عيسى جرابا: المؤسسات الثقافية عاجزة عن استيعاب الإبداع

الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
TT

عيسى جرابا: المؤسسات الثقافية عاجزة عن استيعاب الإبداع

الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف
الامير خالد الفيصل وإلى جانبه الشاعر عيسى الجرابا بعد أن ألبسه بردة «شاعر عكاظ» مساء الثلاثاء الماضي في حفل إطلاق مهرجان سوق عكاظ الذي يقام حاليا في الطائف

ذهبت جائزة «شاعر عكاظ»، في موسم عكاظ السابع، لشاب سعودي هو عيسى جرابا، الذي قلده الأمير خالد الفيصل مساء الثلاثاء بردة عكاظ. والجرابا متحدر من مدينة جازان، وكان زميله إياد الحكمي فاز العام الماضي بجائزة شباب عكاظ.
للجرابا ثلاثة دواوين شعرية مطبوعة حملت عناوين: (لا تقولي وداعا)، و(وطني والفجر الباسم)، و(يورق الخريف). وله ثلاث مخطوطات لم تر النور بعد.
التقينا عيسى الجرابا عشية تسلمه جائزة عكاظ وأجرينا معه الحوار التالي، الذي تحدث فيه عن دلالة فوزه بالجائزة، ودور المؤسسات الثقافية القائمة في دعم المبدعين، وهو دور يراه دون المطلوب:
* نلت عددا من الجوائز ولكن أين تجد موقع جائزة «سوق عكاظ» منها؟
- أول جائزة حصلت عليها وأنا طالب في جامعة «الإمام» وكانت الجائزة من قبل الرئاسة العامة لرعاية الشباب. قدمت قصيدة وقتها وفزت بالمركز الأول على مستوى السعودية، فكان هذا من العوامل الجميلة والمؤثرة في حياتي ولا أنساها. وبعدها توالت الجوائز من هنا ومن هناك، ومنها جائزة النادي الأدبي بالرياض العام الماضي التي كانت باسم «شاعر الوطن» في مناسبة اليوم الوطني. ولكن المحطة الأكبر والأكمل والأجمل هي محطة سوق عكاظ ولقب «شاعر عكاظ» بما يحمله من إرث تاريخي وأدبي مديد ولا شك أنها مطمح كل شاعر.
* قصيدة «زفرات سجين» قصيدة تمتلئ بالأسى، وكأنها بكاء على الحالة الإنسانية في المنطقة العربية، أو على حرية مفقودة.
- هناك سجن خارجي وآخر داخلي، ولكن في نظري أن أصعب السجون على النفس هي السجون الداخلية وأشدها وطأة على الإطلاق. السجون نحملها أحيانا في ذواتنا ونحن نمشي طلقاء أحرار.. نحن نحمل شجوننا وسجوننا ونحن نمشي في الأسواق ونأكل ونشرب، ونجول في هذه الأرض وفي العالم المترامي ونحن طلقاء وأحرار دون أن نكون خلف القضبان. ولذلك فإن هذه القصيدة ترمز إلى الغربة التي نعيشها باختصار، غربة المثقف أو المبدع داخل نفسه وخارجها سواء في موطنه أو بيئته أو عالمه العربي نظرا لعدم الاهتمام بالمبدعين في كل مجالات الحياة، فهناك كثير منهم كسرت مجاديفهم لأنهم لم يجدوا من يهتم بهم.
* جاء ديوانك الثاني بعنوان «لا تقولي وداعا».. لمن تقول وداعا؟
- أنا أقول لا تقولي وداعا لكل شيء جميل في حياتنا وليس يشترط فيها أن تكون فقط الأنثى وحدها هي الجميلة في حياتنا ولا يشترط في العنوان أن يكون غزليا حتى لو كانت القصيدة التي تحمل العنوان قصيدة غزلية. «لا تقولي وداعا» لا يشترط فيها أن تكون خطابا غزليا، فنحن نصرخ دائما بأعلى أصواتنا ونقول لا تقولي وداعا لكل لأشياء الجميلة.
* «وطني والفجر الباسم».. ديوان شعر ثالث تغني فيه عظمة الوطن والدفء والأهل والفجر الباسم، على عكس بكائياتك في قصائد أخرى..
- إن وطني مهبط الوحي، ولو اختزلنا كل الأضواء والأنوار لهذا الوطن في مهبط الوحي فقط لكفى، فمكة المكرمة والمدينة المنورة وما تحملهما من قدسية تجعل لهذا الوطن خصوصية ليس لدى السعوديين فقط بل لدى العالم أجمع كنقطة ارتكاز، كحقيقة تفرض نفسها.
* و«يورق الخريف».. ما حيثيات هذا الديوان؟
- ليست هناك من حيثيات تذكر وإنما لربما جاءت نصوص المجموعة في أغلبها في وقت متأخر يشعر فيه الإنسان أن خريف العمر وخريف الإحساس بدأ يمر سريعا وقد يذبل، وخريف الأشياء كذلك. كل هذا يجعل الإنسان يفكر مليا في تلك الحزمة من السنين التي خلفها وراءه، وماذا له وماذا عليه.. ولذلك نقول يورق الخريف ولكن هل هو يورق فعلا؟
* مخطوطتك «صهيل البقايا».. لم تر النور بعد ما السبب؟
- ليست مخطوطة «صهيل البقايا» فقط وإنما لدي ثلاث مخطوطات أو تزيد غير الدواوين الثلاثة المطبوعة، ولكن ليس هناك اهتمام بالإصدار الورقي في أمة لا تقرأ، حيث يتسابق الآن الكثيرون من الشعراء على الإصدارات المسموعة والمرئية والنشر عبر الشبكة العنكبوتية من خلال مواقع ومنتديات، والتي تحظى بنسبة عالية من القراء أكثر من الإصدارات الورقية، ومع مرور الزمن تكون المسألة أكثر تعقيدا وتحتاج لشيء من المعالجة التي تمكن الإصدار الورقي من أن يحتفظ بموقعه مع إيقاع الحياة السريع والتقدم التقني والتكنولوجي في مجال الاتصال والتواصل، خصوصا وأنها أصبحت مكلفة، ولذلك تلحظ أن الشعر العامي عندما نفذ لقلوب كثير من الناس لأنه من سمع من خلال الإصدارات المرئية والمسموعة فضلا عن قنوات أخرى أكثر شعبية.
* قرية «الخضراء» بجازان، حيث مولدك، تكتنز بكثير من عناصر البيئة والتراث.. إلى أي حد انعكس ذلك في قصيدتك؟
- كان في القرية كثير من عوامل الطبيعة الخلابة. وأكاد أقول ليس لها نصيب الآن بعد الاحتطاب الجائر. لقد تخلى البعض عن إنسانيته وأصبح عدوا لبيئته. كانت منطقة جازان تنعم بكل أجوائها وطبيعتها وريفيتها. لكن حينما بدأت «المدنية» تدخلها شيئا فشيئا سلبت منها ومنا الكثير ولم تبق سوى الذكريات التي نعيشها.
* ترجمت لك بعض الأعمال إلى لغات أخرى.. هل تحسست من خلالها طريقك للعالمية؟
- الترجمة ضرورية فكما وصل أدب غيرنا إلينا من خلال الترجمة، لا بد من إيصال أدبنا للآخر من خلال الترجمة أيضا، ولذلك يحصل التأثير والتأثر عبر هذه الترجمة ونقل العلوم الإنسانية ولغاتها.
* ما رأيك في السجال الدائر الآن في الساحة الثقافية حول ريادة الرواية أو الشعر؟
- هذا النوع من هذا الجدال بين الأدباء والمثقفين يظل جدالا عقيما، لا طائل منه. ما الذي يعنيه إذا تقدمت الرواية على الشعر أو العكس؟ إذا وضعنا في الحسبان أن كليهما جنس أدبي له شعبيته وكلاهما يؤدي رسالته. إذا عدنا إلى العصور القديمة.. ألم يكن الشعر يتقدم على النثر؟ والسبب واضح، لأن الشعر كان وقتها مطلوبا، ثم أتت فترة أخرى تقدم النثر فيها حينما أصبح مطلوبا. من هنا، لا يتقدم جنس على آخر من الأجناس الأدبية إلا بمقدار ما يضخ فيه من إبداع وبمقدار الحاجة إليه في الوقت المعين، فيتقدم أحدهما على الآخر وهكذا دواليك، وطبعا نحن نضع الرواية في عمق النثر لأن الشعر والنثر جنسان رئيسيان في الأدب ولا يتقدم أحدهما على الآخر إلا بقدر ما يتفوق أحدهما إبداعيا.
* وكيف تجد المشهد الثقافي بشكل عام؟
- المشهد الثقافي في ظل سهولة التواصل الاجتماعي الآن أصبح يبشر بخير، فهناك أصوات شعرية وروائية كثيرة، فضلا عن حقول كتابية أخرى. ومن شأن ذلك أن يحفز بيئة التنافس بين الأدباء والمثقفين. لكني ألاحظ، في الوقت نفسه، أن بعض شعراء السعودية ينطوون على أنفسهم، إذ لا توجد سبل تواصل جيدة، وربما كذلك في كل الدول الأخرى، مع أنه يوجد تواصل على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية على مستوى الأفراد والجماعات والكيانات.
* هل أنت راض عن حركة النقد بالنسبة للشعر الآن؟
- لحد ما. لكن المشكلة تكمن في كثرة الشعراء وشح النقاد أو عددهم قليل جدا بموازاة الشعراء. العملية الشعرية تحتاج معها إلى عملية نقدية، وتصحيحية لتصحيح مسار الشعر، فحينا يتدفق الشعر في عدم وجود ناقد تكون العملية قاصرة إبداعيا وتحتاج إلى مكمل. والشعراء من الشباب في حاجة ماسة لمن يأخذ بأيديهم ويهديهم سواء السبيل نحو تصحيح ومراجعة كتاباتهم بشكل تكتمل فيه العملية الإبداعية مع رصيفتها الفنية. ولكن للأسف لا يوجد نقاد حاذقون وهذا ما يفرز ما يسمى بالشللية القاتلة، لأنه هناك نقادا محصورين في منطقة ويكتبون عن شخصيات شعرية محددة.
* هل تعتقد أن المؤسسات الثقافية لا سيما الأندية الأدبية لا تزال هي الوعاء المناسب لاستيعاب الإبداع والمبدعين؟
- أقولها بملء فمي: لا، إذ إنه باستطاعة كل أديب روائي أو شاعر أن ينشر ما ينتج في أي وقت وعبر أكثر من قناة تواصل ويصنع معجبين من دون الحاجة إلى الالتزام بالحضور في المؤسسات الثقافية، وللأسف فإن الأخيرة دخلت في أحاديث وأقاويل وجدل بيزنطي وأخرتها المهاترات والمشكلات عن رسالتها المنوطة بها، ولكن سهولة الاتصال ووفرة قنواته أغنى الكثيرين من المبدعين عن الانتظار لما تقدمه لهم مثل هذه المؤسسات، وذلك بأن يجعلوا له مواقع أو نوافذ يطلون من خلالها على المتلقين وهم بالآلاف فيسمعونها وينشرونها ويتبادلونها عبر الـ«يوتيوب» أو الـ«فيس بوك» وغيره من قنوات التواصل الاجتماعي الأخرى.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».