تصاعد الدعوات لإزاحة لاشيت من جميع مناصبه... وميركل صامتة

المستشارة السابقة ستستمر بـ«صقل العلاقات الخارجية» حتى تشكيل الحكومة الجديدة

قالت ميركل في اجتماع داخلي للحزب إن وضع «عدم الاستقرار» يجب أن ينتهي بسرعة حول الحكومة المقبلة (أ.ب)
قالت ميركل في اجتماع داخلي للحزب إن وضع «عدم الاستقرار» يجب أن ينتهي بسرعة حول الحكومة المقبلة (أ.ب)
TT

تصاعد الدعوات لإزاحة لاشيت من جميع مناصبه... وميركل صامتة

قالت ميركل في اجتماع داخلي للحزب إن وضع «عدم الاستقرار» يجب أن ينتهي بسرعة حول الحكومة المقبلة (أ.ب)
قالت ميركل في اجتماع داخلي للحزب إن وضع «عدم الاستقرار» يجب أن ينتهي بسرعة حول الحكومة المقبلة (أ.ب)

لم يستفق بعد حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من صدمة الخسارة الانتخابية التي مني بها الأحد الماضي. وفيما تتصاعد الدعوات داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي للمرشح الخاسر أرمين لاشيت للاستقالة، تكمل ميركل عملها من مقر المستشارية من دون أي تعليق رسمي على خسارة حزبها التاريخية، رغم مرور أيام على صدور النتائج التي أظهرت فوز الحزب الاشتراكي بفارق ضئيل عن حزبها. وفيما تبقى ميركل صامتة، خرج المتحدث باسمها شتيفان زايبرت ليتحدث للصحافيين أمس في مؤتمره الصحافي الدوري وسئل عن «صمت» ميركل هذا، فرد قائلاً إن الأمور تسير بحسب القوانين الدستورية والتقليد المعتمد منذ عقود، ليضيف بأن المستشارة «ووزرائها يقومون بعملهم حتى تشكيل الحكومة الجديدة وتسلمها السلطة».
وأكمل زايبرت بأن أمام الحكومة مهمات كثيرة عليها إكمالها مثل تطبيق إعانات الفياضات والتعامل مع وباء «كورونا»، وهي ستستمر بذلك. ويبدو بأن ميركل لن تجلس من دون إلهاء نفسها بانتظار تشكيل الحكومة، فهي ستستمر بـ«صقل العلاقات الخارجية»، بحسب المتحدث باسمها، من خلال سفرات خارجية ولقاءات وحوارات مع رؤساء دول وحكومات. وعدا عن ذلك، قال زايبرت: «لا يمكن التنبؤ بما سيحدث».
ولم تواجه ميركل الصحافيين بعد منذ صدور النتائج عندما شوهدت وهي تدخل مقر الاتحاد المسيحي الديمقراطي مساء قبيل بدء إعلان النتائج الأولية، ووجهها كان عابساً قلقاً. وفي اليوم الثاني تسرب بأنها قالت في اجتماع داخلي للحزب، إن وضع «عدم الاستقرار» يجب أن ينتهي بسرعة وأن على الحزبين الصغيرين الخضر والليبراليين اتخاذ القرار بسرعة حول الحكومة المقبلة. وبات هذان الحزبان يمسكان بمصير خليفة ميركل، بحسب مع من يقرران الدخول في الحكومة. وقانونياً، ليس هناك ما يمنع لاشيت من قيادة الحكومة رغم أن حزبه حل ثانيا بـ24.1 في المائة وبخسارة قرابة 9 في المائة من الأصوات عن الانتخابات الماضية عام 2017. ويبدو بأن لاشيت نفسه ما زال مقتنعاً بإمكانية حصول ذلك، خاصة أن الليبراليين كانوا عبروا خلال الحملة الانتخابية عن تفضيلهم الحكم مع الاتحاد المسيحي وليس الاشتراكيين. وما زال المرشح الخاسر يتحدث عن استعداده لتقديم خطة للحكم سوياً إلى جانب الخضر الذين حصلوا على 15 في المائة من الأصوات والليبراليين الذين حصلوا على 11.5 في المائة.
إصرار لاشيت هذا على أنه ما زال قادراً على دخول المستشارية، ورفضه حتى تقديم التهنئة لأولاف شولتز مرشح الاشتراكيين الفائز، دفع بأعضاء داخل الاتحاد المسيحي لانتقاده. وكان الانتقاد الأقسى من ماركوس زودر زعيم حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي البافاري الشقيق، والذي نافس لاشيت على الترشح لمنصب المستشارية ولكنه فشل بالحصول على التسمية. وقال زودر تعليقاً على استمرار سعي لاشيت لتشكيل حكومة: «من الواضح أن أولاف شولتز لديه الحظ الأوفر لكي يصبح المستشار»، مضيفاً أن الاتحاد المسيحي مني بـ«هزيمة خطيرة» في انتخابات الأحد.
وحتى الحزب الليبرالي الديمقراطي يبدو أنه لم يعد متحمساً كثيراً لتشكيل حكومة مع لاشيت. وقد قال نائب رئيس البرلمان فولفغانغ كوبيكي المنتمي للحزب الليبرالي، في تصريحات صحافية يوم أمس، بأنه لا يتوقع حتى أن يصمد لاشيت في منصبه كزعيم الحزب لأكثر من أسبوع «لأن سلطته الآن محل تساؤل»، ومن الواضح أنه لم يعد يحظى بتأييد أغلبية حزبه. وعندما سئل عن إمكانية دخول الليبراليين والخضر في حكومة برئاسة لاشيت، قال إن حظوظ هكذا حكومة «تضاءلت الآن». وليس حزب لاشيت وحده ولا الليبراليين من يعتقدون بأن حظوظ الرجل باتت شبه معدومة، بل أيضاً أغلبية الألمان، بحسب استطلاع للرأي أجراه معهد يو غوف. وأظهر الاستطلاع أن 68 في المائة من الألمان يعتقدون بأن على لاشيت أن يستقيل من جميع المناصب التي يشغلها، أي زعامة الحزب ورئاسة حكومة ولاية شمال الراين فستفاليا.
وفيما يواصل الاتحاد المسيحي جهود التصالح مع خسارته الأكبر منذ 70 عاماً، بدأ الحزبان الصغيران الخضر والليبراليين مشاورات سوياً لاكتشاف «أرضية مشتركة» يمكن على أساسها الحكم سوياً. ورغم الخلافات الآيديولوجية الكبيرة بين الطرفين، فقد عقد الحزبان لقاء أول بينهما بقيا متكتمين على نتائجه. ولكن صورة واحدة خرجت من هذا الاجتماع تقول لوحدها الكثير.
وفي صورة الـ«سيلفي» يبدو فيها ملتقطها أمين عام الحزب الليبرالي فولكر فيسينغ وإلى جانبه مرشحة حزب الخضر الخاسرة أنالينا بيروبوك وخلفها زعيم الليبراليين كريستيان ليندر، وإلى جانبها الزعيم المشترك لحزب الخضر كريستيان هابيك. الأربعة كلهم نشروا الصورة نفسها على مواقعهم للتواصل الاجتماعي في الوقت نفسه ومصحوبة بالتعليق نفسه: «بحثاً عن حكومة جديدة، نحن نستكشف أرضية مشتركة وجسوراً لتخطي الخلافات. وحتى أننا وجدنا بعضها. أوقات مثيرة». لم يعلق الأربعة أكثر من ذلك، واكتفى متحدثان باسم الخضر والليبراليين بتكرار الجملة نفسها، والقول إنها «كانت محادثات سرية وطويلة وجرت في مكان حيادي».
ولكن الصورة توحي بأن الاجتماع الأول على الأقل جرى بشكل جيد وبأن الحزبين قد يكونا اقتربا من الإعلان عن تفضيلهما الدخول في محادثات لتشكيل الحكومة مع شولتز أو لاشيت، علماً بأن الخيار الأخير أصبح مستبعداً. وعلى أي حال، فإن الحزب الاشتراكي يهيئ نفسه للدخول في مفاوضات مع الحزبين ابتداء من الأسبوع المقبل، وقال وزير الدولة للشؤون المالية فولفغانغ شميت المنتمي للحزب الاشتراكي، إنه يعتقد بأن المشاورات مع الخضر والليبراليين ستبدأ في الأسبوع المقبل أو الذي يليه. ورغم أن شولتز كان حدد لنفسه ليلة النتائج مهلة زمنية لتشكل الحكومة تنتهي مع نهاية العام، فإن المشاورات قد تطول أكثر من ذلك بعد. وتبقى ميركل طوال هذه الفترة في منصبها، تقضي أيامها الأخيرة مستشارة لألمانيا قبل أن تتقاعد من العمل السياسي.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».