ورد وديك الجن الحمصي... الحب مذبوحاً بسيف الغيرة

هل بلغت قصة زواجهما المأساوي مسامع شكسبير عن طريق تجار البندقية؟

مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
TT

ورد وديك الجن الحمصي... الحب مذبوحاً بسيف الغيرة

مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن

لم يحتفِ البشر عبر تاريخهم الطويل بعاطفة من العواطف الكثيرة المتباينة التي تعتمل في دواخلهم كما احتفوا بالحب، خاصة في شطره «المشبوب» المتعلق بالرجل والمرأة، وما يصيبهما بفعل سطوته العنيفة من تغيرات. والأدل على ذلك هو دخول هذه العاطفة في النسيج العميق للشعر والأدب، والفن بوجه عام، حيث ترك لنا الرجال العشاق والنساء العاشقات نماذج وتعبيرات إبداعية غير قابلة للحصر.
على أن تلك النماذج لم تكن وليدة الحب المألوف أو العلاقات العاطفية العادية التي تؤول إلى نسيان محقق، بعد أن يوصلها الزواج إلى نهاياتها التقليدية السعيدة، بل كانت تجد ضالتها في التحديات الصعبة والعوائق الاجتماعية المختلفة التي توصل العلاقة إلى طرق مسدودة، يتقاسم نهايتها الشعر والجنون والموت. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في كثير من الحضارات الشرقية والغربية، كما جسدته على نحو خاص تجربة الشعراء العذريين عند العرب.
لم يكن الزواج بالمقابل ليثير، عدا استثناءات نادرة، «لواعج» الشعراء والفنانين لأنه بإلغائه التام للمسافة الفاصلة بين الشخصين المتحابين يحرم الشعر من أبرز شروطه المتعلقة بالشغف ولهب التخيل وترجيعات الفقدان. وإذا كان الفن في بعض وجوهه هو البديل الرمزي عن الحياة غير المتحققة، فإن زواج المتحابين لا يترك للفن ما يفعله، إذ يقوم الواقعي في هذه الحالة مقام المتخيل المحلوم بتحقيقه.
والأدل على ذلك هو أن معظم القصائد التي كتبها الشعراء حول المرأة كان يتم إنجازها في فترات التتيم والوجد العاطفي التي تسبق الزواج، حتى إذا وصلت العلاقة إلى مآلاتها السعيدة خمدت نيران الشغف، وتراجع الوحي الشعري إلى خانة الصفر. والأمر نفسه يحدث في كثير من حالات السرد، حيث لا تجد الحكايات وقصص الحب والسير الشعبية ما تضيفه إلى زواج الطرفين المتحابين، سوى الإشارة إلى كونهما قد «عاشا في ثبات ونبات، إلى أن أتاهما هادم اللذات ومفرق الجماعات» الذي هو الموت.
وانطلاقاً من كل ما تقدم، كان يمكن لقصة الحب التي جمعت بين ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد أن تؤول بعد تتويجها بالزواج إلى نسيان محقق، لو لم تسهم الظروف المعقدة التي أحاطت بتلك العلاقة الشائكة في توفير النصاب الضروري لتحويلها إلى مأساة مروعة ظلت تردداتها الحزينة تُتناقل بشكل دائم من جيل إلى جيل. وقد ورد في غير مصدر قديم أن الشاعر العباسي عبد السلام بن رغبان الذي لقب بديك الجن، بسبب قصيدة نظمها، أو لخضرة زائدة في عينيه، أحب جارية له نصرانية تسمى ورداً، ثم دعاها إلى الإسلام فأسلمت.
وقد ملك جمال المرأة على الشاعر قلبه وعقله، فنظم فيها قصائد ومقطوعات عدة، من بينها:
انظرْ إلى شمس القصور وبدرها
وإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبكِ عينكَ أبيض في أسود
جمَع الجمال كوجهها في شعرها
وتمايلتْ فضحكتُ من أردافها
عجباً ولكني بكيت لخصرها
أما سبب قتله لورد، فيُرجعه أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» إلى مكيدة دبّرها بليْل ابن عمّ له يدعى أبا الطيب، كان الشاعر قد هجاه بسبب تحامله عليه وعلى زوجته. وإذ كان ديك الجن مسافراً في تجارة له، كان ابن عمه ذاك قد حبك له دسيسة ماكرة، مفادها أن ورداً تخونه مع غلام له، الأمر الذي جعله يعود مسرعاً إلى حمص.
ولم يكد الزوج المستشيط غضباً يتنفس الصعداء، حين وجد امرأته وحيدة في المنزل، حتى فوجئ بمن يقرع الباب، تنفيذاً للفصول الأشد خطورة من المكيدة، ثم تبادر المرأة الغافلة عما يجري بالسؤال عما إذا ما كان زوجها قد عاد من السفر أم لا. فلم يكن من ديك الجن، وقد انطلت عليه الحيلة، ووجد في الحادثة المدبرة الدليل الملموس على خيانة زوجته، سوى أن يمتشق سيفه، ويحتز به عنق المرأة التي أحبها حتى انقطاع الأنفاس.
لم يُظهر ديك الجن في البداية أي شعور بالندم على فعْلته الشنعاء، ربما لأنه أحس بأن قتله لورد لم يكن ثمرة الوساوس المجردة، بل هو إحقاق عاجل لعدالة الأرض، حيث القتل ذبحاً هو العقاب الطبيعي للزوجة الخائنة. وهكذا، حلّ محلّ الندم شعور ممض بالمرارة والغم الشديد، إزاء نزوع زوجته إلى الخيانة والغدر. وهو ما جسدته مقطوعات عدة، من مثل:
أيها القلب لا تعُد لهوى البيض ثانية
ليس برقٌ يكون أخْلبَ من برقِ غانية
خنتِ سرّي ولم أخنكِ فموتي علانية
ولعل أكثر ما يلفت القارئ في البيت الأخير هو حرص ديك الجن على ارتداء ثوب العفة والوفاء، مقابل الخيانة المفترضة للزوجة المظلومة، فيما يُجمع المؤرخون على أنه كان منذ صباه منصرفاً إلى اللهو والمجون ونشدان الملذات، وصولاً إلى ولعه بالغلمان، خاصة الفتى «بَكر» الذي عمد -وفق بعض الرواة- إلى قتله، بعد أن ساورته الشكوك حول علاقته بورد. وإذا كان العلامة السيد محسن الأمين، في موسوعته الشهيرة «أعيان الشيعة»، قد أصر، خلافاً لإجماع المؤرخين، على نفي تهمتي القتل والمجون عن ديك الجن، فإن تسويغ هذا النفي بتشيّع الشاعر، ونظمه لكثير من القصائد في امتداح آل بيت الرسول، ليس بالأمر المقنع، لأن كثيراً من الشعراء العرب عاشوا حالة الفصام نفسها.
وأبلغ دليل على ذلك هو الفرزدق الذي لم يمنعه مديحه للإمام زين العابدين من اقتراف أفدح الآثام والمعاصي. على أن الجانب الأكثر إيلاماً من تلك المأساة الصادمة هو اكتشاف الشاعر بعد وقت قليل لحقيقة المكيدة التي دُبّرت ضده بليل، والتي أوصلت العلاقة بينه وبين زوجته إلى مصيرها الأسود. وإذ تجنبت السلطتان السياسية والقضائية في ذلك الزمن إنزال أي عقوبة تُذكر بالشاعر القاتل، تكفّل ديك الجن بالمهمة، عن طريق تبكيت الذات والنكوص الكامل باتجاه الزمن «الوردي» الذي تتعذر استعادته. وما لجوء الشاعر إلى جعل حادثة قتله لورد المحور الأبرز لمعظم القصائد اللاحقة سوى محاولة منه للتكفير عن جريمته المروعة، كما لجعل اللغة وسيلته الأنجع للحصول على العزاء المناسب، في حين أن «الزواج الشرقي العبودي» قد حرم الزوجة المغدورة من هذا الحق وتركها -وفق ما تقوله فاطمة المرنيسي- لقمة سائغة بين فكي «الصمت والجحيم».
وإذا صحت أحاديث بعض الرواة عن أن ديك الجن قد عمد إلى إحراق جثة زوجته بعد قتلها، ثم صنع من رمادها كأساً لاحتساء خمرة الندم المر، فإن تلك الفعلة الغريبة هي، على الرغم من تنافيها مع الشرع الإسلامي، محاولة رمزية أخرى للحيلولة دون تسليم الجسد المعشوق إلى عهدة التلاشي النهائي، وللاحتفاظ بما تبقّى منه في عهدة العاشق.
وهو أمر مشابه من الناحية الدلالية لما فعله الخليفة الأموي الوليد بن يزيد الذي أصر بعد موت عشيقته الأثيرة «حبابة» على البقاء إلى جوارها، وعدم إعطاء الإذن بدفنها إلا بعد أن بدأت جثتها بالتحلل.
كثيرة هي المقطوعات التي نظمها ديك الجن في رثاء ورد، وهي على الرغم من صدق نبرتها، وصدورها عن قلب مكلوم، تبدو من الناحية الفنية متفاوتة الجودة والجدة والعمق. لكن أروعها على الإطلاق هي مقطوعته الهائية التي نظمها في حمأة هلوساته، وفي ظل التمزق الدامي بين المشاعر المتنابذة، إذ يقول في أبياته الأشهر التي تناقلها الرواة:
يا طلعة طلَع الحِمَام عليها
وجنى لها ثمرَ الردى بيديها
أجريتُ سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري على خدّيها
روّيتُ من دمها الثرى ولطالما
روّى الهوى شفتي من شفتيها
فوَحقّ نعليها وما وطئ الحصى
شيء أعزّ علي من نعليْها
ما كان قتليها لأني لم أكنْ
أخشى إذا هبّ الهواء عليها
لكنْ ضننتُ على العيون بحسنها
وأنفتُ من نظر الحسود إليها
ومن الصعب بالطبع أن نمر مرور الكرام على وجوه التشابه المشتركة بين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن، ومثيلتها الغربية التي جسدها شكسبير في مسرحيته الشهيرة «عطيل»، مع ملاحظة أن المأساة الأولى قد حدثت على أرض الواقع، فيما حدثت الثانية على أرض الفن، وبفارق ثمانمائة عام تقريباً.
وإذا كان بعضهم يدحض حقيقة استلهام كبير الشعراء الإنجليز لمأساة الشاعر العباسي، بحجة عدم معرفة الأول باللغة العربية، وعدم قدومه إلى بلاد العرب، فثمة دلائل لافتة تشير إلى عكس ذلك. من بينها أن شكسبير زار البندقية التي شهدت أحداث مسرحيته المعروفة لفترة غير قليلة، وليس من المستبعد أن يكون قد اطّلع على تلك المأساة من خلال التجار النشطين الذين كانوا يجوبون سواحل المتوسط في تلك الحقبة من الزمن.
كما أنه ليس أمراً بلا دلالة أن يختار صاحب «روميو وجولييت» لمسرحيته بطلاً داكن اللون قدُم من المغرب إلى البندقية، ليصبح مع الوقت قائداً لجيوشها، وليحب ديدمونة ابنة أحد وجهاء المدينة التي هي من غير دينه، ويتزوجها من غير رضا أهلها، تماماً كما كان حال ورد. أما مكيدة أبي الطيب ضد الزوجين المتحابين، فتقابلها مكيدة ياغو، حامل الراية في جيش عطيل، ضد ديدمونة، والادعاء بأنه يحتفظ بالشال الحريري الذي كان عطيل قد أهداها إياه علامة على خيانتها.
حتى إذا عمد عطيل إلى قتل زوجته انتقاماً لكرامته المجروحة، عمدت إميليا زوجة ياغو إلى تبرئة الزوجة المقتولة من تهمة الخيانة، كاشفة عن أن ياغو قام بسرقة الشال الذي كان بحوزتها إذ ذاك، ليحث قائده الغيور على ارتكاب جريمته. وإذا كان شكسبير قد أحدث تعديلاً على المأساة الأولى، عبر دفْع بطله إلى الانتحار الجسدي، فإن العقاب الذي فرضه ديك الجن على نفسه، وقد استسلم لليأس والندم وإدمان الشراب، ليس أقل وطأة من الخيار الشكسبيري الذي وضع عبر انتحار البطل حداً سريعاً لمعاناته المؤرقة.
قد لا تكون هناك علاقة واضحة، أخيراً، بين مأساة الثنائي العاشق في العصر العباسي الأول وذينك الخطين الطويلين من الشجر المائل المزروع على مداخل حمص، ذلك أن الرياح الدائمة التي تتسلل من المتوسط عبر الممر الخفيض الذي يفصل بين جبال عكار وجبال طرطوس هي التي تتسبب -وفق علماء المناخ- بإجبار الأشجار في تلك النواحي على الانحناء، حتى تكاد تلامس الأرض.على أننا نستطيع بقليل من الخيال الشعري أن نربط بين مشهد الأشجار ذات الظهور المقوسة ودم ورد المراق على تراب الأنوثة المغدورة، بما يذكّرنا بقول الكاتب الفرنسي ميلوز: «الرياح العاتية تعوي بأسماء النساء الميّتات منذ زمن طويل.
أما بساتين الميماس المجاورة للمدينة، المخترقة بالنصل الفضي الآسر لمياه العاصي، التي رعت بحنوّ بالغ غرام الحبيبين المشبوب، فهي رعت بالحنو نفسه الدم المتسرب من جسد الجمال الذبيح، بحيث بدت المسافة بين جنة الحب وجحيمه أوهن من أن تُتلمّس بالأنامل أو تُرى بالعين المجردة».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».