خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها سُئلت لمَ لمْ تصبح شاعرة فأجابهم والدها {الشعر موهبة لا تورث}

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
TT

خيال الجواهري: هذا النص الشائع لم يكتبه أبي

خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري
خيال الجواهري - محمد مهدي الجواهري

تشارك الدكتورة خيال الجواهري، كريمة الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، في معرض الرياض الدولي للكتاب، حضوراً ومشاركةً في الفعاليات الثقافية، حيث تلقي جانباً من سيرة الجواهري ضمن أمسية بعنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية». وهذه ثاني زيارة لها للسعودية؛ الأولى في عام 1994 أثناء مرافقة والدها الجواهري في مهرجان الجنادرية، وهذه المرة حيث يحتفي معرض الكتاب بالعراق ضيف شرف المعرض.
الدكتورة خيال هي ثالث بنات الجواهري من زوجته الثانية «أمونة» ابنة عمه الشيخ جعفر الجواهري إلى جانب نجاح وكفاح وظلال. وقد تزوج قبلها شقيقتها «مناهل» التي توفيت عام 1939، وأنجبت له فرات وفلاح، ورثاها في قصيدة رائعة بعنوان: «ناجيتُ قبرك»، ومطلعها:
«في ذِمَة اللهِ ما ألقَى وما أَجِــدُ / أهذهِ صَخرة أم هذهِ كَبِدُ»،
وفيها يقول:
«قدْ يقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُـدوا / عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِــدوا».
أما زوجته الثانية «أمونة» والدة الدكتورة خيال، فقد اقترنَ بها الجواهري عام 1939 بعد رحيل أختها «مناهل». وقد أنجبت له ولدين: نجاح وكفاح، وابنتين د.خيال وظلال...
وفيها كتب قصيدته: «حبيبتي»، وذلك في بغداد عام 1973، ومطلعها:
«حَبِيبَتي منذُ كان الحب فـي سَحَرٍ حلوَ النسائمِ حتى عَقهُ الشفقُ
ومذ تلاقى جَناحانا على فَنَنٍ منه إلى العالم المسحورِ ننطلقُ
نَصونُ عهد ضميرَيْنا وبينهما نجوى بها همساتُ الروح تُستَرَقُ
ولما توفيت عام 1992 رثاها بقصيدة، بنفس قافية قصيدة «حبيبتي»، قال فيها:
«ها نحنُ أمونة ننأى ونفترقُ والليلُ يمكثُ والتسهيدُ والحرقُ
والصبحُ يمكثُ لا وجهٌ يُصَبحُني به ولا بسماتٌ منكِ تنطلقُ
ما أروحَ الموتَ، بل ما كان أبغَضَه لدي إذ أنتِ مني الروح والرمقُ...
يا حلوة المجتلى والنفسُ ضائعة والأمرُ مختلطٌ والجو مختنقُ
ويا ضحوكة ثغرٍ والدنى عبسٌ ويا صفية طبعٍ والمنى رنـقُ...
مني عليكِ سلامٌ لا يقومُ به سن اليراعِ ولا يقوى به الورقُ
ولما توفي دفن بجوارها في مقبرة الغرباء، في منطقة السيدة زينب بدمشق، ونحتت على قبرهِ خريطة العراق مكتوب عليها: «يرقد هنا بعيداً عن دجلة الخير».
حصلت الدكتورة خيال الجواهري على شهادة الدكتوراه من براغ في تخصص علم المكتبات والمعلومات، وألفت عدداً من الكتب عن علم المكتبات وفهرستها وتاريخها. كما ألفت كتاباً عن الثقافة العراقية في المنفى، وكتابين عن الجواهري.
«الشرق الأوسط» أجرت الحوار التالي مع الدكتورة خيال الجواهري، على هامش مشاركتها في معرض الرياض الدولي للكتاب:

> كيف تصفين مشاركتكِ في معرض الرياض الدولي للكتاب بعد نحو 27 سنة من آخر زيارة لكِ للمملكة وكنت وقتها برفقة الجواهري...؟
- تلقيت دعوة كريمة من وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية، ومن إدارة المعرض، للمشاركة في معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام، ويسعدني لقاء المثقفين وجمهور الأدب في المملكة، ويشرفني ذلك وأنا ممتنة لهم لهذه المحبة للجواهري الكبير الذي ضحى بحياته من أجل الإنسانية ومن أجل الشعوب، ومن أجل التقدم ورفاه الفرد والإنسان.
> أيضاً لديك مشاركة في البرنامج الثقافي... للحديث عن الجواهري...
- نعم أشارك في اليوم الثاني من فعاليات المعرض، ضمن البرنامج الثقافي في ندوة تحمل عنوان: «عوالم الشاعر محمد مهدي الجواهري الإنسانية والأدبية».
والحديث عن الجواهري، هو حديث عن سيرة أدبية وشعرية تمتد لنحو قرن من الزمان، (26 يوليو (تموز) 1899 – 27 يوليو 1997)، كانت حياته مليئة بالأحداث على مختلف الصُعد، الأدبية والحياتية والسياسية والاجتماعية، وسوف أحاول في هذه الندوة تسليط الضوء على هذه السيرة بمختلف فصولها... وتعلمون أن سيرة الوالد (الجواهري) هي سيرة حاضرة في الوجدان العربي لا تُنسى، وبالنسبة لي شخصياً، فأنا رافقت الوالد في محطات متنوعة من حياته سواء في بغداد أو سوريا...
>.. أو براغ في (تشيكوسلوفاكيا)... وفيها عاش الجواهري منذ عام عام 1961، وكتب فيها روائع من قصائده مثل: «بائعة السمك، ويا غادة الجيك، وبراها»، ونعلم أنك حصلت على الدكتوراه من هناك...
- نعم صحيح، وحصولي على الدكتوراه من براغ تم بتشجيع الوالد، كنت وقتها أدلي برغبتني في إكمال دراستي الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه أمام والدتي، التي لم تكن مرحبة... وحين سمعها الوالد قال: «لا يا ابنتي كملي...»، ووضع يده على صدره مضيفاً: «أنا أتكفل باحتياجاتك... وأنا أدعمك، وأنا أشجعك لإكمال هذا المشوار»... وفعلاً شجعني كثيراً، حتى في مناقشة الدكتوراه مررت بموقف خاص يتعلق بالرد على الإشكالات التي يطرحها الدكتور المشرف على الرسالة... وكانت بعض ملاحظات المشرف مثيرة بالنسبة لي، حيث تلقيت نصائح بأن ألتزم الصمت ولا أرد عليه، لأن اللجنة ستلاحظ طريقتي في النقاش ضمن التقييم النهائي... وحين سألتُ الوالد، أطرق برأسه قليلاً ثم رفعه قائلاً: «لماذا سموه دفاعاً...؟ إذا لم يُتح فيه الردُ والنقاش؟»، وهذا ما حدث، فقد قدمتُ رداً على جميع الملاحظات... وتم إقرار منحي درجة الدكتوراه... وبعدها جاءت اللجنة للتسليم علي وتهنئتي.
> هل حضر الجواهري هذه المناقشة؟
- لم يكن الوالد حاضراً، كان هناك حضور من أدباء ونقاد ومثقفين وزملاء أكاديميين...
> ما السر في اختيارك تخصص «علم المكتبات والمعلومات»؟
- الحقيقة أنا درست الأساس لهذا التخصص في جامعة المستنصرية في بغداد، وهو وقتها كان فرعاً جديداً، وهو تخصص مهم في ظل عدم وجود أجهزة التبويب الحديثة عبر الكومبيوتر والبرامج الإلكترونية، فرأيت أن أقدم خدمة للمجتمع والحقل العلمي بشيء جديد وتخصص جديد...
> أليس للموضوع علاقة بالتراث العائلي كأسرة علمية تُعنى بالكتب والمكتبات...؟
- يجوز أن لدي وقتها «جينات» مع أني لا أعول على العامل الوراثي... فأنا كما تعرف نشأت في أسرة علمية والوالد كان يقرأ بشكل دائم... وننتمي لجدنا الكبير المعروف بالشيخ محمد حسن، صاحب الجواهر، صاحب كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، وهو الكتاب الذي أصبح مرجعاً لمختلف المدارس الفقهية، فبالنسبة لي أثرت هذه التربية في علاقتي بالكتاب، ولكني أيضاً رغبتُ أن أدرس تخصصاً مختلفاً يضيف للمجتمع خدمة، وكنت ربما أرغب في أن أدرس علم النفس...
> ماهي علاقتكِ بالشعر، هل أثر فيك الجواهري؟
- علاقتي به أنني أحب الاستماع إلى الشعر، أعرف أن كثيرين يسألون أن كنتُ سأصبح شاعرة كوني ابنة شاعر كبير... وأجيبهم بأن هذا الأمر ليس بالوراثة. أتذكر أنني سألتُ الوالد مرة في براغ بأنني أتلقى كثيراً هذا السؤال، وأيضاً (صفن) (أطرق برأسه) ثم قال: من سألك هذا السؤال؟ قلت: جماعة من المثقفين... قال: ألا يعلمون أن الشعر موهبة، وليس وراثة؟ وهو إلهام وإبداع شخصي وليس مهنة مثل الطبيب!
> اليوم، وبعد 24 عاماً على رحيل الجواهري، ما هو الشيء الذي ظل عالقاً بالذاكرة ولا ينسى من سيرته؟
- والله كثير... هو دائماً يشخص أمامي، في السنوات الأخيرة بعد وفاة الوالدة كنتُ أنا ملازمة له وزوجي كذلك، كان زوجي يقرأ له الكتب بشكل يومي، وأنا أصبحت ممرضته، وأنظم مواعيده واستقبال ضيوفه...
> قيل إنه ظل يواصل المتابعة والقراءة عبر الآخرين حتى وفاته... ماذا كان يقرأ...؟
- كان زوجي يقرأ له، وبقي لديه شغف في الاستماع إلى قراءة كتب الأدب والشعر والصحف... من بين تلك الصحف التي كان حريصاً على متابعتها «الشرق الأوسط»، و«الزمان»، و«السفير»، وكذلك متابعة الإصدارات الجديدة من كتب وروايات عربية وعالمية مثل رواية «زوربا» (للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس) و«بابا همنغواي» (للروائي الأميركي أيرون إدوارد هوتشنر)، ولديه اهتمام بمتابعة كثير من الكتب والتطورات السياسية...
الشيء الآخر الذي يشخص أمامي من سيرة الجواهري، هي ذاكرته، فهو يمتاز بذاكرة صلبة وقوية... وإحدى مميزاته أنه يحفظ قصائده عن ظهر قلب، معتمداً على الذاكرة حتى في سنوات عمره الأخيرة... حتى أن إحدى القنوات التلفزيونية أجرت برنامجاً عن 52 قصيدة من قصائد الجواهري يتلو خلالها شيئاً من شعره، ورغم أنه طلب كتابة تلك القصائد بخط كبير توضع أمامه إذا احتاج الرجوع إليها، لكنه أثناء التصوير لم يحتج إلى الرجوع للنصوص المكتوبة.
حتى مشاركته في مهرجان الجنادرية حين كنا في المملكة، ألقاها عن ظهر قلب...
> بالمناسبة نتذكر أن مشاركته في مهرجان الجنادرية سنة 1994، أدت إلى – كما قيل - لغضب السلطة العراقية وسحب الجنسية عنه... وهناك نصٌ شعري انتشر بعدها يُنسب للجواهري... ما حقيقة ذلك... النص الذي يقول في نهايته مخاطباً صدام: «سل مضجعيك يا ابن (الخنا)... أأنت العراقي أم أنا»...؟
- هذه القصيدة ليست للوالد (الجواهري)... حين بلغه سحب الجنسية عنه قال: «تباً لهم»... لكن هذه القصيدة اشتهرت وقتها، ونسبت للجواهري، والحقيقة أنها ليست له، وأنا شخصياً سألته قائلة: «أخبرني بيني وبينك بصراحة: هل كتبت فعلاً هذه القصيدة...؟»، وأجابني: «لا، لم أكتبها، لماذا أخفي أني كتبتها... صدقيني ليس أنا من كتبها».

- قصائد لم يكتبها الجواهري
> اشتهر عدد من القصائد بنسبتها إلى الشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري، والحقيقة أنها ليست له. بعض تلك القصائد ألفها الشاعر العراقي الراحل حسين الرفاعي، الذي عمل مديراً للتربية في الرصافة بالعراق، وتوفي قبل سنوات.
وفي الدورة الأولى لمهرجان الجواهري الشعري الذي أقيم في بغداد، ألقى الرفاعي نصاً شعرياً بعنوان «زياد ابن أبيه»، مشيراً بحضور أبناء الجواهري، إلى أنه من نظم تلك القصيدة، التي عرفت على نطاق واسع بأنها للجواهري، وقال: «أنا مديون للجواهري بحياتي... فلو علم النظام السابق أنني كاتب تلك القصيدة لحكموا بإعدامي!».
وفي حديث لقناة «إذاعة العراق الحر» في العاشر من يوليو 2005، أوضح الرفاعي أنه كتب قصيدة «زياد بن أبيه» رداً على قمع نظام صدام ضد انتفاضة مارس (آذار) 1991 المعروفة بالانتفاضة الشعبانية، ونسبت بعدها إلى الجواهري، مضيفاً أن هذا الأمر «أبعد مدية الجلاد عن رقبتي».
لكن قصيدة «سل مضجعيك يا ابن الخنا... أأنت العراقي أم أنا»، فيراها عدد من الشعراء والأدباء العراقيين نصاً «إعلامياً» أكثر منه قصيدة، ومن المستحيل أن تنسب لشاعر كبير كالجواهري، أو شاعر مجيد كالرفاعي، لكونها نصاً يفتقد الوزن وفيه من الأخطاء العروضية الكثير.
الشاعر والناقد العراقي فارس حرام قال لـ«الشرق الأوسط»: من الواضح أن هذا النص ملفق... فتقريباً نصف أبيات القصيدة غير موزونة، ويبدو أنه جرى «ترتيبها» من مدون أو إعلامي مجهول، لا يعرف الشعر، أو هي قصيدة فعلاً لكن جرى نقلها بشكل سيئ، ووصلتنا نسخة مشوهة منها، فهذا النص المتداول لا يمكن أن تكون قصيدة. وغالبية أبياتها عبارة عن جمل مرصوفة من دون وزن ولها قافية فقط.
الشاعر العراقي حسين قاصد، قال لـ«الشرق الأوسط»: «أنا أعرف الشاعر حسين الرفاعي (رحمه الله)، فقد كان صديقي، وقد كتب ونسب للجواهري شعراً كثيراً، ولكن هذا النص المتداول تحديداً، ليس للجواهري، وليس للرفاعي، فهذا النص يفتقد الوزن... وهو من محكيات العامة...».
يضيف قاصد: «أنا شخصياً سألتُ الرفاعي هل صحيح نسبة هذا النص إليك، وأجابني بالنفي».
يضيف قاصد: «نعلم أن الكثير من الشعر والأقوال نسبت للجواهري، من بينها أنه يقرأ (العراق)، (يضم العين)، وحين سئل أجاب: (لا أحب أن أكسر عين العراق)، وهذا أيضاً نسب له من باب الغلو في الحب».



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.