العراق: عودة الجدل حول «الكتلة الأكبر»... وملامح أزمة حول الحكومة المقبلة

مفوضية الانتخابات تبدأ العد والفرز اليدوي في 140 محطة ببغداد

فرز أصوات المقترعين يدوياً في بغداد أمس (أ.ب)
فرز أصوات المقترعين يدوياً في بغداد أمس (أ.ب)
TT

العراق: عودة الجدل حول «الكتلة الأكبر»... وملامح أزمة حول الحكومة المقبلة

فرز أصوات المقترعين يدوياً في بغداد أمس (أ.ب)
فرز أصوات المقترعين يدوياً في بغداد أمس (أ.ب)

بينما بدأت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق عمليات العد والفرز اليدوي لـ140 محطة في الكرخ والرصافة ببغداد، لم يكن قد جرى عدّها وفرزها إلكترونياً، أعلن «ائتلاف دولة القانون»، بزعامة نوري المالكي، أنه يجري اتصالات مع قوى عديدة من أجل تكوين الكتلة الأكبر في البرلمان المقبل، الأمر الذي يوحي بأزمة سياسية مرتقبة في خصوص مهمة تشكيل الحكومة الجديدة التي يُفترض أن تُمنح للتيار الصدري، كونه فاز بأكبر عدد من النواب في البرلمان الجديد.
ونقلت «وكالة الأنباء العراقية» عن مدير الإجراءات في مفوضية الانتخابات داود سلمان أن المفوضية ستبدأ «في إجراءات العد والفرز اليدوي بالكرخ والرصافة، وإعلان النتائج ستكون خلال سبعة أيام». وأضاف أنه «بعد إكمال المفوضية إرسال جميع النتائج والنظر بالطعون سيصادق مجلس المفوضين على النتائج وتعلن للجميع». وأشار إلى أن «العد والفرز اليدوي سيكون لـ140 محطة فقط، التي لم تخزن نتائجها في عصا الذاكرة ولم ترسل عبر القمر الصناعي».
وكانت النتائج الأولية التي أعلنتها مفوضية الانتخابات، قبل يومين، أظهرت تقدماً كبيراً لتيار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، يليه «ائتلاف دولة القانون»، بزعامة المالكي، على الجبهة الشيعية، مقابل تراجع كبير للقوى الموالية لإيران وفي مقدمها كتلة «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري. وبينما تقدّم في الطرف السني حزب «تقدّم» بزعامة محمد الحلبوسي الذي ألحق هزيمة كبيرة بغريمه «تحالف عزم» بزعامة رجل الأعمال خميس الخنجر، فإن «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود بارزاني، حقق في الجبهة الكردية تقدماً لافتاً على حساب خصمه «الاتحاد الوطني الكردستاني». وبينما نالت هذه النتائج استحسان القوى التي انتصرت، فإنها، في المقابل، أغضبت الخاسرين إلى الحد الذي بات كثيرون منهم يهددون باستخدام القوة لحماية ما سموه «العملية السياسية».
وفي مقدم هؤلاء الفصائل المسلحة الموالية لإيران حيث ألحقت الانتخابات خسارة قاسية بجناحها السياسي «تحالف الفتح».
وكانت مفوضية الانتخابات التي قيل إنها استعجلت في إعلان النتائج حتى بافتراض أنها أولية قبل استكمال عملية العد والفرز في المحطات المتبقية، أوضحت أن النتائج التي أعلنتها إنما هي أولية وقابلة للطعن، ومنحت أصحاب الطعون والشكاوى مدة 3 أيام لتقديم طعونهم. ويستغرق إعلان النتائج النهائية نحو 20 يوماً قبل مصادقة المحكمة الاتحادية عليها، وبدء الجلسة الأولى للبرلمان الجديد. وكان عدد من الزعامات والقيادات العراقية التي مُنيت بخسارة كبيرة، باستثناء زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، هاجمت مفوضية الانتخابات. وبين هؤلاء إياد علاوي، رئيس الوزراء السابق، الذي منيت ابنته سارة بخسارة قاسية، رغم أن علاوي وضع كل ثقله من أجل فوزها حتى بعد إعلان ائتلافه «الوطنية» مقاطعة الانتخابات. كما هاجم المفوضية زعيم «تحالف الفتح» هادي العامري الذي وصف الانتخابات بـ«المفبركة». كذلك هاجمها رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وقيادات أخرى في «تحالف الفتح» والفصائل المسلحة.
ورغم أن عمليات العد والفرز اليدوي والطعون أسفرت عن حصول زيادة في مقاعد «تحالف الفتح» من 14 مقعداً إلى 17 مقعداً، فإن الصدريين الذين حصلوا على 73 مقعداً يبقون الكتلة الأكبر التي يتعين عليها تشكيل الحكومة الجديدة.
وفي هذا الإطار، عاد الجدل من جديد بشأن «الكتلة الأكبر». ففيما يرى الصدريون أن الكتلة الأكبر هي القائمة الفائزة بأعلى الأصوات، فإن خصمهم «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي يرى أن الكتلة الأكبر هي التي ستتشكل داخل مجلس النواب من كتل وقوائم مختلفة. ويقول الخبير القانوني العراقي طارق حرب، في بيان، إن «الكتلة الصدرية هي الكتلة الأكثر عدداً التي ستكلف بتشكيل الحكومة طبقاً للمادة 45 من قانون انتخابات النواب والمادة 76 من الدستور». وأضاف أن «رئيس الجمهورية الذي سيتم انتخابه من البرلمان ملزم بتكليف الكتلة الصدرية دون سواها من الكتل لترشيح المكلف بتشكيل الحكومة، لأن النتائج الانتخابية أظهرت تفوق هذه الكتلة على الكتل الأخرى»، مشيراً إلى أن «تفسير المحكمة الاتحادية العليا قد تم ضبطه وتحديده في المادة (45) من قانون الانتخابات الجديد رقم 9 لسنة 2020»، التي منعت انتقال عضوية نواب من كتلة إلى أخرى، وهو أمر ساهم سابقاً في اضطراب عملية تحديد الكتلة الأكثر عدداً في البرلمان. وتابع أن «منع الانتقال للعضو أو للأعضاء من كتلة كاملة يعني أن الكتل النيابية تكون أعدادها ثابتة ولا تتغير، كما وردت في النتائج النهائية، ولا يمكن زيادتها بالانتقال الذي منعته المادة المذكورة. وحيث إن الكتلة الصدرية الأعلى عدداً من الفائزين، لذا فإنها ضمنت تكليف رئيس الجمهورية لها».
وأوضح حرب أن «الانتقال يختلف عن الائتلاف؛ فالأول يتم حسابه كعضو في الكتلة المنقول إليها، والائتلاف لا يضيف شيئاً إلى أعداد الكتل، لأن الائتلاف يُبقِي على نفس عدد الأعضاء للكتل دون تغيير، إذ تبقى الكتلة على أعدادها دون زيادة». وأكد أن «ما حصل في انتخابات 2010 عندما نال المالكي 89 صوتاً وعلاوي 91 صوتاً، ولكن الانتقال (انتقال نواب من كتلة إلى أخرى) كان مفتوحاً، لذلك انتقل عدد من الأعضاء للمالكي ما جعل أعداد كتلته أكثر من 100 صوت، أي أكثر من عدد أصوات علاوي، ما ترتب عليه تكليف المالكي بتشكيل الحكومة».
أما الخبير القانوني علي التميمي، فقد أوضح لـ«وكالة الأنباء العراقية» (واع) أن «تفسيرات المحكمة الاتحادية العليا 2010 و2014 تؤكد أن الكتلة الأكثر عدداً هي إما التي تكونت بعد الانتخابات من قائمة واحدة، أو التي تكونت من قائمتين أو أكثر، فأصبحت الكتلة الأكثر عدداً في الجلسة الأولى بعد أداء اليمين». وأضاف أنه «بعد صدور قانون الانتخابات 9 لسنة 2020 في المادة 45 التي منعت الكتل والأحزاب والكيانات من الانتقال إلى كتلة أو حزب آخر إلا بعد تشكيل الحكومة التي أجازت الائتلافات بين الكتل، أي أن الشرط الثاني من تفسير المحكمة الاتحادية العليا وفق مادة 45 أصبح معطلاً بسبب منع الانتقالات، ولكن الشطر الثاني من هذه المادة أجاز الائتلاف بين الكتل والأحزاب، وهي غير التكتل أو التجمع الذي يشير له تفسير المحكمة الاتحادية العليا؛ لأن هذا يعني أن تحتفظ كل كتلة بكيانها دون أن تصبح مع الآخرين كتلة واحدة»، لافتاً إلى أن «الهدف من هذه الائتلاف هو الوصول إلى الأغلبية المطلقة».
وأشار إلى أن «الكتلة الأكثر عدداً هي التي تفوز بأكثر الأصوات ابتداء، وهي التي سيخرج منها رئيس مجلس الوزراء والوزراء».
من جانبه، أكد الباحث في الشأن السياسي وائل الركابي، لـ«وكالة الأنباء العراقية» أن «تفسير المحكمة الاتحادية ما زال قائماً بخصوص تشخيص ما هي الكتلة الأكثر عدداً، ولم يحدد الكتلة الفائزة في الانتخابات». وأضاف أن «قانون الانتخابات غير معني بالكتلة النيابية الأكثر عدداً، بمعنى أن الكتلة الفائزة لا يحق لها تشكيل الحكومة»، لافتاً إلى أن «تحالفات داخل قبة البرلمان سينتج عنها رئيس الوزراء المقبل، وفقاً للمادة 76 في القانون العراقي».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.