انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

قراءة في أسباب تهاوي الإسلاميين بعد 10 سنوات من السيطرة

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب
TT

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

انتصار البديل الليبرالي يعيد رسم المشهد السياسي في المغرب

تعدّدت وجهات النظر إزاء نتائج انتخابات 8 سبتمبر (أيلول) الجاري في المغرب، التي مكّنت حزب «التجّمع الوطني للأحرار» (وسط ليبرالي) بقيادة رجل الأعمال عزيز أخنّوش من الحصول على المرتبة الأولى، وأدّت في المقابل إلى تقهقر حزب «العدالة والتنمية» (مرجعية إسلامية) من الصدارة في انتخابات عام 2016 إلى المرتبة الثامنة. إلا أن ثمة شبه إجماع على أن هذه الانتخابات خلقت واقعاً سياسياً جديداً، بعدما بسط «العدالة والتنمية» سيطرته على تدبير الشأن الحكومي لولايتين اثنتين متواصلتين طالتا نحو عقدين من الزمن بين 2012 و2021.
ثم، لئن كان «التجمع الوطني للأحرار» قد تصدّر الانتخابات، بحصوله على 102 مقعد في مجلس النواب البالغ مجموع أعضائه 395 نائباً، فإن حجم الهزيمة الثقيلة لـ«العدالة والتنمية» كان مفاجئاً، إذ بالكاد حصل على 13 مقعداً، بعدما كان لديه 125 مقعداً في مجلس النواب المنتهية ولايته. أما المراتب التالية بعد الحزب المتصدر فاحتلّها على التوالي حزب «الأصالة والمعاصرة» (87 مقعداً)، وحزب الاستقلال (81 مقعداً)، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (35 مقعداً).
أُسّس حزب «التجمّع الوطني للأحرار»، متصدر انتخابات 8 سبتمبر، عام 1978 من طرف أحمد عصمان، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، الذي سبق له أن تولّى منصب رئيس الوزراء. وكان الحزب يُصنّف على أنه حزب وسط ليبرالي، وعُرف عموماً بأنه حزب البورجوازية والأعيان. غير أنه في انتخابات 2016 لم يحصل «الأحرار» إلا على 37 مقعداً نيابياً، ما أدى إلى استقالة رئيسه السابق صلاح الدين مزوار، وعقد مؤتمر استثنائي في بداية 2017 انتُخب خلاله أخنّوش رئيساً جديداً للحزب.
وبمجرد صعود أخنّوش إلى موقع القيادة، عمد إلى تشكيل تحالف مع حزب الاتحاد الدستوري (يمين) لمواجهة تقدم «العدالة والتنمية»، وتمكّن من المشاركة بقوة في حكومة سعد الدين العثماني، وحاز وزارات أساسية مثل الفلاحة والصيد البحري، والمالية والتجارة والصناعة. ولكن على أي حال، تُعد النتيجة الانتخابية التي حصل عليها «الأحرار» غير مسبوقة في تاريخ الحزب.

هزيمة فاقت التوقعات
من ناحية أخرى، مع أن المؤشرات السابقة ليوم الاقتراع كانت تشير إلى أن «العدالة والتنمية» لن يحتل صدارة نتائج الاقتراع، بل ربما يحتل المرتبة الثالثة أو الرابعة، فإن لا أحد من خصوم الحزب أو أنصاره توقع اندحاره بهذه الصورة في وجه «التجمع الوطني للأحرار» بمعية حزبين آخرين هما «الأصالة والمعاصرة» و«الاستقلال»، وذلك ليس فقط على مستوى الانتخابات التشريعية بل أيضاً على مستوى الانتخابات الجماعية (البلدية) والجهوية.
وهنا يعلّق بنيونس المرزوقي، الأستاذ الباحث بكلية الحقوق في وجدة (أقصى شرق المغرب) لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «النتيجة التي حصل عليها (العدالة والتنمية) كانت درساً بليغاً أبان عن قدرة الكتلة الناخبة على معاقبة الواقفين وراء الوعود العامة والمس بوضعية الفئات الشعبية». ولاحظ أن النتائج كشفت أيضاً عن إمكانية الحصول على غالبية مريحة عبر تحالف ثلاثة أحزاب فقط (270 مقعداً: الأحرار والأصالة والاستقلال)، وإمكانية تشكيل قطب يساري يجمع 65 مقعداً. ثم يضيف: «هناك أحزاب بوضعيات مختلفة اعتادت على المشاركة في كل الغالبيات المتعاقبة، كحزب الحركة الشعبية (29 مقعداً)، والاتحاد الدستوري (18 مقعداً)، أو حتى حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعي الذي يُساند عملياً أي غالبية حكومية ما دام عدد مقاعده لا يسمح له بالقيام بمعارضة قوية (5 مقاعد)». وهنا يفضل المرزوقي قراءة نتائج اقتراع 8 سبتمبر من زوايا مُتعددة، منها أن القطب الليبرالي حصل على 189 مقعداً (الأحرار 102، والأصالة والمعاصرة 87)، في حين حصلت أحزاب الكتلة الديمقراطية على 140 مقعداً (الاستقلال 81، والاتحاد الاشتراكي 35، والتقدم والاشتراكية 21، إضافةً لمقاعد جبهة القوى الديمقراطية «3» التي خرجت من معطف «التقدم والاشتراكية» في زمن «الكتلة الديمقراطية»).

عودة لأحزاب الموالاة
من جهته، يقول يونس برادة، الأستاذ الباحث في الشأن الحزبي بجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن الانتخابات الأخيرة «أفرزت واقعاً آخر يتمثل في العودة اللافتة لما تسمى الأحزاب الموالية استراتيجياً، مقابل التداعي المتعدّد الأبعاد لحزب العدالة والتنمية». ويوضح أن هذا الأخير «فشل في إثبات نفسه كجزء من البنية الحزبية الاستراتيجية، وكذلك لم ينجح في إسماع صوته إزاء الفاعلين المركزيين، دون أن يغيب عن أعيننا أن بنيته التنظيمية المزدوجة فعلياً، لم تكن لتساير تفاعلات جيو - سياسية طارئة».
وحسب برادة، فـ«إن تجربة حزب العدالة والتنمية لا تختلف كثيراً عن تجربة بعض أحزاب الحركة الوطنية، خصوصاً ضمن ما يُصطلح عليها بحكومة التناوب التوافقي، ما بين 1998 و2002، إذ كان مآلها التآكل تنظيمياً وآيديولوجياً».

سببان رئيسيان
هناك سببان رئيسيان قد يفسّران، أيضاً، ظاهرة التراجع في الحصيلة الانتخابية لـ«العدالة والتنمية» التي أرجعها برادة أولاً «إلى طبيعة السياسة التي تبقى انسدادية في أساسها، فلا تتيح إفراز فاعلين منافسين حقيقيين، وإن كان توجههم موالياً من حيث المبدأ... أي لا يشككون في بُنيات الحكم، ويُبدون في أحايين كثيرة انجذاباً مفرطاً للاختيارات الاستراتيجية للنظام».
أما السبب الثاني، وفق برادة، «فيجد سنده في عجز الفاعلين عن إنتاج سياسي مستقل، وهو ما يؤدي إلى نوع من (التهاوي الحتمي) تحت وطأة التدبير الحكومي مثلاً، أو العمل التشريعي المقيّد، أو الدفاع عن الحقوق والحريات أو التماهي مع مصالح الشعب».

العقاب والمكافأة
أما إسماعيل حمودي، الأستاذ بجامعة محمد بنعبد الله في مدينة فاس، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن من أبرز نتائج انتخابات 8 سبتمبر التي صدّرت «التجمع الوطني للأحرار» وألحقت هزيمة مدوية بـ«العدالة والتنمية» هو أن «الناخب المغربي عاقب الحزب الأول في الحكومة السابقة، وكافأ الحزب الثاني فيها، أي التجمع الوطني للأحرار، وهذه إحدى مفارقات هذه الانتخابات». ثم رأى أن الحصيلة مكّنت «الأصالة والمعاصرة»، الذي كان مصطفّاً في المعارضة، من المحافظة على مركزه كقوة ثانية في الخريطة السياسية، ومكّنت حزب الاستقلال، الذي كان بدوره في صفوف المعارضة، من الحفاظ على مركزه كقوة ثالثة، لكن بعدد مقاعد إضافية، في حين ضاعف حزب «التقدم والاشتراكية» (الحزب الشيوعي سابقاً) عدد مقاعده مقارنةً مع انتخابات 2016. ورأى حمودي أن ارتفاع نسبة أوراق الاقتراع الملغاة في المدن، وحصول هذه الأوراق على المرتبة الأولى غالباً، بيّن وجود غضب ورفض من الطبقة الوسطى المسيّسة تجاه العرض السياسي المقدم لها.
وتبعاً لذلك فإن أكثر التساؤلات التي شدّت أنظار المراقبين للشأن الانتخابي في المغرب، خلال الأيام الماضية بموازاة انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة، ما كانت حول مَن سيكون في حكومة عزيز أخنوش -إذ بدا واضحاً أن الغالبية الجديدة ستتكوّن من الأحزاب الثلاثة الأولى المتصدرة لنتائج الاقتراع- بل من هي الهيئات السياسية التي ستلعب دور المعارضة، إلى جانب «العدالة والتنمية» و«التقدم والاشتراكية»... مع أن هذا الأمر أيضاً بات شبه معروف. والحال أن عوامل عدة تضافرت لفرز نتائج استحقاقات 8 سبتمبر، أبرزها:
- إجراء ثلاثة استحقاقات انتخابية في يوم واحد، وهي العملية التي كان لها تأثير على طريقة تصويت الناخبات والناخبين الذين لم يألفوا هذا الأسلوب. بل إن التأثير طال حتى الأحزاب السياسية التي وجدت نفسها ملزمة بترشيح أسماء قادرة على العمل كفريق منسجم وليس فقط مجرد ترشيحات مُنفصلة.
- التعديلات التي لحقت النظام الانتخابي، منها القاسم الانتخابي الذي جرى اعتماده لتوزيع المقاعد وفق نظام «الاقتراع اللائحي» بأكبر بقية، إذ أصبح يُحتسب على أساس عدد الناخبات والناخبين المسجلين والمعروف مسبقاً، بدلاً من عدد الأصوات الصحيحة التي تظهر بعد فرز الأصوات.

مستقبل مجهول
في هذه الأثناء، حاول الكثير من المراقبين تحليل أسباب هزيمة «العدالة والتنمية». وهنا أوردنا بعض العوامل، منها عوامل ذاتية، كالصراعات التي ظهرت داخل تيارات الحزب منذ إعفاء عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب، في مارس (آذار) 2017، من تشكيل الحكومة، وتعيين سعد الدين العثماني مكانه. وأيضاً الخلافات الحادة في الحزب حول الترشيحات الانتخابية التي أدت إلى استقالات. وفي المقابل، هناك أسباب موضوعية، تتعلق بعجز الحزب عن تحقيق عدد من تعهداته، وغضب الناخبين من أدائه، إلى جانب طموحهم للتغيير.
هذه العوامل مجتمعة أدت إلى التراجع الذي أفضى إلى استقالة جماعية للأمانة العامة للحزب، والدعوة إلى عقد مجلس وطني استثنائي اليوم (السبت) 18 سبتمبر، في انتظار تحديد موعد مؤتمر وطني استثنائي لانتخاب قيادة جديدة.
في سياق كل ذلك، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو: هل سيتمكن حزب «العدالة والتنمية» من الصمود وسط عاصفة فشله الانتخابي، وضمان حضوره على الساحة السياسية؟ هذا الأمر يستبعده محمد حفيظ، الأستاذ الباحث بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، الذي وصف الهزيمة بـ«الاندحار الكبير والانتكاسة الهائلة»، مشيراً إلى أن «نتائج الحزب الذي ترأس الحكومة لولايتين متتاليتين، جعلته كأنه لم يعد موجوداً، وهو ما يطرح -في نظره- بإلحاح سؤالاً عن مدى تمكنه من المحافظة على حضوره في الحياة السياسية، بل أكثر من ذلك حفاظه على وجوده وكينونته كحزب يحمل الاسم نفسه (العدالة والتنمية)، على المدى المنظور القريب». وأشار حفيظ إلى أن «العدالة والتنمية»، الذي لطالما ردّد إبان «الربيع العربي» و«حركة 20 فبراير (شباط)»، وبعد إقرار دستور 2011، ورئاسته الحكومة لولايتين متتاليتين، أنه «يعود إليه الفضل في إنقاذ البلاد والدولة»... أنقده هذه المرة «القاسم الانتخابي الجديد»، فلولاه لحصل الحزب على أقل من 13 مقعداً بكثير. ويُذكر أن «العدالة والتنمية» كان الحزب الوحيد الذي وقف ضد اعتماد القاسم الانتخابي الجديد، والمفارقة أن الحزب كان أكبر المستفيدين منه.

سيطرة الأعيان والتجار
على صعيد ذي صلة بنتائج الانتخابات، لاحظ حمودي «تراجع السياسة» في الانتخابات الأخيرة، موضحاً أن النتائج المعلن عنها حتى الآن تكشف عن ضعف نسبة المشاركة في المدن، في مقابل ارتفاع نسبتها في البوادي. ويرى حمودي أن البادية هي التي حسمت هذه الانتخابات، ومن تداعيات ذلك أن مجلس النواب المنتخب «يسيطر عليه الأعيان والتجار، في غياب السياسيين، وهذه أيضاً إحدى مفارقات هذه الانتخابات».

كيف تعيش قيادة «العدالة والتنمية» النكسة الانتخابية؟
> يعيش حزب «العدالة والتنمية» اليوم حالة من الجمود السياسي والتنظيمي، منذ نكسته الانتخابية في 8 سبتمبر (أيلول) الجاري. واكتفت الأمانة العامة للحزب بإصدار بيان في 9 سبتمبر أشارت فيه إلى «خروقات» عرفتها الانتخابات ولكنها أعلنت استقالتها الجماعية من قيادة الحزب، وعقد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب (أعلى هيئة تقريرية فيه بعد المؤتمر)، اليوم (السبت)، كما قررت تنظيم مؤتمر وطني استثنائي لانتخاب قيادة جديدة لم يحدَّد موعده بعد.
المراقبون يلاحظون أن الحزب لم يطعن سياسياً في نتائج الانتخابات، كما أن الاستقالة الجماعية للأمانة العامة مؤشر على الاعتراف بالهزيمة. ويلاحظ أنه منذ صدور البيان، لم يصدر أي تصريح من أي قيادي في الحزب، ولم تُعقد لقاءات لمسؤولي الحزب لشرح ما جرى. بل خلا المقر المركزي للحزب، في حي الليمون بالرباط، من الحركة الدؤوبة التي عُرف بها خلال الانتخابات، وغابت عنه قيادات الحزب باستثناء حضور بعض الموظفين.
قيادي في الحزب قال لـ«الشرق الأوسط» إن أعضاء الأمانة العامة للحزب، بمن فيهم الأمين العام سعد الدين العثماني، لزموا بيوتهم، وأوقفوا الأنشطة واللقاءات، إلى حين انعقاد دورة المجلس الوطني اليوم. وقد خُصص جدول أعمال الدورة لدراسة نتائج الانتخابات ومستقبل الحزب. في حين اعتذر العثماني عن تلبية دعوة عزيز أخنّوش، رئيس الحكومة المكلف، لاستقباله في مقر حزبه في حي الرياض أمس، في سياق مشاورات تشكيل الحكومة.
وحسب مصدر من الحزب، فإن اعتذار العثماني يأتي نظراً للنتائج السلبية التي حصل عليها الحزب، كما أن العثماني بدأ من الآن يعدّ العدة للابتعاد عن قيادة الحزب بعدما جرى تحميله مسؤولية النتائج الهزيلة التي حصل عليها الحزب.
هذا، ولن تقف تداعيات ما يعيشه «العدالة والتنمية» عند هذا الحد، بل يرجح أن تمتد إلى تقليص إمكانياته المالية والبشرية في العمل السياسي. ذلك أن فقدانه لفريقه في مجلس النواب، أدى إلى فقدانه إمكانياته مهمة في عمله السياسي، لأن النظام الداخلي لمجلس النواب ينص على ضرورة توفر 20 عضواً لكل هيئة سياسية تريد تشكيل فريق نيابي، في حين لا يتوافر لـ«العدالة والتنمية» سوى 13، ومن جانب آخر، وهنا مفارقة لافتة، فإن حزب «التقدم والاشتراكية» اليساري، الذي كان حليفاً لحزب «العدالة والتنمية» إبان حكومتي عبد الإله ابن كيران الأولى والثانية وحكومة العثماني الأولى قبل أن يلتحق بالمعارضة، حصل على 21 مقعداً... وهو ما أتاح له الحصول على فريق نيابي.
يُذكر أن «العدالة والتنمية» كان قد رفض تغيير القانون الداخلي لمجلس النواب، وتغيير شرط الحصول على فريق نيابي من 20 إلى 12 مقعداً، بعدما حصل «التقدم والاشتراكية» على 12 مقعداً في الانتخابات السابقة، وحاول حزب «الأصالة والمعاصرة» دعم ذلك، بيد أن «العدالة والتنمية» رفض، وها هو الزمن يدور دورته فيحصل العكس. وبات من المستحيلات أن يشكّل «العدالة والتنمية» فريقاً نيابياً مع مجموعة نيابية أخرى مثلما حصل مع «الاتحاد الدستوري» حين التحق بالفريق النيابي لـ«التجمع الوطني للأحرار» لأنه عجز عن تشكيل فريق نيابي.
هذا وتخوّل صفة الفريق النيابي (أو الكتلة النيابية) للهيئة السياسية عدة امتيازات، منها توفير مقر داخل المجلس، وميزانية، وموظفين. وكان فريق «العدالة والتنمية» يتوفر على نحو 40 موظفاً في مجلس النواب المنتهية ولايته، لكنه سيفقدهم جميعاً، بعد فقدان الفريق النيابي. ثم إن إدارة المجلس كانت تؤمّن له مقراً عبارة عن طابق كامل في بناية المجلس، إضافةً إلى ميزانية مهمة، وكل ذلك سينتهي بسبب تراجعه الانتخابي. وبخصوص الدعم المالي التي تقدمه الدولة للأحزاب السياسية، فإنه أيضاً سيخضع لمراجعة على ضوء نتائج الانتخابات، لأن الدولة تمنح للأحزاب دعماً عن كل مقعد نيابي جرى الحصول عليه في مجلس النواب. وفي الماضي، دأب «العدالة والتنمية» على الحصول على حصة الأسد من الدعم العمومي، منذ انتخابات 2011، لكنه اليوم سيفقد ما يناهز 80% من هذه الموارد المالية.
وعلى مستوى الجماعات المحلية (البلديات) ومجالس الجهات، وجد «العدالة والتنمية» نفسه خارج معظم التحالفات التي ستسيّر المدن الكبرى، وربما لن يسيّر أي بلدية فوق تراب المملكة، وذلك بعدما كان يهيمن على تسيير المدن الكبرى في المغرب بعد الانتخابات المحلية في 2015.
أخيراً، بغضّ النظر عن تراجع الحزب سياسياً وانتخابياً، يبقى السؤال الأهم الذي يُطرح في الساحة السياسية المغربية يتعلق بمستقبله السياسي، فبعد استقالة قيادته، تتجه الأنظار إلى المؤتمر الاستثنائي المقبل لمعرفة طبيعة القيادة الجديدة التي ستدبر المرحلة المقبلة، وهل ستستطيع إنهاض الحزب من جديد وبعثه من رماد؟



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».