عيسى جرابا: المؤسسات الثقافية عاجزة عن استيعاب الإبداع

الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
TT

عيسى جرابا: المؤسسات الثقافية عاجزة عن استيعاب الإبداع

الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف

ذهبت جائزة «شاعر عكاظ»، في موسم عكاظ السابع، لشاب سعودي هو عيسى جرابا، الذي قلده الأمير خالد الفيصل مساء الثلاثاء بردة عكاظ. والجرابا متحدر من مدينة جازان، وكان زميله إياد الحكمي فاز العام الماضي بجائزة شباب عكاظ.
للجرابا ثلاثة دواوين شعرية مطبوعة حملت عناوين: (لا تقولي وداعا)، و(وطني والفجر الباسم)، و(يورق الخريف). وله ثلاث مخطوطات لم تر النور بعد.
التقينا عيسى الجرابا عشية تسلمه جائزة عكاظ وأجرينا معه الحوار التالي، الذي تحدث فيه عن دلالة فوزه بالجائزة، ودور المؤسسات الثقافية القائمة في دعم المبدعين، وهو دور يراه دون المطلوب:
* نلت عددا من الجوائز ولكن أين تجد موقع جائزة «سوق عكاظ» منها؟
- أول جائزة حصلت عليها وأنا طالب في جامعة «الإمام» وكانت الجائزة من قبل الرئاسة العامة لرعاية الشباب. قدمت قصيدة وقتها وفزت بالمركز الأول على مستوى السعودية، فكان هذا من العوامل الجميلة والمؤثرة في حياتي ولا أنساها. وبعدها توالت الجوائز من هنا ومن هناك، ومنها جائزة النادي الأدبي بالرياض العام الماضي التي كانت باسم «شاعر الوطن» في مناسبة اليوم الوطني. ولكن المحطة الأكبر والأكمل والأجمل هي محطة سوق عكاظ ولقب «شاعر عكاظ» بما يحمله من إرث تاريخي وأدبي مديد ولا شك أنها مطمح كل شاعر.
* قصيدة «زفرات سجين» قصيدة تمتلئ بالأسى، وكأنها بكاء على الحالة الإنسانية في المنطقة العربية، أو على حرية مفقودة.
- هناك سجن خارجي وآخر داخلي، ولكن في نظري أن أصعب السجون على النفس هي السجون الداخلية وأشدها وطأة على الإطلاق. السجون نحملها أحيانا في ذواتنا ونحن نمشي طلقاء أحرار.. نحن نحمل شجوننا وسجوننا ونحن نمشي في الأسواق ونأكل ونشرب، ونجول في هذه الأرض وفي العالم المترامي ونحن طلقاء وأحرار دون أن نكون خلف القضبان. ولذلك فإن هذه القصيدة ترمز إلى الغربة التي نعيشها باختصار، غربة المثقف أو المبدع داخل نفسه وخارجها سواء في موطنه أو بيئته أو عالمه العربي نظرا لعدم الاهتمام بالمبدعين في كل مجالات الحياة، فهناك كثير منهم كسرت مجاديفهم لأنهم لم يجدوا من يهتم بهم.
* جاء ديوانك الثاني بعنوان «لا تقولي وداعا».. لمن تقول وداعا؟
- أنا أقول لا تقولي وداعا لكل شيء جميل في حياتنا وليس يشترط فيها أن تكون فقط الأنثى وحدها هي الجميلة في حياتنا ولا يشترط في العنوان أن يكون غزليا حتى لو كانت القصيدة التي تحمل العنوان قصيدة غزلية. «لا تقولي وداعا» لا يشترط فيها أن تكون خطابا غزليا، فنحن نصرخ دائما بأعلى أصواتنا ونقول لا تقولي وداعا لكل لأشياء الجميلة.
* «وطني والفجر الباسم».. ديوان شعر ثالث تغني فيه عظمة الوطن والدفء والأهل والفجر الباسم، على عكس بكائياتك في قصائد أخرى..
- إن وطني مهبط الوحي، ولو اختزلنا كل الأضواء والأنوار لهذا الوطن في مهبط الوحي فقط لكفى، فمكة المكرمة والمدينة المنورة وما تحملهما من قدسية تجعل لهذا الوطن خصوصية ليس لدى السعوديين فقط بل لدى العالم أجمع كنقطة ارتكاز، كحقيقة تفرض نفسها.
* و«يورق الخريف».. ما حيثيات هذا الديوان؟
- ليست هناك من حيثيات تذكر وإنما لربما جاءت نصوص المجموعة في أغلبها في وقت متأخر يشعر فيه الإنسان أن خريف العمر وخريف الإحساس بدأ يمر سريعا وقد يذبل، وخريف الأشياء كذلك. كل هذا يجعل الإنسان يفكر مليا في تلك الحزمة من السنين التي خلفها وراءه، وماذا له وماذا عليه.. ولذلك نقول يورق الخريف ولكن هل هو يورق فعلا؟
* مخطوطتك «صهيل البقايا».. لم تر النور بعد ما السبب؟
- ليست مخطوطة «صهيل البقايا» فقط وإنما لدي ثلاث مخطوطات أو تزيد غير الدواوين الثلاثة المطبوعة، ولكن ليس هناك اهتمام بالإصدار الورقي في أمة لا تقرأ، حيث يتسابق الآن الكثيرون من الشعراء على الإصدارات المسموعة والمرئية والنشر عبر الشبكة العنكبوتية من خلال مواقع ومنتديات، والتي تحظى بنسبة عالية من القراء أكثر من الإصدارات الورقية، ومع مرور الزمن تكون المسألة أكثر تعقيدا وتحتاج لشيء من المعالجة التي تمكن الإصدار الورقي من أن يحتفظ بموقعه مع إيقاع الحياة السريع والتقدم التقني والتكنولوجي في مجال الاتصال والتواصل، خصوصا وأنها أصبحت مكلفة، ولذلك تلحظ أن الشعر العامي عندما نفذ لقلوب كثير من الناس لأنه من سمع من خلال الإصدارات المرئية والمسموعة فضلا عن قنوات أخرى أكثر شعبية.
* قرية «الخضراء» بجازان، حيث مولدك، تكتنز بكثير من عناصر البيئة والتراث.. إلى أي حد انعكس ذلك في قصيدتك؟
- كان في القرية كثير من عوامل الطبيعة الخلابة. وأكاد أقول ليس لها نصيب الآن بعد الاحتطاب الجائر. لقد تخلى البعض عن إنسانيته وأصبح عدوا لبيئته. كانت منطقة جازان تنعم بكل أجوائها وطبيعتها وريفيتها. لكن حينما بدأت «المدنية» تدخلها شيئا فشيئا سلبت منها ومنا الكثير ولم تبق سوى الذكريات التي نعيشها.
* ترجمت لك بعض الأعمال إلى لغات أخرى.. هل تحسست من خلالها طريقك للعالمية؟
- الترجمة ضرورية فكما وصل أدب غيرنا إلينا من خلال الترجمة، لا بد من إيصال أدبنا للآخر من خلال الترجمة أيضا، ولذلك يحصل التأثير والتأثر عبر هذه الترجمة ونقل العلوم الإنسانية ولغاتها.
* ما رأيك في السجال الدائر الآن في الساحة الثقافية حول ريادة الرواية أو الشعر؟
- هذا النوع من هذا الجدال بين الأدباء والمثقفين يظل جدالا عقيما، لا طائل منه. ما الذي يعنيه إذا تقدمت الرواية على الشعر أو العكس؟ إذا وضعنا في الحسبان أن كليهما جنس أدبي له شعبيته وكلاهما يؤدي رسالته. إذا عدنا إلى العصور القديمة.. ألم يكن الشعر يتقدم على النثر؟ والسبب واضح، لأن الشعر كان وقتها مطلوبا، ثم أتت فترة أخرى تقدم النثر فيها حينما أصبح مطلوبا. من هنا، لا يتقدم جنس على آخر من الأجناس الأدبية إلا بمقدار ما يضخ فيه من إبداع وبمقدار الحاجة إليه في الوقت المعين، فيتقدم أحدهما على الآخر وهكذا دواليك، وطبعا نحن نضع الرواية في عمق النثر لأن الشعر والنثر جنسان رئيسيان في الأدب ولا يتقدم أحدهما على الآخر إلا بقدر ما يتفوق أحدهما إبداعيا.
* وكيف تجد المشهد الثقافي بشكل عام؟
- المشهد الثقافي في ظل سهولة التواصل الاجتماعي الآن أصبح يبشر بخير، فهناك أصوات شعرية وروائية كثيرة، فضلا عن حقول كتابية أخرى. ومن شأن ذلك أن يحفز بيئة التنافس بين الأدباء والمثقفين. لكني ألاحظ، في الوقت نفسه، أن بعض شعراء السعودية ينطوون على أنفسهم، إذ لا توجد سبل تواصل جيدة، وربما كذلك في كل الدول الأخرى، مع أنه يوجد تواصل على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية على مستوى الأفراد والجماعات والكيانات.
* هل أنت راض عن حركة النقد بالنسبة للشعر الآن؟
- لحد ما. لكن المشكلة تكمن في كثرة الشعراء وشح النقاد أو عددهم قليل جدا بموازاة الشعراء. العملية الشعرية تحتاج معها إلى عملية نقدية، وتصحيحية لتصحيح مسار الشعر، فحينا يتدفق الشعر في عدم وجود ناقد تكون العملية قاصرة إبداعيا وتحتاج إلى مكمل. والشعراء من الشباب في حاجة ماسة لمن يأخذ بأيديهم ويهديهم سواء السبيل نحو تصحيح ومراجعة كتاباتهم بشكل تكتمل فيه العملية الإبداعية مع رصيفتها الفنية. ولكن للأسف لا يوجد نقاد حاذقون وهذا ما يفرز ما يسمى بالشللية القاتلة، لأنه هناك نقادا محصورين في منطقة ويكتبون عن شخصيات شعرية محددة.
* هل تعتقد أن المؤسسات الثقافية لا سيما الأندية الأدبية لا تزال هي الوعاء المناسب لاستيعاب الإبداع والمبدعين؟
- أقولها بملء فمي: لا، إذ إنه باستطاعة كل أديب روائي أو شاعر أن ينشر ما ينتج في أي وقت وعبر أكثر من قناة تواصل ويصنع معجبين من دون الحاجة إلى الالتزام بالحضور في المؤسسات الثقافية، وللأسف فإن الأخيرة دخلت في أحاديث وأقاويل وجدل بيزنطي وأخرتها المهاترات والمشكلات عن رسالتها المنوطة بها، ولكن سهولة الاتصال ووفرة قنواته أغنى الكثيرين من المبدعين عن الانتظار لما تقدمه لهم مثل هذه المؤسسات، وذلك بأن يجعلوا له مواقع أو نوافذ يطلون من خلالها على المتلقين وهم بالآلاف فيسمعونها وينشرونها ويتبادلونها عبر الـ«يوتيوب» أو الـ«فيس بوك» وغيره من قنوات التواصل الاجتماعي الأخرى.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.