة الثقافية في توحيد الجهود الوطنية لتحويل المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي؟
- لا بد من الإشارة أولاً إلى أن العمل على إعداد استراتيجية شاملة للقطاع الثقافي انطلق بشكل أساسي من التوجهات الاستراتيجية لرؤية عمان 2040، وتأخذ في الاعتبار أهمية وجود منهجية عمل ثقافي واضحة تتواءم مع التطلعات الوطنية لتحقيق أهداف رؤية عمان 2040. وعليه، تكوّن هذه الاستراتيجيّة الإطار الذي ينظّم العمل الثقافي في المرحلة المقبلة؛ والمسار التنموي الذي يحدد ملامح المشهد الثقافي العماني.
من هذا المنطلق؛ تبنت الوزارة إعداد هذه الاستراتيجية بمنهج تشاركي داخل المؤسسة وخارجها مع كثير من المؤسسات الحكومية؛ كجامعة السلطان قابوس، والنادي الثقافي، ومؤسسات المجتمع المدني كالجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والمبادرات الثقافية، والمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية، والجمعيات الفنية، إضافة إلى المؤسسات الخاصة كمؤسسة بيت الزبير، وبعض دور النشر العمانية، فضلاً عن الاستبانات التي وزعت على مختلف شرائح المجتمع. كل ذلك من أجل رصد المشهد الثقافي العماني بواقعه وتطلعاته بمختلف المؤسسات المعنية بالعمل الثقافي. وبذلك جاءت الخطة التنفيذية لتحقق تلك التطلعات الخاصة بالمشهد الثقافي باتخاذها «الإبداع والتطوير الثقافي» محوراً رئيسياً في الاستراتيجية وفق منظومة عمل تحقق التمكين والتجديد والإبداع والابتكار والرعاية والدعم؛ وهي العناصر التي تعزز العمل الثقافي.
(*) ألا ترون أن المدى الزمني للخطة (20 عاماً) طويل نسبياً لتحقيق هذه الاستراتيجية؟
- صياغة الاستراتيجية الثقافية جاءت لتتواءم مع أهداف رؤية عمان 2040، لذلك أخذت هذا البعد الزمني. وما يميز هذه الاستراتيجية أنها مرنة تستوعب التطوير والتعديل. يمكن رسم خطة تنفيذية لمشاريع قصيرة الأمد ومشاريع طويلة الأمد ترتكز على التوجيهات والأهداف الخاصة بالاستراتيجية.
(*) كيف تترجمون هذه الأهداف؟
- لترجمة الأهداف والتوجهات الاستراتيجية للخطة؛ فإن الخطة التنفيذية تصوغ مشروعات استراتيجية متعددة تتوافق مع المرحلة المستقبلية للقطاع وتتكامل مع الأهداف التي وضعتها الاستراتيجية، كما أن هذه المشروعات ستدار من قبل إدارة منهجية وفق مؤشرات أداء تسهم في المتابعة والتنفيذ والتقييم، ومن خلال إنشاء «لجنة استشارية» للإشراف على مكونات الخطة الاستراتيجية وتعيين مديرين للمشروعات لمتابعة التنفيذ وسير الأداء. وستخضع المشروعات لنظام متابعة وتقييم من قبل المديريّة المعنية بالوزارة وفقاً للمؤشرات المحددة للمشروعات. هذا التقييم سيتخذ إطاراً زمنياً سنوياً وكذلك كل خمس سنوات.
(*) تقول إن الخطة تعتمد منهجاً تشاركياً بين الوزارة والمؤسسات الثقافية والمهتمّين بالشأن الثقافي بالسلطنة... كيف يمكن تحقيق هذه الشراكة؟
- الاستراتيجية بنيت في صياغتها على هذه الشراكة ضمن المرحلة الأولى الخاصة بإعدادها، ولذلك فإن الشراكة بين الوزارة والمؤسسات الثقافية قائمة ضمن هذا السياق وحاضرة كذلك في مرحلة التنفيذ، حيث إن المؤسسات الثقافية هي سواعد الوزارة في تنفيذ برامجها المستقبلية.
هذه الشراكة كانت حاضرة في كثير من المهرجانات والمعارض الثقافية، فحينما نتحدث عن المهرجانات المسرحية على سبيل المثال، فالجمعية العمانية للمسرح حاضرة، وينطبق الحال على المهرجانات السينمائية التي كانت تدار من قبل الجمعية العمانية للسينما في ذلك الوقت وتموّل من قبل الوزارة، وينطبق الأمر أيضاً على المعارض والمهرجانات الثقافية.

- وجهة ثقافية
(*) لاحظنا أن الخطة الثقافية تتحدث عن رؤية بأن تصبح «عُمان وجهة ثقافية رائدة بهوية راسخة»... ما الذي تنوي السلطنة القيام به لتحقيق هذه الرؤية، في أن تكون وجهة ثقافية في المنطقة؟
- تتميز سلطنة عمان بإرث ثقافي، وتاريخ عميق ينحو نحو مرحلة مضيئة للمشهد الثقافي العماني، ويعدّ مرتكزاً لمشاريع ثقافية ترسّخ مبادئ الهوية الثقافية العمانية، وتبرز امتداد الإبداع الثقافي للإنسان العماني على مر العصور. وتمثل الثقافة بمجالاتها المتعددة أحد القطاعات الحيوية التي تحظى باهتمام كبير من قبل الحكومة وكذلك من مختلف شرائح المجتمع. وتسعى وزارة الثقافة والرياضة والشباب من خلال قطاع الثقافة إلى تحقيق تنمية ثقافية مستدامة يتجلى فيها النمو والتطور والتجديد كعناصر أساسية في تحول المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي. وهذا الطموح في تحقيق هذا التحول يتطلب وجود عمل ممنهج واستراتيجية واضحة وواقعية في تنفيذها من خلال منظومة برامج ثقافية متكاملة مصدّرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى. ولذلك جاءت هذه الرؤية «عمان وجهة ثقافية رائدة بهوية راسخة» لتعكس هذا الطموح المؤسسي للوزارة، بحيث يكون هناك اشتغال حقيقي على المستوى الداخلي من خلال مشروعات عدة تعمل وفق منظومة متجانسة على المستويين المحلي والخارجي.
(*) هل تذكر أمثلة لهذه المشاريع؟
- نعم، نذكر منها مشروع «تكوين» الذي يرتبط بالبُنى والمرافق الثقافية في مختلف محافظات السلطنة، وبخط متوازٍ هناك مشروع «زوايا» الذي يختص بتهيئة البيئة المحفزة للإبداع الثقافي من خلال الملتقيات والمعارض والمهرجانات الثقافية، إضافة إلى المسابقات والجوائز الثقافية التي يقابلها مشروع «روابط» الذي يُعنى بالبعد الخارجي، وينطلق في ذلك من هدف رئيسي ضمن أهداف الاستراتيجية وهو التواصل الثقافي.
(*) تناولت الاستراتيجية 11 مجالاً يعكس النشاط الثقافي في السلطنة، بمحاور ترى أنها تتواءم مع التحوّلات العالميّة، ما هذه المحاور؟
- ركزنا على أن تكون المجالات مواكبة للواقع العالمي الذي يعيشه القطاع الثقافي، لذلك فإن المتتبع للاستراتيجية الثقافية يجد كثيراً من المجالات الثقافية التي أبرزتها هذه الاستراتيجية، مثل: الإبداع والتطوير الثقافي والثقافة والمجتمع، والصناعات الإبداعية الثقافية، والهوية الثقافية، والتنمية الثقافية، واللوائح والتشريعات الثقافية، والتواصل الثقافي.
كما أنه وحرصاً على تعظيم الاستفادة من كل مجال؛ أتت المجالات منبثقة عن المحاور التي بنيت عليها الاستراتيجية، فقد تم وضع تحليل منهجي لهذه المجالات وخلق أهداف استراتيجية لكل منها للمساهمة في تعزيز تلك المجالات وتنويع مفرداتها، كما أنها يمكن أن تستوعب المجالات الأخرى الخاصة بالاستراتيجية.

- التنمية الثقافية
(*) تحدثت وزارة الثقافة حين تدشين الخطة، عن عزمها «تحقيق تنمية ثقافية مستدامة يتجلى فيها النمو والتطور والتجديد كعناصر أساسية في تحول المشهد الثقافي العماني» وعن الطموح في «تحقيق هذا التحول وعياً فكرياً ومعرفياً مجتمعياً قادراً على التعامل مع التحولات التي يشهدها العالم»... ما أسس هذا التحوّل الذي تنشدون الوصول إليه؟
- التنمية الثقافية تعتمد اعتماداً كلياً على المجتمع، فإذا تم تمكين المجتمع وتهيئة الظروف المناسبة، فإن نتائج التنمية ستكون جلية وواضحة، ولذلك فان الأسس التي ستبنى عليها التنمية ستكون من خلال تمكين المعرفة بمختلف وسائلها، وتوفير البيئة الإبداعية المناسبة، بالإضافة إلى رفع كفاءة المتعاملين مع الشأن الثقافي بالمؤسسات الثقافية، وهذا سيسهم بشكل كبير في خلق حراك تنموي وثقافي يتكامل مع توفير مرافق ثقافية حاضنة للبرامج والأنشطة الثقافية بمختلف محافظات السلطنة.
ولذلك فإن التمكين الحقيقي للمجتمع من خلال توفير مقومات التنمية الثقافية التي تمت الإشارة إليها سيسهم في خلق وعي معرفي بمنظور نقدي بناء يستطيع تقييم المشهد، وفقاً لمنظور معرفي حقيقي يواكب التحول ويحسن التعامل معها.
(*) تؤكدون كذلك الحرص على بناء «منظومة ثقافية متكاملة مصدرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى»، إلى أي مدى تقدرون أهمية الانفتاح على الثقافات في السلطنة خصوصاً؟
- الجميع يعلم بأن الإرث الحضاري والثقافي للسلطنة قد انعكس على فكر الإنسان العماني بشكل إيجابي وبناء، وعلى انفتاحه بشكل واضح على مختلف الثقافات، والتعامل بإيجابية مع التنوع الثقافي المحيط.
ولذلك فإن الاستراتيجية الثقافية قد تبنّت في توجهاتها الاستراتيجية رفع مستوى التبادل الثقافي مع مختلف دول العالم انطلاقاً من مبدأ تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي الذي نصت عليه الاتفاقيات الدولية، التي تأتي في مقدمتها اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005م باليونسكو. ولذلك فإن تقدير هذا الانفتاح ليس بجديد على الواقع الثقافي بالسلطنة، خصوصاً أن السلطنة تعد من أوائل الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية، بالإضافة إلى التبادل الثقافي الكبير الذي كان حاضراً في المشهد الثقافي خلال المرحلة الماضية. والاستراتيجية التي تم اعتمادها مؤخراً جاءت لتعزيز هذا الجانب والتأكيد على ثقة السلطنة بمبدأ التبادل والحوار الفكري بين الحضارات والثقافات المختلفة التي تأتي في إطار تصدير الإبداع والانفتاح عليه.
(*) هل لديكم الموارد الكافية لتنفيذ هذه الاستراتيجية؟ وإلى أي مدى تعولون على القطاع الخاص والمبادرات الأهلية في دعم هذه المبادرة ما دمتم تعتمدون منهجاً تشاركياً كما تنص الخطة؟
- الاستراتيجية طويلة المدى، وبالتالي فإن كلفة المشاريع الاستراتيجية بطبيعة الحال تكون مرتفعة التكلفة؛ ولكنها مستدامة. وما يحسب للاستراتيجية الثقافية أنها جاءت مرنة، بحيث يمكن أن تخضع للمراجعات المستمرة ومواءمة أهدافها مع الإمكانات والظروف المختلفة، وبالتالي ننظر إلى الموارد اللازمة للتنفيذ على أنها تحدٍ يمكن التعامل معه بالشكل الذي يمكّن السلطنة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية في القطاع الثقافي بالشكل المأمول.
أما فيما يخص دعم القطاع الخاص في بعض الجوانب، فإننا ندرك ونقدر دور هذا القطاع في دعم كثير من المبادرات الثقافية والأهلية، ونعتقد بأن دوره تكامليّ مع القطاعات الحكومية، حيث لمسنا مؤخراً كثيراً من التجاوب فيما يخص دعم القطاع الثقافي، والذي عادة ما يكون جزئياً؛ ما يجعلنا نؤمن بأن الشراكة والتعاون مبدأ لتحقيق الأهداف.
(*) تهدف الخطة لتحقيق «التنمية الثقافية»، كيف يمكن تعزيز منظومة الاستثمار في الأصول الثقافية؟
- لدينا في وزارة الثقافية والرياضة والشباب برنامج لتعزيز منظومة الاستثمار في القطاع الثقافي؛ حيث سيبدأ العمل على إعداد منظومة تشريعية محفزة وجاذبة للاستثمار الثقافي في السلطنة، مع تعزيز منظومة الإجراءات المرنة التي نهدف من خلالها لأن يكون للقطاع الثقافي دور محوري في تحقيق الأهداف الوطنية على الصعيد الاستثماري.
وفي إطار الحديث عن الاستثمار فإننا في الوزارة سنجعل من استثمار الأصول جزءاً من منظومة استثمار متكاملة تشمل مختلف مجالات الإبداع الثقافي ولا تكون محصورة فقط في الأصول الثقافية، وبالتالي سيتم تحقيق التنمية الثقافية على أصعدة عدّة من بينها الصناعات الثقافية الإبداعية، والعمل على تحفيز المبادرات الاستثمارية المختلفة وتبني كل ما هو مناسب لخدمة الأهداف التنموية للقطاع. ومن هنا يمكن القول إن إعداد منظومة استثمار متكاملة للقطاع الثقافي وبالتعاون مع الجهات ذات الاختصاص سيكون هو المعزز لتحقيق هذه الأهداف.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.