ورد وديك الجن الحمصي... الحب مذبوحاً بسيف الغيرة

هل بلغت قصة زواجهما المأساوي مسامع شكسبير عن طريق تجار البندقية؟

مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
TT

ورد وديك الجن الحمصي... الحب مذبوحاً بسيف الغيرة

مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن
مسرحية «عطيل»... وجوه تشابه مشتركة بينها وبين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن

لم يحتفِ البشر عبر تاريخهم الطويل بعاطفة من العواطف الكثيرة المتباينة التي تعتمل في دواخلهم كما احتفوا بالحب، خاصة في شطره «المشبوب» المتعلق بالرجل والمرأة، وما يصيبهما بفعل سطوته العنيفة من تغيرات. والأدل على ذلك هو دخول هذه العاطفة في النسيج العميق للشعر والأدب، والفن بوجه عام، حيث ترك لنا الرجال العشاق والنساء العاشقات نماذج وتعبيرات إبداعية غير قابلة للحصر.
على أن تلك النماذج لم تكن وليدة الحب المألوف أو العلاقات العاطفية العادية التي تؤول إلى نسيان محقق، بعد أن يوصلها الزواج إلى نهاياتها التقليدية السعيدة، بل كانت تجد ضالتها في التحديات الصعبة والعوائق الاجتماعية المختلفة التي توصل العلاقة إلى طرق مسدودة، يتقاسم نهايتها الشعر والجنون والموت. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في كثير من الحضارات الشرقية والغربية، كما جسدته على نحو خاص تجربة الشعراء العذريين عند العرب.
لم يكن الزواج بالمقابل ليثير، عدا استثناءات نادرة، «لواعج» الشعراء والفنانين لأنه بإلغائه التام للمسافة الفاصلة بين الشخصين المتحابين يحرم الشعر من أبرز شروطه المتعلقة بالشغف ولهب التخيل وترجيعات الفقدان. وإذا كان الفن في بعض وجوهه هو البديل الرمزي عن الحياة غير المتحققة، فإن زواج المتحابين لا يترك للفن ما يفعله، إذ يقوم الواقعي في هذه الحالة مقام المتخيل المحلوم بتحقيقه.
والأدل على ذلك هو أن معظم القصائد التي كتبها الشعراء حول المرأة كان يتم إنجازها في فترات التتيم والوجد العاطفي التي تسبق الزواج، حتى إذا وصلت العلاقة إلى مآلاتها السعيدة خمدت نيران الشغف، وتراجع الوحي الشعري إلى خانة الصفر. والأمر نفسه يحدث في كثير من حالات السرد، حيث لا تجد الحكايات وقصص الحب والسير الشعبية ما تضيفه إلى زواج الطرفين المتحابين، سوى الإشارة إلى كونهما قد «عاشا في ثبات ونبات، إلى أن أتاهما هادم اللذات ومفرق الجماعات» الذي هو الموت.
وانطلاقاً من كل ما تقدم، كان يمكن لقصة الحب التي جمعت بين ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد أن تؤول بعد تتويجها بالزواج إلى نسيان محقق، لو لم تسهم الظروف المعقدة التي أحاطت بتلك العلاقة الشائكة في توفير النصاب الضروري لتحويلها إلى مأساة مروعة ظلت تردداتها الحزينة تُتناقل بشكل دائم من جيل إلى جيل. وقد ورد في غير مصدر قديم أن الشاعر العباسي عبد السلام بن رغبان الذي لقب بديك الجن، بسبب قصيدة نظمها، أو لخضرة زائدة في عينيه، أحب جارية له نصرانية تسمى ورداً، ثم دعاها إلى الإسلام فأسلمت.
وقد ملك جمال المرأة على الشاعر قلبه وعقله، فنظم فيها قصائد ومقطوعات عدة، من بينها:
انظرْ إلى شمس القصور وبدرها
وإلى خزاماها وبهجة زهرها
لم تبكِ عينكَ أبيض في أسود
جمَع الجمال كوجهها في شعرها
وتمايلتْ فضحكتُ من أردافها
عجباً ولكني بكيت لخصرها
أما سبب قتله لورد، فيُرجعه أبو الفرج الأصفهاني في كتاب «الأغاني» إلى مكيدة دبّرها بليْل ابن عمّ له يدعى أبا الطيب، كان الشاعر قد هجاه بسبب تحامله عليه وعلى زوجته. وإذ كان ديك الجن مسافراً في تجارة له، كان ابن عمه ذاك قد حبك له دسيسة ماكرة، مفادها أن ورداً تخونه مع غلام له، الأمر الذي جعله يعود مسرعاً إلى حمص.
ولم يكد الزوج المستشيط غضباً يتنفس الصعداء، حين وجد امرأته وحيدة في المنزل، حتى فوجئ بمن يقرع الباب، تنفيذاً للفصول الأشد خطورة من المكيدة، ثم تبادر المرأة الغافلة عما يجري بالسؤال عما إذا ما كان زوجها قد عاد من السفر أم لا. فلم يكن من ديك الجن، وقد انطلت عليه الحيلة، ووجد في الحادثة المدبرة الدليل الملموس على خيانة زوجته، سوى أن يمتشق سيفه، ويحتز به عنق المرأة التي أحبها حتى انقطاع الأنفاس.
لم يُظهر ديك الجن في البداية أي شعور بالندم على فعْلته الشنعاء، ربما لأنه أحس بأن قتله لورد لم يكن ثمرة الوساوس المجردة، بل هو إحقاق عاجل لعدالة الأرض، حيث القتل ذبحاً هو العقاب الطبيعي للزوجة الخائنة. وهكذا، حلّ محلّ الندم شعور ممض بالمرارة والغم الشديد، إزاء نزوع زوجته إلى الخيانة والغدر. وهو ما جسدته مقطوعات عدة، من مثل:
أيها القلب لا تعُد لهوى البيض ثانية
ليس برقٌ يكون أخْلبَ من برقِ غانية
خنتِ سرّي ولم أخنكِ فموتي علانية
ولعل أكثر ما يلفت القارئ في البيت الأخير هو حرص ديك الجن على ارتداء ثوب العفة والوفاء، مقابل الخيانة المفترضة للزوجة المظلومة، فيما يُجمع المؤرخون على أنه كان منذ صباه منصرفاً إلى اللهو والمجون ونشدان الملذات، وصولاً إلى ولعه بالغلمان، خاصة الفتى «بَكر» الذي عمد -وفق بعض الرواة- إلى قتله، بعد أن ساورته الشكوك حول علاقته بورد. وإذا كان العلامة السيد محسن الأمين، في موسوعته الشهيرة «أعيان الشيعة»، قد أصر، خلافاً لإجماع المؤرخين، على نفي تهمتي القتل والمجون عن ديك الجن، فإن تسويغ هذا النفي بتشيّع الشاعر، ونظمه لكثير من القصائد في امتداح آل بيت الرسول، ليس بالأمر المقنع، لأن كثيراً من الشعراء العرب عاشوا حالة الفصام نفسها.
وأبلغ دليل على ذلك هو الفرزدق الذي لم يمنعه مديحه للإمام زين العابدين من اقتراف أفدح الآثام والمعاصي. على أن الجانب الأكثر إيلاماً من تلك المأساة الصادمة هو اكتشاف الشاعر بعد وقت قليل لحقيقة المكيدة التي دُبّرت ضده بليل، والتي أوصلت العلاقة بينه وبين زوجته إلى مصيرها الأسود. وإذ تجنبت السلطتان السياسية والقضائية في ذلك الزمن إنزال أي عقوبة تُذكر بالشاعر القاتل، تكفّل ديك الجن بالمهمة، عن طريق تبكيت الذات والنكوص الكامل باتجاه الزمن «الوردي» الذي تتعذر استعادته. وما لجوء الشاعر إلى جعل حادثة قتله لورد المحور الأبرز لمعظم القصائد اللاحقة سوى محاولة منه للتكفير عن جريمته المروعة، كما لجعل اللغة وسيلته الأنجع للحصول على العزاء المناسب، في حين أن «الزواج الشرقي العبودي» قد حرم الزوجة المغدورة من هذا الحق وتركها -وفق ما تقوله فاطمة المرنيسي- لقمة سائغة بين فكي «الصمت والجحيم».
وإذا صحت أحاديث بعض الرواة عن أن ديك الجن قد عمد إلى إحراق جثة زوجته بعد قتلها، ثم صنع من رمادها كأساً لاحتساء خمرة الندم المر، فإن تلك الفعلة الغريبة هي، على الرغم من تنافيها مع الشرع الإسلامي، محاولة رمزية أخرى للحيلولة دون تسليم الجسد المعشوق إلى عهدة التلاشي النهائي، وللاحتفاظ بما تبقّى منه في عهدة العاشق.
وهو أمر مشابه من الناحية الدلالية لما فعله الخليفة الأموي الوليد بن يزيد الذي أصر بعد موت عشيقته الأثيرة «حبابة» على البقاء إلى جوارها، وعدم إعطاء الإذن بدفنها إلا بعد أن بدأت جثتها بالتحلل.
كثيرة هي المقطوعات التي نظمها ديك الجن في رثاء ورد، وهي على الرغم من صدق نبرتها، وصدورها عن قلب مكلوم، تبدو من الناحية الفنية متفاوتة الجودة والجدة والعمق. لكن أروعها على الإطلاق هي مقطوعته الهائية التي نظمها في حمأة هلوساته، وفي ظل التمزق الدامي بين المشاعر المتنابذة، إذ يقول في أبياته الأشهر التي تناقلها الرواة:
يا طلعة طلَع الحِمَام عليها
وجنى لها ثمرَ الردى بيديها
أجريتُ سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري على خدّيها
روّيتُ من دمها الثرى ولطالما
روّى الهوى شفتي من شفتيها
فوَحقّ نعليها وما وطئ الحصى
شيء أعزّ علي من نعليْها
ما كان قتليها لأني لم أكنْ
أخشى إذا هبّ الهواء عليها
لكنْ ضننتُ على العيون بحسنها
وأنفتُ من نظر الحسود إليها
ومن الصعب بالطبع أن نمر مرور الكرام على وجوه التشابه المشتركة بين التراجيديا العربية التي جسدها ديك الجن، ومثيلتها الغربية التي جسدها شكسبير في مسرحيته الشهيرة «عطيل»، مع ملاحظة أن المأساة الأولى قد حدثت على أرض الواقع، فيما حدثت الثانية على أرض الفن، وبفارق ثمانمائة عام تقريباً.
وإذا كان بعضهم يدحض حقيقة استلهام كبير الشعراء الإنجليز لمأساة الشاعر العباسي، بحجة عدم معرفة الأول باللغة العربية، وعدم قدومه إلى بلاد العرب، فثمة دلائل لافتة تشير إلى عكس ذلك. من بينها أن شكسبير زار البندقية التي شهدت أحداث مسرحيته المعروفة لفترة غير قليلة، وليس من المستبعد أن يكون قد اطّلع على تلك المأساة من خلال التجار النشطين الذين كانوا يجوبون سواحل المتوسط في تلك الحقبة من الزمن.
كما أنه ليس أمراً بلا دلالة أن يختار صاحب «روميو وجولييت» لمسرحيته بطلاً داكن اللون قدُم من المغرب إلى البندقية، ليصبح مع الوقت قائداً لجيوشها، وليحب ديدمونة ابنة أحد وجهاء المدينة التي هي من غير دينه، ويتزوجها من غير رضا أهلها، تماماً كما كان حال ورد. أما مكيدة أبي الطيب ضد الزوجين المتحابين، فتقابلها مكيدة ياغو، حامل الراية في جيش عطيل، ضد ديدمونة، والادعاء بأنه يحتفظ بالشال الحريري الذي كان عطيل قد أهداها إياه علامة على خيانتها.
حتى إذا عمد عطيل إلى قتل زوجته انتقاماً لكرامته المجروحة، عمدت إميليا زوجة ياغو إلى تبرئة الزوجة المقتولة من تهمة الخيانة، كاشفة عن أن ياغو قام بسرقة الشال الذي كان بحوزتها إذ ذاك، ليحث قائده الغيور على ارتكاب جريمته. وإذا كان شكسبير قد أحدث تعديلاً على المأساة الأولى، عبر دفْع بطله إلى الانتحار الجسدي، فإن العقاب الذي فرضه ديك الجن على نفسه، وقد استسلم لليأس والندم وإدمان الشراب، ليس أقل وطأة من الخيار الشكسبيري الذي وضع عبر انتحار البطل حداً سريعاً لمعاناته المؤرقة.
قد لا تكون هناك علاقة واضحة، أخيراً، بين مأساة الثنائي العاشق في العصر العباسي الأول وذينك الخطين الطويلين من الشجر المائل المزروع على مداخل حمص، ذلك أن الرياح الدائمة التي تتسلل من المتوسط عبر الممر الخفيض الذي يفصل بين جبال عكار وجبال طرطوس هي التي تتسبب -وفق علماء المناخ- بإجبار الأشجار في تلك النواحي على الانحناء، حتى تكاد تلامس الأرض.على أننا نستطيع بقليل من الخيال الشعري أن نربط بين مشهد الأشجار ذات الظهور المقوسة ودم ورد المراق على تراب الأنوثة المغدورة، بما يذكّرنا بقول الكاتب الفرنسي ميلوز: «الرياح العاتية تعوي بأسماء النساء الميّتات منذ زمن طويل.
أما بساتين الميماس المجاورة للمدينة، المخترقة بالنصل الفضي الآسر لمياه العاصي، التي رعت بحنوّ بالغ غرام الحبيبين المشبوب، فهي رعت بالحنو نفسه الدم المتسرب من جسد الجمال الذبيح، بحيث بدت المسافة بين جنة الحب وجحيمه أوهن من أن تُتلمّس بالأنامل أو تُرى بالعين المجردة».



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».