امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

لجأ المؤلف إلى تقنية الأحلام والكوابيس والاستعادات الذهنية

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص
TT

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

امرأة الحُلم.. رواية مثقلة بوقائع تاريخية مقحمة على النص

نادرا ما تنجو الرواية العراقية من سطوة السياسة على أجوائها وفضاءاتها السردية، وربما تذهب أبعد من ذلك حينما تكون لسان حال شخصيتها الرئيسية التي تُخبِّئ خلفها، في الأعم الأغلب، صوت الكاتب الذي ينطوي على جوانب متعددة من رؤاه الفنية والفكرية والثقافية. ورواية «امرأة الحلم» لحمّودي عبد محسن لا تخرج عن هذا الإطار «المُسيّس» إن صحَّ التعبير، فهي رواية سياسية بامتياز لكنها لا تهمل مناحي الحياة العاطفية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على حدٍّ سواء.
تتمحور هذه الرواية برُمتها على شخصية المعلّم المتقاعد رياض رسول لكننا لم نتحسس أبعاد هذه المهنة العظيمة على مدار النص الروائي حتى ولو في استعادة ذهنية واحدة، إذ سارع الكاتب إلى تقديمه كمناضل شيوعي مخضرم قارعَ السلطة الاستبدادية من أجل تحقيق شعارٍ سياسي مقدّس يتمثل في «وطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد» لكن هذا الوطن ظلَّ مكبّلا ومحتلا منذ سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258 حتى ثورة 14 يوليو (تموز) التي فجّرها عبد الكريم قاسم عام 1958 ثم تناهبتها الأنظمة العسكرية المتخلفة والأحزاب القومية والدينية المتطرفة حتى يومنا هذا.
وتمهيدا لتقديم هذه الشخصية التي تتنازعها السياسة والثقافة في آنٍ معا نرى رياض رسول في الفصل الأول من الرواية وهو عائد من ساحة الفردوس يرفع علما أحمرَ تطرزه مطرقة ومنجل بعد مشاركته في تظاهرة احتفالية بالذكرى الثانية والخمسين لثورة 14 تموز 1958. وعلى الرغم من أنه يرى صبيا مُعدما يبيع قناني الماء للمتظاهرين فإنه لا يزال مُستغرقا في الحلم الاشتراكي الذي تنتهي فيه السلطة، ويدير المجتمع نفسه بنفسه، ويكون كل حسب حاجته وقدرته!
وبما أن السجون والمعتقلات هي قدر السياسيين والمثقفين العراقيين المناوئين للسلطة أو المعارضين لها فإن رياض رسول هو سجين سياسي بالضرورة، فقد سُجن في العهد الملكي، وتعرض للتعذيب بسبب أفكاره التقدمية، وسوف يتعرض للضرب على أيدي شرطة المالكي في واحدة من المظاهرات الاحتجاجية في ساحة التحرير. فهذه الرواية لا تخرج عن ثنائية الضحية والجلاد، وأدب السجون والمعتقلات، فلا غرابة أن نراه أحد الصامدين الذين لم ينكسروا أمام وحشية الجلاد في مختلف السجون العراقية في بغداد وبعقوبة ونقرة السلمان التي أسسها العثمانيون كنقطة حراسة في بادية السماوة لكنها تحولت إلى منفى للشيوعيين ومعارضي النظام الملكي وما تبعته من أنظمة شمولية مستبدة.
تتمحور الرواية، على الرغم من عمقها التاريخي البعيد الذي يمتد إلى سومر وأكد وملحمة جلجامش، على السنوات التي أعقبت احتلال بغداد عام 2003 لكي يقدّم لنا صورة مؤسية عن الحكومات الفاشلة التي طُبعت بطابع النهب العلني، والسرقة المنظمة من قبل اللصوص الجدد الذين سطوا على مئات المليارات من الدولارات وحولوها إلى أرصدتهم الشخصية من دون أن يرف لهم جفن أو ترتعد لهم فريصة.
اختار الروائي حمودي عبد محسن منطقة البتّاويين في قلب بغداد كبؤرة مركزية تدور فيها أحداث الرواية. واستطاع من خلال تقنية الأحلام، والكوابيس، والاستعادات الذهنية، وقراءة المخطوطات، والخُطب الملكية وما إلى ذلك أن يأخذنا إلى دلمون واليمن السعيد وبغداد التي سلّمها المستعصم بالله للجنود المغول الذين أشبعوه رفسا حتى فارق الحياة من دون أن تُراق منه قطرة دمٍ واحدة كما اشترط هولاكو!
ثمة أحداث فرعية تُسهم في تعزيز البنية الروائية وتعمّق أنساقها السردية الحقيقية والحُلمية في آنٍ معا مثل الحملة التي تشنّها القوى الأمنية ضد الكلاب السائبة بدلا عن الإرهاب المستشري في مختلف أرجاء العاصمة وما يترتب عليها من تداعيات مؤثرة على نفسية الأطفال على وجه الخصوص. ثم ينعطف بنا الروائي إلى العالم الذي يتداخل فيه الحُلم بالحقيقة. فمقهى الحجي الذي تحوّل في لحظة من الزمن المعاصر إلى مجمّع «العراقي الأصيل» وتحدث فيه عن تموز، ثم أخرج حمورابي مجموعة أوراق من جيبه وبدأ يقرأ ما كتبه ابنه سنحاريب في سجون الظلم ودهاليز الاستبداد حيث يقتاده الجلاوزة إثر وشاية كاذبة من مخبر سرّي إلى محاجر السود ومنها إلى وحدة الجرائم الكبرى كي ينال قسطا من التعذيب، والصعق الكهربائي، والحرمان من متطلبات الحياة اليومية. لعل أبرز ما في هذه الأحداث الفرعية هو العثور على طفل رضيع في قُمامة الحي يُطلق عليه رياض اسم «وليد العراق»، وحينما تتعهّد «أم خولة» بتربيته ورعايته أسوة بأولادها يوافق رياض أن يمنحه لها شرط أن تسمّيه «تموز».
ينوء رياض بثقل الماضي العراقي، ويسترجع العديد من أحداثه المؤسية وربما يكون احتلال هولاكو لبغداد هو الحدث الأبرز الذي تتداعى تفاصيله وكأننا نشاهد فيلما سينمائيا فانتازيا، فالخليفة المستعصم بالله كان سادرا في غيّه ومجونه حتى أن سهما من سهام العدو قد أصاب جاريته «عرفة» دون أن يكلّف نفسه عناء الدفاع عن محظياته في الأقل. ثم تتوالى سلسلة الاحتلالات من تيمورلنك إلى السلطان أحمد، ومن دولة الخروف الأبيض إلى الخروف الأسود، ومنها إلى إسماعيل الصفوي الذي ترك أثرا سيئا في نفوس العراقيين. ولكي يتخلص رياض من هذه المتاعب الذهنية قرر أن يمارس عزلته المشدّدة مكتفيا بقراءة الكتب والمراجع التاريخية التي تكتظ بها مكتبته المنزلية.
يعود رياض إلى عام 1978 حينما اختطف أزلام الديكتاتور زوجته وحشروها في سجن مظلم حيث تعرضت فيه إلى مختلف أشكال التعذيب قبل أن تفارق الحياة، وقرر ألا يتزوج بعدها على الإطلاق لأنها تمثل بالنسبة إليه الجمال والكمال والرُقي ولذلك سماها «امرأة الحُلم» وكتب لها ست رسائل مليئة بالحُب واللوعة والاشتياق. ثم يستغرق السارد في الحديث عن الملك السومري زيوسدرا الذي أنقذ الجنس البشري من الطوفان، كما يعرِّج في الحديث عن جلجامش الباحث عن الخلود له ولشعبه.
يشكِّل الفصل الخامس منعطفا أساسيا في الرواية حينما ينتبه رياض إلى المطعم الذي يشوي صاحبه العصافير والزرازير والحمام الفاخت، وتهتز مشاعره كثيرا حينما يشاهد كيسا مكتظا بالطيور حيث يُطلقها في الهواء ويرقص رقصة التمرد في منتصف الشارع التي تُوحي للآخرين أنه قد أُصيب بمسٍ من الجنون وحينما يستنفد قواه يُغمى عليه فيأخذنا خلال إغماءته معه إلى اليمن السعيد ليقتل الذئب الإنسان ثم يموت ويُدفن في موضع «حُب الغريب»، وحينما يستفيق يجد نفسه في بيت أم محمد في حي البتاويين حيث تراوده بائعة هوى عن نفسه لكنه يخرج من البيت مستاءً مشوّش الذهن.
لا تقدّم الفصول الثلاثة التالية سوى معلومات مبتسرة عن الفيضان الذي اجتاح بغداد وأخذ رياض يطوف مثل سفينة نوح، كما حلُم بذي القرنين الذي مزّق حُليّهُ، ونزع تاج عرشه في مقاربة واضحة لما قام به رياض في رقصة التمرد التي مزّق فيها ثيابه أيضا. وبحث أيضا عن امرأة الحلم التي زارته في اليمن وكسرت جدران عزلته، ثم تلاشت وكأنها صعدت إلى السماء ولم يبقَ منها سوى بقع الدم ورموز الإخصاب على الملاءات البيض.
الفصل التاسع قد يكون من أهم فصول الرواية التي تتكثّف زبدتها في جمعات الغضب، والكرامة، والقصاص ومحاكمة المالكي، وارحل قبل فوات الأوان وشعاراتها التي توزعت على 3 محاور وهي: «إيران برّة برّة بغداد تبقى حرّة» و«يا أميركي اسمع زين، اطلع من بلد النهرين» والشعار الثالث الذي يمس اللصوص الجدد «نفط الشعب للشعب مو للحرامية». ثم يصعّد رياض موقفه حينما يطالب بإسقاط النظام فتتعرض المظاهرة برمتها إلى الاعتداء من قبل أزلام ما يسمى «دولة القانون» فيسقط رياض مغشيا عليه وحينما يستفيق يجد نفسه مستلقيا في مقهى الحجي، ويزداد قناعة بأن البطش لا ينتهي في بغداد وكأنه مثل لعنة أبدية حلّت بدُرّة النهرين.
لم يخرق حمودي عبد محسن الإيهام السردي، ولم يحطّم البنية الكلاسيكية المتعارف عليها، وكانت فرصته كبيرة في الفصل العاشر تحديدا فبدلا من أن يقرأ المخطوطة التي تتحدث عن أرض دلمون وقصة حُب أنكي لننبرساج وزواجه منها بغية ديمومة الوجود البشري كان عليه أن يتناص مع هذه المخطوطة أو يشتبك مع أحداثها وشخصياتها على حد سواء. وهذا الأمر ينطبق على قراءته لملحمة جلجامش بوصفها جزءا حيويا من سفر أرض دلمون وما انطوت عليه من معانٍ عديدة لعل أبرزها البحث عن هاجس الخلود له ولشعبه لكن هذه العملية لم تخرج عن إطاره القراءة السردية العادية التي أبقت هذه القصص والملاحم السومرية على طبيعتها ولم يتناص معها الروائي، أو يستفد من أنساقها الفنية عبر التقنية الميتاسردية التي عرفناها عند عبد الخالق الركابي، حازم كمال الدين، أحمد خلف، لطفية الدليمي، علي بدر، وآخرين. وعلى الرغم من القراءة التقليدية لرياض فإنه يستنبط في خاتمة المطاف بأن الحرية من أجمل الكلمات، ولكنها ستكون أجمل بكثير إذا ما اشتبكت في بنية ميتاروائية لا تتكئ على الرؤية التقليدية ولا تكتفي بها.
ولكي يلملم حمودي عبد محسن معطيات الرواية المبعثرة بين الوقائع الحقيقية التي تدور في حي البتاويين، وساحة التحرير، والسجون المبثوثة في بغداد وبقية المدن العراقية، وبين الأحلام والأوهام والكوابيس العديدة التي انتابت رياض على مدى النص الروائي الذي يختمه بجلاء المحتل والتقاط العراقيين لأنفاسهم بعد سنوات الاحتلال المريرة، وحضور امرأة الحلم مع رجل دين بارع في تزوير الأنساب، وامرأة ساحرة تدّعي أنها تطرد الجن والأرواح الشريرة من أجساد المسحورين والمصابين بالأعين الشريرة الحاسدة حيث يعقد قرانهما ويغادر المكان تاركا رياض مع امرأة الحلم التي بكت على مصير العراق المجهول على الرغم من الوعد الذي قطعته على نفسها بأنها سوف تنجب له تموز العراقي، فيتذكر ما قاله الحموي عن بغداد بأنها «سيدة الدنيا» التي ستنتفض مثل العنقاء من تحت الرماد مثلما ستنجب امرأة الحلم تموز الذي سوف ينبثق إلى الوجود حيا سواء من غشاوة الحلم أم من تضاعيف الواقع الأسيان.
نخلص إلى القول بأن «امرأة الحلم» هي رواية مثقلة بالعديد من الوقائع والأحداث التاريخية المُقحمة على بنية النص الروائي وكان على الكاتب أن يكتفي ببعض الإحالات التاريخية المهمة ويشتبك معها عبر تقنية التناص التي تجعل من المادة التاريخية جزءا من لحمة النص وسداته لا أن تظل مادة طارئة تشكِّل عبئا على الرواية بدل أن تتماهى مع أحداثها وتصبح جزءا حيويا من المعطيات المكوِّنة لنسيجها السردي.
إن منْ يجرّب قراءة هذه الرواية من دون الإحالات التاريخية سيجد نفسه أمام نص روائي مكثفٍ رشيق يُذكِّرنا بالأعمال الروائية الناجحة التي أنجزها الكاتب الدؤوب حمودي عبد محسن لعل أبرزها «الدفّان والغجرية» و«المزمار» و«حكاية من النجف» التي قال فيها أشياءَ كثيرة حتى وإن جاءت ضمن أنساق سردية تقليدية لم تكلّف نفسها عناء الخوض في مجازفة التجريب أو الحداثة الفنية غير مضمونة العواقب.



وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين
TT

وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين

صدر مؤخراً عن دار «بنغوين» للنشر كتاب لافت من توقيع المؤرخ الأميركي رون تشيرنو، الحائز جائزة «بوليتزر»، يُعيد النظر في سيرة الروائي الأميركي الكبير مارك توين. ويكتسب العمل أهميةً استثنائية لكونه يستند في معظمه إلى وثائق لم تُنشر من قبل منها دفاتر يومية، ومراسلات خاصة، ومخطوطات ظلّت حبيسة الأدراج أكثر من قرن، وقد أمضى تشيرنو سنوات في مركز أبحاث مارك توين بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، يتصفح ما يزيد على خمسين دفتراً يومياً سجّل فيها الكاتب الأميركي أفكاراً وانطباعات لم تجد طريقها إلى أعماله المنشورة، إضافةً إلى آلاف الرسائل التي تبادلها مع زوجته وأصدقائه وخصومه، ومئات الصفحات من مسّودات لم تكتمل. وقد أفضى هذا الكم الهائل من المواد الأولية إلى كتابٍ يقع في نحو ألف ومائتي صفحة، يقدّم صورةً مغايرة لكاتب «مغامرات توم سوير» تعكس بجلاءٍ صراعه الداخلي العنيف مع قضايا العرق والدين والسياسة الأميركية، بعيداً عن الأسطورة المصقولة التي رسّختها عقود من الدراسات الأكاديمية.

ومنذ الصفحات الأولى، يُدرك القارئ أن تشيرنو لم يكتب عن مارك توين بقدر ما أقام معه حواراً عابراً للقرون، حيث تبدأ السيرة من مولد صامويل لانغهورن كليمنس عام 1835 في قرية «فلوريدا» بولاية ميسوري المُطلة على ضفاف نهر المسيسيبي. في تلك الجغرافيا المائية اللانهائية تكوّنت الروح الأدبية الأولى لتوين. فالنهر لم يكن مجرد ماءٍ يجري، بل كان معلماً ووطناً ومرجعاً فلسفياً، وقد انعكس ذلك كله في طريقة كتابته التي جعلت من النهر شخصيةً روائية بامتياز وهو ما تجلّى في «مغامرات هكلبري فين» و«توم سوير». ثم يتتبع الكتاب رحلة الشاب الفقير الذي جرّب مهناً عدة قبل أن يستقر على الكتابة؛ من الطباعة، إلى ربانة السفن النهرية، إلى التنقيب عن الذهب في مدينة نيفادا. كما يقف طويلاً أمام سؤال الهوية الذي شغل توين طوال حياته، وكيف تحوّل الصبيُّ الفقير صامويل كليمنس إلى أيقونة عالمية باسم مستعار؟ وهنا يكشف الكتاب عن أن اختيار اسم «مارك توين» لم يكن مجرد نزوة أدبية، بل كان فعلاً تأسيسياً، إذ استعار المصطلح من لغة الملاحة النهرية. وفي ذلك الاختيار رمزيةٌ عميقة، كأن توين أراد أن يقول إنه يسبر دائماً الأعماق الكافية كي لا يجنح قارب القارئ على الصخور. وقد استعان تشيرنو بعشرات الرسائل والمقابلات النادرة ليُثبت أن توين كان أول «مشهور» بالمفهوم الحديث للكلمة، حيث نجح في إدارة صورته العامة بالدقة نفسها التي يدير بها قلمه، فكان يعتني ببدلاته البيضاء الصارخة، وتسريحة شعره المميزة، كما كان يحرص على نوع سيجاره ونبرة صوته وطريقة دخوله إلى القاعة، وكان يُراجع ما تكتبه الصحف عنه ويتدخل في صياغة صورته أمام الجمهور بأسلوب لا يختلف كثيراً عما يفعله نجوم القرن الحادي والعشرين على منصات التواصل الاجتماعي.

من أبرز ما تكشف عنه هذه الوثائق الجديدة حجمُ مشاغل توين المالية وهوسه الدائم بالثروة، وهو ما يخصص له تشيرنو مساحةً واسعة. فقد أنفق توين مبالغ ضخمة على استثمارات فاشلة، كان أسوأها المبالغ الطائلة التي ضخّها في آلة «بايج» للطباعة التي أفلست شركته وأجبرته عام 1894 على مغادرة بيته في هارتفورد والشروع في تنظيم جولات ومحاضرات مضنية حول العالم لجمع المال وسداد ديونه. وقد كشفت رسائله في تلك المرحلة عن قلقٍ عميق وإحساس بالإخفاق لم يَبُح به في العلن، قبل أن ينجح في النهاية في تسوية جميع ديونه دون أن يُعلن إفلاسه الرسمي، وهو ما أضفى عليه احترام معاصريه.

يُفرد تشيرنو مساحةً واسعة لتطور موقف توين من قضية العرق والعبودية، وهي الخيط الأعمق الذي ينسج الكتاب حوله. والمعروف أن توين كان قد وُلد في منطقة تُجيز العبودية، ونشأ في بيئة رأى فيها الرقيق حقيقةً يومية مألوفة لا تُثير استنكاراً. بل إن أقاربه امتلكوا العبيد، غير أن توين شهد تحولاً عميقاً وتدريجياً في نظرته إلى هذه المسألة حتى أصبح من أشدّ الأصوات المدافعة عن المساواة والكرامة الإنسانية في زمنه. وقد ترجم ذلك في كتاباته الأدبية، أبرزها «مغامرات هكلبري فين» الشهيرة، حيث وضع توين على فم طفلٍ أبيض هارب من مجتمعه الفاسد قصيدةً إنسانية عن الصداقة مع «جيم»، الرجل الأسود الفار من العبودية. يحلل تشيرنو بدقةٍ نادرة كيف استطاع توين أن يستخدم السخرية اللاذعة سلاحاً أدبياً للكشف عن تناقضات المجتمع الأميركي، وكيف كان الضحك في كتاباته في أحيان كثيرة وسيلةً للإدانة لا للتسلية. وكان تشيرنو قد كشف عن أن عائدات هذا الكتاب قد أسهمت في التكفل بالمصاريف الدراسية لأحد الطلاب السود في كلية الحقوق، وهو ما عده الكاتب شاهداً ملموساً على عمق هذا التحول.

وعلى صعيد حياته الشخصية، تكشف هذه المذكرات الجديدة عن رجلٍ عاش سلسلة من الأحداث المأساوية، حيث فقد توين زوجته أوليفيا التي كانت حب حياته ومحرّرته الأولى وشريكته على مدى أربعة عقود. كانت «ليفي» تقرأ مخطوطاته قبل النشر وتُشير إلى ما قد يُثير إشكالاً، وكان توين في الغالب يأبه لرأيها حتى وإن تذمّر ظاهرياً. وقد تسببت وفاتها عام 1904، في إشعال نيران حزنٍ لم تنطفئ حتى رحيله. كما فقد ابنه لانغدون في طفولته المبكرة، ثم رحلت ابنته سوزي بداء التهاب السحايا عام 1896، ثم ودّع ابنته جين قبل أشهرٍ قليلة من وفاته في 1910، لتمثّل تلك الوفاة الأخيرة ضربةً قاضيةً أسدلت على أيامه الأخيرة ظلاماً من اليأس والتشاؤم. وقد وصف توين ذاته في تلك المرحلة بأنه «يعيش في مخزن المصانع» حيث كل شيءٍ عتيق وبارد ومحاط بأشباح من يحبهم. وقد انعكس هذا الحزن المتراكم على انتمائه الغريب إلى ما عُرف بـ«نادي السمكة الملاك»، وهو ذلك النادي الذي أسّسه في سنواته الأخيرة من فريق من الفتيات الصغيرات اللواتي كان يتبادل معهن الرسائل ويُسمّيهن حفيداته الروحيات، وهو ما يُحلّله تشيرنو برؤيةٍ نفسية حصيفة في محاولةٍ يائسة من توين لاستعادة طفولةٍ ضائعة وبراءة انقضى عهدها.

ويخصص تشيرنو فصلاً دقيقاً مؤلماً لعلاقة توين بالدين، ذلك الجانب الذي يظل مثار جدل حتى بين معجبيه. فبينما احتفظ توين بظاهرٍ ديني مقبول اجتماعياً، كانت دفاتره السّرية تُخفي نقداً جذرياً ومرّاً للكنيسة بوصفها مؤسسةً للسلطة والنفاق أكثر مما هي بيتٌ للروح. بل إن بعض كتاباته التي أوصى بعدم نشرها إلا بعد وفاته، كـ«ما الإنسان؟» و«الغريب الغامض»، التي تحمل انتقاداً صريحاً للمؤسسة الدينية والطبيعة البشرية، كشفت عن شخصيةٍ تحوّلت من الشك إلى اليأس الوجودي الصريح، مُتسائلةً بحدّة عن قيمة الحياة ومعنى الإنسانية في كونٍ يبدو لامبالياً. وهو ما يُشير إلى أن توين الذي عرفه الناس كاتباً ساخراً مرحاً يملأ القاعات ضحكاً لم يكن سوى قناع لشخصية أشمل وأكثر تعقيداً.

ولا يُفوّت الكتاب مواقف توين السياسية التي تحتل حيّزاً من الوثائق غير المنشورة، وفي مقدمتها معارضته الصريحة للسياسة الأميركية في الفلبين وكوبا في مطلع القرن العشرين، إذ كان من أبرز وجوه الرابطة المناهضة للإمبريالية، يكتب المقالات ويُلقي المحاضرات محتجّاً على ما عدّه تناقضاً صارخاً بين قيم الحرية التي تتشدق بها الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية. وقد عرّضته هذه المواقف لانتقاداتٍ حادة في حياته، لكنه لم يتراجع عنها.

استُقبل هذا الكتاب في الأوساط الأكاديمية والصحافية الأميركية استقبالاً إيجابياً واسعاً، وعدّه كثيرٌ من النقاد إضافةً نوعية إلى أدبيات السيرة في الأدب الأميركي، نظراً إلى ما يقدمه من معطيات جديدة تستند إلى مصادر أولية لم تُستثمر من قبل. وقد علّق بعض النقاد على أن تشيرنو، المعروف بسيره الذاتية الكبرى لأمثال ألكسندر هاميلتون وجورج واشنطن وأوليسيس غرانت، قد وجد في توين شخصيةً تُنافس هؤلاء العظماء في التعقيد والإثارة، وإن كانت تختلف عنهم في كونها أكثر شجناً وأغنى دلالةً إنسانية، ويأتي هذا الكتاب ليؤكد مرة أخرى أن مارك توين، بعد مئة وخمسة عشر عاماً على رحيله، لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت.


«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً
TT

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

تأخذ رواية «أغالب مجرى النهر»، للروائي الجزائري «سعيد خطيبي»، شكلاً بوليسياً عبر البدء بواقعة قتل، وتحقيقات مع امرأة متهمة بقتل زوجها، الذي مات مسموماً وانقلبت به سيارته، ويستمر هذا الطابع البوليسي التحقيقي، والرغبة في الكشف عن الجاني الحقيقي مستمراً، منذ بدء الرواية حتى منتهاها، ليربط القارئ معه في معرفة سير التحقيقات، وما ستسفر عنه، ومعرفة دوافعه في القتل. لكن هذا كله مجرد إطار خارجي للأحداث، وطبقة أولى من طبقات السرد، فثمة قدر كبير من الكشف والتعرية الاجتماعية والسياسية والثقافية، تكمن تحت هذا النمط البوليسي، بما يجعل الرواية ليست رواية تحقيق في حادثة قتل فرد، لكنها تحقيق في تاريخ المجتمع الجزائري، في تحولاته السياسية والاجتماعية، تحقيق روائي عن النظرة الدونية للمجتمع تجاه المرأة، وضحايا حرب التحرير، الذين جرى وصمهم بأنهم «حركية»، أي عملاء للاستعمار، وتحقيق في المد الإسلامي المتشدد، الذي غزا المجتمع في فترة من الفترات.

هذه رواية تحقق وتبحث وتفكك، لتكشف المطمور تحت طبقات كثيفة من الصمت، وتقدم المسكوت عنه، والمتواري عن عين السائح الزائر.

الرواية صدرت عن دار نوفل في بيروت، وتنافس ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، متخذة من عام 1990 نقطة انطلاق زمنية للأحداث، فالفضاء الزمني للحدث المركزي لا يتجاوز عدة أشهر من ذلك العام، هي الفترة التي شهدت حادثة القتل، وما تبعها من تحقيقات للكشف عن قاتل «مخلوف»، الطبيب الشرعي، واتهام زوجته «عقيلة»، طبيبة العيون، بارتكاب الجريمة، ثم انتقال الشبهات إلى والدها «عزوز»، المناضل السابق في حرب التحرير، وإلى شقيقها «ميلود» الذي كان يعمل ممرضاً ومساعداً لها في عيادتها. أما الفضاء المكاني، فمعظم الأحداث تقريباً تدور في مدينة «بو سعادة»، مدينة صغيرة تقبع بعيداً عن العاصمة، وعلى التخوم بين المجتمع الريفي والمديني، فلا هي مجتمع ريفي بشكل كامل، ولا أصبحت مجتمعاً مدينياً أيضاً، بل ربما دمجت بين سلبيات هذين النمطين.

رغم هذا الحيز الزمني المحدود للحدث الرئيس، فإن الرواية تتوسع زمنياً عبر الاسترجاع، فنرجع تاريخياً إلى بدايات القرن العشرين تحديداً، مع مولد الأب عزوز في قرية فقيرة ونائية أصابها الجدب، فاضطر للارتحال منها، وترك بيئته الطبيعية الأولى، والانتقال إلى المدينة، حيث بداية المأساة، أو المآسي المتتالية، له ولأبنائه وأحفاده، كأن هذا الانتقال كان عتبة تحول رئيسة، من هدوء القرية وطمأنينة الطفل بين أبوية، ونمط الإنتاج البسيط، حين كان يتعيش على حلب العنزات في الحقل، ثم جاء الانتقال إلى مجتمع معقد، مفعم بالسياسة والحروب، مجتمع خرب ومخوخ من الداخل، استدرجه إلى كثير من السقطات، وصولاً إلى مشاركته في حرب التحرير، ثم تنصل رفقاء الكفاح له، ووصمه بالخيانة، لمجرد أنه اختلف معهم في الرأي، ورفض تفجير مقهى يديره شقيقه!

«أغالب مجرى النهر»، جملة جاءت على لسان الأب «عزوز»، في لحظة رثاء لحاله ومآلاته هو وأسرته، لكنها صالحة لوصف خطاب الرواية كلها، خطابها التقني مع الزمن، إذ تسير الأحداث عكس مجرى التاريخ، فلا تأتي من البداية للنهاية، بل من لحظة متقدمة في الزمن، ثم تعود بالأحداث للخلف، وصولاً إلى الوقوف طويلاً عند حرب التحرير، وكذا مشاركة الأب عنوة في الحرب العالمية الثانية على الجبهة الإيطالية، بغية تقصي الجذور الكامنة وراء الأحداث والشخصيات، والحفر في المسكوت عنه اجتماعياً وثقافياً، وهذا معنى آخر من معاني مغالبة مجرى النهر، أو السير عكس التيار الجارف، فثمة دائماً خطاب متسيِّد ومهيمن، وخطابات مهمشة ومهملة. هنا، المؤلف الضمني يبرز هذه الخطابات الأخيرة، ومنها خطاب «الحركية»، الخونة عملاء الاستعمار، الذين جرى وصمهم معنوياً وحتى جسدياً، عبر كي ظهورهم بالنار، لتظل الوصمة ملتصقة بهم، وعالقة في ظهورهم حتى لحظة دخول كل منهم قبره، فإن استطاعوا إخفاءها في حياتهم، فإن لحظة تغسيلهم بعد الموت ستفضحهم، ويتم التشهير بهم أمواتاً، ودفنهم في قبور منفصلة، وفضح أسرهم من بعدهم بوصفهم عائلات «الحركية» الخونة، بما يكشف عن نزوع فاشي باسم التحرير، الذي يتحوَّل إلى خطاب إقصائي لزملائهم في الكفاح، لمجرد اختلاف في الرأي هنا أو هناك، فمعظم هؤلاء «الحركية» لم يكونوا خونة، بل مناضلين اختلفوا مع قادتهم أحياناً، فجرى وصمهم للأبد، أحياءً وأمواتاً.

هناك وجه آخر لدلالات مغالبة النهر، ومنها فضح الصمت والتواطؤ الاجتماعي على النظرة الدونية للمرأة، حتى لو كانت طبيبة، فهذا لا يمنع زوجها من ضربها ولطمها، على مرأى ومسمع من أبيها وشقيقها، فهو الحاكم والآمر الناهي لها، فقد أصبحت تحت ولايته تماماً، ومن حقه أن يفعل بها ما يشاء، تحت غطاء من أفكار بالية في العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية، أو تحت غطاء التشدُّد الديني، الذي تمدَّد في الثقافة المحلية للمدينة، ورفع راية الفاشية الجديدة، فاشية باسم الدين، تروع وتقتل وتخرّب، ولا رادع لها. في حين أن المجتمع المحلي - رغم المحافظة الظاهرة على السطح - غارق في مستنقع من الفساد، المالي والسياسي والأخلاقي، فكبار المدينة منشغلون بانتخابات صورية للبلدية، للحصول على مكاسب من وراء المناصب، وحتى التصويت فاسد لأن الرجل يصوت مرتين، مرة باسمه وأخرى باسم زوجته، حتى الجمعيات المعنية بالأيتام يشوبها فساد مالي وأخلاقي.

تنبني الرواية على تقنية تعدد الرواة، ومن ثم تعدد الأصوات. فقد انقسمت إلى قسمين رئيسين، يتمحوران حول البنت (عقيلة) وأبيها (عزوز). الفصل الأول بعنوان «البنت»، يتكون من 16 فصلاً سردياً، كل فصل منها يبدأ بسرد الطبيبة لحكايتها، ومخاوفها، وانطباعاتها وشكوكها، بصوتها ورؤيتها هي، وفي نهاية الفصل يتسلم الراوي العليم زمام الحكي، ليسرد لنا ما دار بين الطبيبة والمحقق (جمال درقين) من أسئلة وإجابات. هذه الآلية نفسها اتبعها الكاتب في القسم الثاني، والذي حمل عنوان «الأب»، ويتكون من عدد مماثل تقريباً من الفصول السردية، لكنها مرقمة بالحروف الأبجدية بدلاً من الأرقام، وكل فصل منها يبدأ أيضاً بحكاية الأب الذي يستدعي ذكرياته منذ الطفولة، وأثناء حرب التحرير، وكذبه على أولاده وكيف أخفى عنهم أنه «حركي»، وكذا ذكرياته عن الحرب العالمية، وعلاقاته بزملائه «الحركية»، وخطاياه الاجتماعية بإنجابه ابناً غير شرعي، وعدم اعترافه به. وينتهي كل فصل بسرد الراوي العليم لسير التحقيقات واستجواب المحقق للأب. وفي أثناء القسم الثاني، تأتي أحياناً حكايات (ميلود) شقيق (عقيلة) وابن (عزوز)، يرويها بصوتها، متخللة حكايات الأب، ومطبوعة بفونت طباعي مختلف، لندخل داخل هذه الشخصية التي لم تسلم من الخطايا، فقد أنجب هو الآخر ابنة غير شرعية.

الرواية في مجملها إبحار ضد التيار الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولا يهم في النهاية معرفة من الذي قتل (مخلوف)، فعندما تنتهي الرواية يكون آخر هموم القارئ معرفة القاتل، بعد أن غرق في هذه الدوامة من الفضح التاريخي والاجتماعي والسياسي، فالجميع قتلة، بشكل رمزي، حتى القتيل نفسه كان قاتلاً لكثير من المبادئ، ولشرف مهنته، الجميع موصوم ومدان، ليست وصمة في الظهر كوصمة «الحركية»، لكنها وصمة أخلاقية للجميع، فالإبحار عكس مجرى النهر كشف أنه ليس نهراً، وليس عذباً، بل مستنقع بالغ العفونة، وقد كشف عنه الروائي الغطاء بكثير من الحنكة والمهارة السردية، عبر لعبة «من القاتل؟»، لكنه استدرج القارئ إلى ديستوبيا تاريخية لمدينة نائمة على قدر هائل من التوحش، الملتحف مرة بالنضال الوطني، ومرة باسم الدين.


كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟