سعيد بن سلطان البوسعيدي: استراتيجية القطاع الثقافي تنطلق من رؤية عُمان 2040

وكيل وزارة الثقافة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مشروعات تترجم الأهداف والتوجهات

سعيد بن سلطان البوسعيدي
سعيد بن سلطان البوسعيدي
TT

سعيد بن سلطان البوسعيدي: استراتيجية القطاع الثقافي تنطلق من رؤية عُمان 2040

سعيد بن سلطان البوسعيدي
سعيد بن سلطان البوسعيدي

أكد وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب في سلطنة عُمان، سعيد بن سلطان البوسعيدي، أن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الثقافيّة 2021 - 2040 التي اعتمدها الشهر الماضي، السيّد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب، تسعى لتوحيد الجهود لتحقيق التنمية الثقافية وتحويل المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي، ما يعكس الوجه الحضاري للسلطنة من خلال منظومة ثقافية متكاملة مصدّرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع سعيد بن سلطان البوسعيدي عبر التواصل الإلكتروني.

(*) هلّ لكم أن تحدثونا عن الخطة التنفيذية للاستراتيجية الثقافيّة للسلطنة (2021 - 2040) التي اعتمدها السيّد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب؟
- تمثل الاستراتيجية الثقافية أحد المشاريع التي سعت الوزارة إلى تنفيذها؛ وهي تتكون من جانبين: الأول يتمثل في الإطار التنظيمي الخاص بمحددات العمل الثقافي وأهدافه وتوجهاته؛ والبعد الآخر يتمثل في الخطة التنفيذية، والتي هي محور سؤالكم.
تعد الخطة التنفيذية المنفّذ لمسار الاستراتيجية، وهي - أي الخطة - تتخذ أبعاداً ثقافية مختلفة؛ سواء كانت ضمن النطاق المحلي أو الدولي. ووفق منظومة عمل الاستراتيجيّة؛ ثمة عشرة مشروعات ثقافية تترجم أهداف وتوجهات الاستراتيجية، وكل مشروع يتضمن مجموعة من البرامج والفعاليات وفقاً لأهداف وتوجهات المشروع.
(*) هل نذكر مثالاً؟
- نعم، نذكر مثلاً مشروع «روابط»، وهو مشروع يختص بالمشاركات الثقافية الخارجية وإقامة علاقات ثقافية دولية، والذي ينفذ مجموعة من البرامج والفعاليات الثقافية كالأسابيع الثقافية والمهرجانات الثقافية والفنية والشراكات التي تتم مع المؤسسات الثقافية العربية والدولية. وبالتالي فإن كل ما يتعلق بالبرامج أو الشراكات الخارجية ينطلق من خلال هذا المشروع. الأمر نفسه لباقي المشروعات التي يختصّ كلّ منها بتحقيق مجموعة من أهداف الاستراتيجيّة الثقافيّة للعشرين سنة المقبلة.

- منهج تشاركي
(*) ماذا تضيف هذه الخطة الثقافية في توحيد الجهود الوطنية لتحويل المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي؟
- لا بد من الإشارة أولاً إلى أن العمل على إعداد استراتيجية شاملة للقطاع الثقافي انطلق بشكل أساسي من التوجهات الاستراتيجية لرؤية عمان 2040، وتأخذ في الاعتبار أهمية وجود منهجية عمل ثقافي واضحة تتواءم مع التطلعات الوطنية لتحقيق أهداف رؤية عمان 2040. وعليه، تكوّن هذه الاستراتيجيّة الإطار الذي ينظّم العمل الثقافي في المرحلة المقبلة؛ والمسار التنموي الذي يحدد ملامح المشهد الثقافي العماني.
من هذا المنطلق؛ تبنت الوزارة إعداد هذه الاستراتيجية بمنهج تشاركي داخل المؤسسة وخارجها مع كثير من المؤسسات الحكومية؛ كجامعة السلطان قابوس، والنادي الثقافي، ومؤسسات المجتمع المدني كالجمعية العمانية للكتاب والأدباء، والمبادرات الثقافية، والمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية، والجمعيات الفنية، إضافة إلى المؤسسات الخاصة كمؤسسة بيت الزبير، وبعض دور النشر العمانية، فضلاً عن الاستبانات التي وزعت على مختلف شرائح المجتمع. كل ذلك من أجل رصد المشهد الثقافي العماني بواقعه وتطلعاته بمختلف المؤسسات المعنية بالعمل الثقافي. وبذلك جاءت الخطة التنفيذية لتحقق تلك التطلعات الخاصة بالمشهد الثقافي باتخاذها «الإبداع والتطوير الثقافي» محوراً رئيسياً في الاستراتيجية وفق منظومة عمل تحقق التمكين والتجديد والإبداع والابتكار والرعاية والدعم؛ وهي العناصر التي تعزز العمل الثقافي.
(*) ألا ترون أن المدى الزمني للخطة (20 عاماً) طويل نسبياً لتحقيق هذه الاستراتيجية؟
- صياغة الاستراتيجية الثقافية جاءت لتتواءم مع أهداف رؤية عمان 2040، لذلك أخذت هذا البعد الزمني. وما يميز هذه الاستراتيجية أنها مرنة تستوعب التطوير والتعديل. يمكن رسم خطة تنفيذية لمشاريع قصيرة الأمد ومشاريع طويلة الأمد ترتكز على التوجيهات والأهداف الخاصة بالاستراتيجية.
(*) كيف تترجمون هذه الأهداف؟
- لترجمة الأهداف والتوجهات الاستراتيجية للخطة؛ فإن الخطة التنفيذية تصوغ مشروعات استراتيجية متعددة تتوافق مع المرحلة المستقبلية للقطاع وتتكامل مع الأهداف التي وضعتها الاستراتيجية، كما أن هذه المشروعات ستدار من قبل إدارة منهجية وفق مؤشرات أداء تسهم في المتابعة والتنفيذ والتقييم، ومن خلال إنشاء «لجنة استشارية» للإشراف على مكونات الخطة الاستراتيجية وتعيين مديرين للمشروعات لمتابعة التنفيذ وسير الأداء. وستخضع المشروعات لنظام متابعة وتقييم من قبل المديريّة المعنية بالوزارة وفقاً للمؤشرات المحددة للمشروعات. هذا التقييم سيتخذ إطاراً زمنياً سنوياً وكذلك كل خمس سنوات.
(*) تقول إن الخطة تعتمد منهجاً تشاركياً بين الوزارة والمؤسسات الثقافية والمهتمّين بالشأن الثقافي بالسلطنة... كيف يمكن تحقيق هذه الشراكة؟
- الاستراتيجية بنيت في صياغتها على هذه الشراكة ضمن المرحلة الأولى الخاصة بإعدادها، ولذلك فإن الشراكة بين الوزارة والمؤسسات الثقافية قائمة ضمن هذا السياق وحاضرة كذلك في مرحلة التنفيذ، حيث إن المؤسسات الثقافية هي سواعد الوزارة في تنفيذ برامجها المستقبلية.
هذه الشراكة كانت حاضرة في كثير من المهرجانات والمعارض الثقافية، فحينما نتحدث عن المهرجانات المسرحية على سبيل المثال، فالجمعية العمانية للمسرح حاضرة، وينطبق الحال على المهرجانات السينمائية التي كانت تدار من قبل الجمعية العمانية للسينما في ذلك الوقت وتموّل من قبل الوزارة، وينطبق الأمر أيضاً على المعارض والمهرجانات الثقافية.

- وجهة ثقافية
(*) لاحظنا أن الخطة الثقافية تتحدث عن رؤية بأن تصبح «عُمان وجهة ثقافية رائدة بهوية راسخة»... ما الذي تنوي السلطنة القيام به لتحقيق هذه الرؤية، في أن تكون وجهة ثقافية في المنطقة؟
- تتميز سلطنة عمان بإرث ثقافي، وتاريخ عميق ينحو نحو مرحلة مضيئة للمشهد الثقافي العماني، ويعدّ مرتكزاً لمشاريع ثقافية ترسّخ مبادئ الهوية الثقافية العمانية، وتبرز امتداد الإبداع الثقافي للإنسان العماني على مر العصور. وتمثل الثقافة بمجالاتها المتعددة أحد القطاعات الحيوية التي تحظى باهتمام كبير من قبل الحكومة وكذلك من مختلف شرائح المجتمع. وتسعى وزارة الثقافة والرياضة والشباب من خلال قطاع الثقافة إلى تحقيق تنمية ثقافية مستدامة يتجلى فيها النمو والتطور والتجديد كعناصر أساسية في تحول المشهد الثقافي العماني إلى واجهة للإبداع والتنوع الثقافي. وهذا الطموح في تحقيق هذا التحول يتطلب وجود عمل ممنهج واستراتيجية واضحة وواقعية في تنفيذها من خلال منظومة برامج ثقافية متكاملة مصدّرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى. ولذلك جاءت هذه الرؤية «عمان وجهة ثقافية رائدة بهوية راسخة» لتعكس هذا الطموح المؤسسي للوزارة، بحيث يكون هناك اشتغال حقيقي على المستوى الداخلي من خلال مشروعات عدة تعمل وفق منظومة متجانسة على المستويين المحلي والخارجي.
(*) هل تذكر أمثلة لهذه المشاريع؟
- نعم، نذكر منها مشروع «تكوين» الذي يرتبط بالبُنى والمرافق الثقافية في مختلف محافظات السلطنة، وبخط متوازٍ هناك مشروع «زوايا» الذي يختص بتهيئة البيئة المحفزة للإبداع الثقافي من خلال الملتقيات والمعارض والمهرجانات الثقافية، إضافة إلى المسابقات والجوائز الثقافية التي يقابلها مشروع «روابط» الذي يُعنى بالبعد الخارجي، وينطلق في ذلك من هدف رئيسي ضمن أهداف الاستراتيجية وهو التواصل الثقافي.
(*) تناولت الاستراتيجية 11 مجالاً يعكس النشاط الثقافي في السلطنة، بمحاور ترى أنها تتواءم مع التحوّلات العالميّة، ما هذه المحاور؟
- ركزنا على أن تكون المجالات مواكبة للواقع العالمي الذي يعيشه القطاع الثقافي، لذلك فإن المتتبع للاستراتيجية الثقافية يجد كثيراً من المجالات الثقافية التي أبرزتها هذه الاستراتيجية، مثل: الإبداع والتطوير الثقافي والثقافة والمجتمع، والصناعات الإبداعية الثقافية، والهوية الثقافية، والتنمية الثقافية، واللوائح والتشريعات الثقافية، والتواصل الثقافي.
كما أنه وحرصاً على تعظيم الاستفادة من كل مجال؛ أتت المجالات منبثقة عن المحاور التي بنيت عليها الاستراتيجية، فقد تم وضع تحليل منهجي لهذه المجالات وخلق أهداف استراتيجية لكل منها للمساهمة في تعزيز تلك المجالات وتنويع مفرداتها، كما أنها يمكن أن تستوعب المجالات الأخرى الخاصة بالاستراتيجية.

- التنمية الثقافية
(*) تحدثت وزارة الثقافة حين تدشين الخطة، عن عزمها «تحقيق تنمية ثقافية مستدامة يتجلى فيها النمو والتطور والتجديد كعناصر أساسية في تحول المشهد الثقافي العماني» وعن الطموح في «تحقيق هذا التحول وعياً فكرياً ومعرفياً مجتمعياً قادراً على التعامل مع التحولات التي يشهدها العالم»... ما أسس هذا التحوّل الذي تنشدون الوصول إليه؟
- التنمية الثقافية تعتمد اعتماداً كلياً على المجتمع، فإذا تم تمكين المجتمع وتهيئة الظروف المناسبة، فإن نتائج التنمية ستكون جلية وواضحة، ولذلك فان الأسس التي ستبنى عليها التنمية ستكون من خلال تمكين المعرفة بمختلف وسائلها، وتوفير البيئة الإبداعية المناسبة، بالإضافة إلى رفع كفاءة المتعاملين مع الشأن الثقافي بالمؤسسات الثقافية، وهذا سيسهم بشكل كبير في خلق حراك تنموي وثقافي يتكامل مع توفير مرافق ثقافية حاضنة للبرامج والأنشطة الثقافية بمختلف محافظات السلطنة.
ولذلك فإن التمكين الحقيقي للمجتمع من خلال توفير مقومات التنمية الثقافية التي تمت الإشارة إليها سيسهم في خلق وعي معرفي بمنظور نقدي بناء يستطيع تقييم المشهد، وفقاً لمنظور معرفي حقيقي يواكب التحول ويحسن التعامل معها.
(*) تؤكدون كذلك الحرص على بناء «منظومة ثقافية متكاملة مصدرة للإبداع ومنفتحة على الثقافات الإنسانية الأخرى»، إلى أي مدى تقدرون أهمية الانفتاح على الثقافات في السلطنة خصوصاً؟
- الجميع يعلم بأن الإرث الحضاري والثقافي للسلطنة قد انعكس على فكر الإنسان العماني بشكل إيجابي وبناء، وعلى انفتاحه بشكل واضح على مختلف الثقافات، والتعامل بإيجابية مع التنوع الثقافي المحيط.
ولذلك فإن الاستراتيجية الثقافية قد تبنّت في توجهاتها الاستراتيجية رفع مستوى التبادل الثقافي مع مختلف دول العالم انطلاقاً من مبدأ تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي الذي نصت عليه الاتفاقيات الدولية، التي تأتي في مقدمتها اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005م باليونسكو. ولذلك فإن تقدير هذا الانفتاح ليس بجديد على الواقع الثقافي بالسلطنة، خصوصاً أن السلطنة تعد من أوائل الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية، بالإضافة إلى التبادل الثقافي الكبير الذي كان حاضراً في المشهد الثقافي خلال المرحلة الماضية. والاستراتيجية التي تم اعتمادها مؤخراً جاءت لتعزيز هذا الجانب والتأكيد على ثقة السلطنة بمبدأ التبادل والحوار الفكري بين الحضارات والثقافات المختلفة التي تأتي في إطار تصدير الإبداع والانفتاح عليه.
(*) هل لديكم الموارد الكافية لتنفيذ هذه الاستراتيجية؟ وإلى أي مدى تعولون على القطاع الخاص والمبادرات الأهلية في دعم هذه المبادرة ما دمتم تعتمدون منهجاً تشاركياً كما تنص الخطة؟
- الاستراتيجية طويلة المدى، وبالتالي فإن كلفة المشاريع الاستراتيجية بطبيعة الحال تكون مرتفعة التكلفة؛ ولكنها مستدامة. وما يحسب للاستراتيجية الثقافية أنها جاءت مرنة، بحيث يمكن أن تخضع للمراجعات المستمرة ومواءمة أهدافها مع الإمكانات والظروف المختلفة، وبالتالي ننظر إلى الموارد اللازمة للتنفيذ على أنها تحدٍ يمكن التعامل معه بالشكل الذي يمكّن السلطنة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية في القطاع الثقافي بالشكل المأمول.
أما فيما يخص دعم القطاع الخاص في بعض الجوانب، فإننا ندرك ونقدر دور هذا القطاع في دعم كثير من المبادرات الثقافية والأهلية، ونعتقد بأن دوره تكامليّ مع القطاعات الحكومية، حيث لمسنا مؤخراً كثيراً من التجاوب فيما يخص دعم القطاع الثقافي، والذي عادة ما يكون جزئياً؛ ما يجعلنا نؤمن بأن الشراكة والتعاون مبدأ لتحقيق الأهداف.
(*) تهدف الخطة لتحقيق «التنمية الثقافية»، كيف يمكن تعزيز منظومة الاستثمار في الأصول الثقافية؟
- لدينا في وزارة الثقافية والرياضة والشباب برنامج لتعزيز منظومة الاستثمار في القطاع الثقافي؛ حيث سيبدأ العمل على إعداد منظومة تشريعية محفزة وجاذبة للاستثمار الثقافي في السلطنة، مع تعزيز منظومة الإجراءات المرنة التي نهدف من خلالها لأن يكون للقطاع الثقافي دور محوري في تحقيق الأهداف الوطنية على الصعيد الاستثماري.
وفي إطار الحديث عن الاستثمار فإننا في الوزارة سنجعل من استثمار الأصول جزءاً من منظومة استثمار متكاملة تشمل مختلف مجالات الإبداع الثقافي ولا تكون محصورة فقط في الأصول الثقافية، وبالتالي سيتم تحقيق التنمية الثقافية على أصعدة عدّة من بينها الصناعات الثقافية الإبداعية، والعمل على تحفيز المبادرات الاستثمارية المختلفة وتبني كل ما هو مناسب لخدمة الأهداف التنموية للقطاع. ومن هنا يمكن القول إن إعداد منظومة استثمار متكاملة للقطاع الثقافي وبالتعاون مع الجهات ذات الاختصاص سيكون هو المعزز لتحقيق هذه الأهداف.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.