ما يجب أن يبقى سراً في الرواية

الكاتب الحسَّاس يعرف كيف يترك للقارئ فراغات يملأها بنفسه

من أجواء «ألف ليلة وليلة»
من أجواء «ألف ليلة وليلة»
TT

ما يجب أن يبقى سراً في الرواية

من أجواء «ألف ليلة وليلة»
من أجواء «ألف ليلة وليلة»

في القصة الإطار لـ«ألف ليلة وليلة» نعرف أن مملكة الشقيق الصغير الزائر تقع في «سمرقند العجم»، لكننا لا نعرف مكان مملكة شهريار الذي تدور القصة في مخدعه. لا نعرف كيف أدار شؤون مملكته خلال سنوات ثلاث، وماذا جرى في الليالي غير الكلام؟ لكننا نعرف في النهاية أنه أنجب ثلاثة أولاد من شهرزاد التي تلازمها أختها دنيا زاد، لم يذكر السرد شيئاً عن ذلك، كما لم يذكر أن شهرزاد قد عانت يوماً من ضجر الحمل ولم تنل إجازة وضع!
يختفي شاه زمان من السرد بعد أن خلق العقدة، كما يختفي الوزير والد الصبيتين بعد وضع العقدة على طريق الحل، عندما توجه في الصباح الأول حاملاً كفن ابنته ووجدها حية، ولم يظهر الرجلان بعد ذلك إلا في الختام السعيد لليالي!
وفي الحكايات التي ترويها شهرزاد نلتقي دائماً بالمخفي داخل النص. قد يكون الإخفاء بقصد الإرجاء والكشف لاحقاً أو يكون إخفاء تاماً متروكاً لتأويلات المتلقي.
في ذلك النص العبقري تنمسخ المدن لأسباب منها الضلال والكفر ومنها كيد العشَّاق، بينما كانت مدينة النحاس مدينة فاضلة غنية، ومحكومة بالعدل. المدينة مهيبة جامدة، كل بشرها جامدون على الهيئة التي كانوا عليها لحظة موتهم. الذهب والفضة والتحف بالقناطير، وفي كل ركن منها تحذير من غرور الدنيا، نجده مكتوباً على الأسوار، وعلى مائدة الطعام، ثم يصل المستكشفون إلى صبية كالقمر تبدو حية، لكنها «صورة مدبرة بالحكمة وقد قُلعت عيناها بعد موتها وجُعل تحتهما زئبق، وأعيدتا مكانهما فهما تلمعان كأنما يحركهما الهدب - الليلة السادسة والسبعون بعد الخمسمائة، طبعة بولاق»، من الذي صنع هذه الحيلة، ولأي غرض؟ للعبرة؟
بجوار الملكة الميتة لوح مكتوب عليه ما يستكمل قصة المدينة. اسم الفتاة مكتوب على اللوح: «أنا ترمز بنت عمالقة الملوك من الذين عدلوا في البلاد، ملكت ما لم يملكه أحد من الملوك». في بقية اللوح نعرف أنها من عائلة ملوك لم تظلم ولم تكفر؛ ولم تُمسخ المدينة، لكن أصابها قحط لسبع سنوات، فأحضرت الملكة المال وكالته بمكيال وأرسلت به الثقاة من الرجال فطافوا به جميع الأمصار في طلب شيء من القوت فلم يجدوه.
اسم الملكة «ترمز» هل هذا مجرد تغريب، أم أنه تنبيه إلى رمزية القصة؟
اهتم مبدعو ألف ليلة المجهولون بمساحة الشريك؛ لأن الكتابة ليست عملاً مستقلاً عن القراءة، بل شيء واحد كالحب؛ يقوم على تضامن وتوافق الكاتب والقارئ. والكاتب الحسَّاس يعرف كيف يترك للقارئ فراغات يملأها بنفسه وتجعله حريصاً على الاحتفاظ بالكتاب لقراءات تالية.
في القراءة الأولى يستمتع المتلقي بالواضح من المذاق والرائحة والشكل، لكنه يعود لاحقاً بحثاً عن ذلك الشيء المستعصي على التعيين. للفضول طعم حريف، يدفع المتذوق إلى العودة لاكتشاف ذلك المخفي، وفي كل مرة يقف على سر يجعله أكثر تمسكاً بالرواية، ومن حسن الحظ أن فضول القارئ لا يُعرِّضه للمخاطر التي يتعرض لها أبطال الليالي عندما يدفعهم فضولهم إلى فتح باب أو فض ختم قمقم.
أحياناً ما يكون الإيهام بوجود السر أقوى من السر. هذه الحيلة تكاد تكون يابانية، خصوصاً لدى الكبيرين ياسوناري كاواباتا ويوكيو ميشيما، هناك دائماً تهديد أو وعد أو شروع في عمل لا يتحقق أبداً.
في رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ نتذوق نكهة حارة من الغضب بينما نلاحق تحركات سعيد مهران للانتقام من أعدائه: زوجة خانته وتابع لم يحفظ له هيبته وصديق الدراسة الذي زرع فيه الغضب ضد التفاوت الطبقي وأقنعه بأن سرقة الأغنياء مشروعة، بينما انسجم معهم وصار صحافياً مشهوراً وثرياً، ولو تمكن من الوصول إلى نبوية وعليش ورؤوف، لصارت الرواية واحدة من روايات القتل المتتابع وسط ملاحقات الشرطة وضمنت رواجاً كبيراً لمرة واحدة، لكن نجيب محفوظ أخفى فيها ما أنقذها من هذا المصير: القدَر!
الدرس الأول للنجاح في عالم الجريمة هو التخلي عن العاطفة، ويمكننا بشكل جزئي إرجاع إخفاق سعيد مهران إلى العاطفة؛ رغبته في استعادة ابنته وحبه لنبوية الذي لم يبرأ منه جعلاه يتحرك للانتقام سريعاً فور خروجه من السجن، بينما كان عليه أن يمنح أعداءه الأمان ببعض الهدوء عقب خروجه من السجن، حتى يتصوروا أن ما يعنيه هو بدء حياة جديدة مسالمة.
لكن القدر كان أساسياً في ذلك الإخفاق؛ جعله محفوظ بطلاً - والقدر خفاء بطبعه - الخطة محكمة في المرتين لكن القدَّر يضع ضحية بريئاً مكان الشخص المقصود؛ فتتضاعف نار الغضب في قلب سعيد مهران بسبب هذه الخسارة المزدوجة: إفلات العدو وقتل بريء!
مرة بعد مرة، أصبح واضحاً أن خصم سعيد مهران ليس حفنة أشرار، بل القدر. لا تقول الرواية ذلك صراحة، لكن خروجه من مخبئه في شقة «نور» كان قراراً باسلاً بتحدي القدر. يعرف أن الخسارة مؤكدة، لكنه لم يتحمل العيش في ذعر كلما سمع وقع خطوات على السلم خارج الشقة، فخرج ليلقى قدره كما يليق بالخاسرين الكبار.
شخصية «نور» فتاة الليل من أولها إلى آخرها تجرنا للحديث عن المهارة في إبداع الشكل. هي طاقة الحب الحلو في الرواية، وجودها ضروري لمعادلة طعم الحقد المالح. أرجأ محفوظ ظهورها حتى ضاقت الأرض على سعيد مهران، ولم يقبل بإيوائه أحد سواها، وسنعرف أنها كانت تعشقه قبل أن يدخل إلى السجن، ولم يلتفت إليها، حتى هداياها كان يعيد إهداءها إلى نبوية التي لم تكن بائعة هوى مثل المخلصة نور.
وتواصل «نور» تفانيها في حب سعيد من طرف واحد، وترحب باستضافته في شقتها، وهي تعرف أنها بذلك تؤوي قاتلاً تطارده الشرطة. من فتوره تجاهها تكتشف المخفي وراء نار الانتقام المشتعلة في قلبه: لم يزل سعيد مهران يحب المرأة التي تركته وتزوجت أحد صبيانه وتراهن على قوة حبها لتخليصه من شره وكسبه حبيباً. تغيب طوال النهار في أقسى عمل في التاريخ، وتعود مثقلة بالجراح إثر اعتداء شباب عابثين، أو منهكة بعد ساعات طويلة من الاحتجاز بقسم الشرطة، دون أن تخلو يداها من الكباب الساخن والشراب. وذات يوم تخرج ولا تعود. ويبقى مصيرها مجهولاً: هل ماتت على يد بعض زبائنها؟ هل اختطفها أحدهم؟ هل انتهت سجينة؟
تتنوع الأشياء المخفية التي يتركها الكاتب الحساس للقارئ كي يكمل بنفسه ذلك الخط المقطوع أو يسعى لاكتشاف معنى لا ينبغي أن تقوله الرواية صراحة.
في بعض الأحيان يكون الخفي جوهر الرواية وكل الظاهر في السرد تكون مهمته إبراز خفاء هذا الخفي. في محاكمة كافكا ولجنة صنع الله إبراهيم لا نعرف التهمة، ولا نرى وسائل قهرية لإرغام المتهم، لكننا نستشعر ثقل المحاكمة في انصياع الشخص البريء الذي يرى نفسه ملزماً بالخضوع للمحاكمة.
التهمة في الروايتين خفية، كخفاء الجبلاوي في «أولاد حارتنا»، وخفاء «غودو» صمويل بيكيت، وخفاء جيش العدو المجهول في «صحراء التتار» لدينو بوتزاتي.
الخفاء أعلى سلطة في الكون، وكذلك في الرواية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.