تعز في قبضة الحوثيين.. والعين على عدن

تحضيرات مكثفة على الأرض لتحرك بري باتجاه الجنوب.. وقوات الرئيس الشرعي تشكل حزامًا أمنيًا معززة بنحو 40 دبابة

محتجون في تعز خلال مظاهرة مناوئة للحوثيين أمس (إ.ب.أ)
محتجون في تعز خلال مظاهرة مناوئة للحوثيين أمس (إ.ب.أ)
TT

تعز في قبضة الحوثيين.. والعين على عدن

محتجون في تعز خلال مظاهرة مناوئة للحوثيين أمس (إ.ب.أ)
محتجون في تعز خلال مظاهرة مناوئة للحوثيين أمس (إ.ب.أ)

باتت محافظة تعز، كبرى المحافظات اليمنية من حيث عدد السكان، في قبضة المسلحين الحوثيين وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في الوقت الذي استنجد فيه الرئيس عبد ربه منصور هادي بمجلس الأمن الدولي، مطالبا بإجراءات عاجلة تحت البند السابع لوقف «عدوان» الحوثيين وحلفائهم على الجنوب.
وتعد مدينة تعز، من أكبر مدن اليمن، بوابة عدن التي لجأ إليها الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به دوليا بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، ما يعزز مخاوف من انتقال القتال إلى مشارف المدينة الجنوبية التي باتت عاصمة مؤقتة للبلاد. وانتشر نحو 300 مسلح حوثي بثياب عسكرية مع جنود في حرم مطار تعز فيما قامت مروحيات بنقل تعزيزات عسكرية من صنعاء الواقعة على بعد 250 كيلومترا شمالا، بحسب مصادر ملاحية.
وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» سيطرة مسلحين يحملون شعارات الحوثيين على مطاري تعز المدني والعسكري والمجمع القضائي وعدد من المباني الحكومية المهمة، فيما انتشرت نقاط عسكرية وأمنية في مختلف مداخل المدينة ومخارجها وبداخلها وعلى المرتفعات الجبلية المحيطة بها، في ظل صمت السلطة المحلية، ممثلة في المحافظ شوقي أحمد هائل سعيد، في حين خرجت مجاميع غفيرة من المواطنين للتظاهر رفضا لوجود الحوثيين في تعز.
وقام المسلحون الحوثيون بتسيير دوريات في بعض أحياء تعز كما أقاموا نقاط تفتيش في منطقتي نقيل الإبل والراهدة الواقعتين على بعد 30 و80 كيلومترا تباعا جنوب تعز، بحسب مصادر قبلية.
وأكدت المصادر أن تعز، التي استقبلت اليومين الماضيين تعزيزات عسكرية وأمنية من صنعاء، تشهد تمردا عسكريا بدأ من قبل قائد قوات الأمن الخاصة، العميد الركن حمود الحارثي. وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القادة العسكريين والأمنيين في تعز والموالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح «يمثلون العمود الفقري لعملية إسقاط تعز والتمرد على الشرعية الدستورية ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي». وأضافت المصادر أن «التحركات في تعز تتجه نحو جعلها منطلقا لاجتياح جنوب البلاد، وبالتحديد محافظتا لحج وعدن»، والأخيرة هي معقل الرئيس عبد ربه منصور هادي.
وأكدت مصادر عسكرية في «قاعدة الديلمي» العسكرية الجوية في صنعاء، أن أفواج التعزيزات العسكرية من الجنود تتواصل منذ 3 أيام نحو تعز، وكشفت هذه المصادر أن «معظم أفراد هذه التعزيزات ليسوا جنودا وإنما عبارة عن ميليشيات حوثية بملابس عسكرية»، في حين وصلت إلى تعز تعزيزات عسكرية من محافظة إب المجاورة، في الوقت الذي قال فيه شهود عيان إن أعدادا كبيرة من القوات والمعدات العسكرية توجهت من تعز باتجاه منطقتي الشريجة وكرش في محافظة لحج، والشريجة هي منطقة حدودية سابقة بين شطري اليمن، الشمالي والجنوبي، سابقا.
في هذه الأثناء، قالت اللجنة الأمنية بمحافظة تعز إنها أصدرت توجيهات إلى كل قيادات الوحدات العسكرية والأمنية بعدم تحريك أي قوة، وأضافت اللجنة أن «التعزيزات لقوات الأمن الخاصة بالمدينة جاءت من دون طلبنا»، ودعت اللجنة إلى «الاصطفاف للحفاظ على الأمن وتحكيم العقل والمنطق وضبط النفس»، وأكد مركز الإعلام الأمني التابع لمحافظة تعز أن وصول هذه القوات جاء بناء على تعليمات صادرة من قيادة قوات الأمن الخاصة في صنعاء التي يقودها ضابط حوثي عين في هذا المنصب بعد السيطرة على العاصمة صنعاء.
وخرجت جماهير غفيرة من سكان تعز، أمس، في مظاهرات حاشدة لسيطرة الحوثيين وحلفائهم على محافظة تعز، غير أن قوات الأمن الموالية للحوثيين وصالح، قامت بقمع المظاهرات بالرصاص الحي والهراوات والغازات المسيلة للدموع، وفي آخر إحصائية ميدانية، فقد قتل شخص واحد، على الأقل، وجرح نحو 10 آخرين جراء قمع المظاهرات، وأصيب العشرات بحالات إغماء جراء الغازات المسيلة للدموع. وحسب شهود عيان، فقد انضم العشرات من المنتمين لقوات الأمن الخاصة إلى المتظاهرين، رفضا للوجود الحوثي، في حين اعتصم مئات المواطنين أمام معسكر قوات الأمن لمطالبتهم بعدم قمع المتظاهرين وعدم المشاركة في أي عملية اجتياح للمحافظات الجنوبية والشرقية من البلاد.
وتشير كل التحركات الميدانية للحوثيين وصالح إلى تحضيرات مكثفة على الأرض لتحرك بري باتجاه مدينة عدن، في وقت باتت فيه القوات العسكرية الخاضعة لسيطرة الحوثيين والموالية لصالح، في حالة تعبئة عامة في ضوء قرار رسمي لـ«اللجنة الثورية العليا»، كما تسمى، ويواصل الحوثيون تهيئة المواطنين نفسيا للحرب، من خلال كيل الاتهامات للرئيس السابق بالعمالة للخارج والحديث عن انتشار الـ«دواعش» في المحافظات الجنوبية وفي مأرب وغيرها من المناطق التي لم تخضع لسيطرة الحوثيين، حتى اللحظة.
وحسب خبراء عسكريين لـ«الشرق الأوسط»، فإن دوافع أي حرب يريد الحوثيون وحلفاؤهم القيام بها «غير مقنعة ولا تحظى بالشرعية المطلوبة أو التأييد الشعبي»، ويردف الخبراء أن «قوات الجيش ليست في حالة نفسية مناسبة لخوض أي حرب، فهذه القوات منقسمة بين مؤيدين للحوثيين، وهم قلة، ومؤيدين لصالح وهم الأغلبية، وآخرين في موقف الحياد ويرفضون الحرب أو المشاركة فيها من حيث المبدأ». وحول سر اختيار قوات الأمن الخاصة لتكون هي من يعلن شرارة التمرد على الرئيس هادي في عدن والآن في تعز، وربما في محافظات أخرى في وقت لاحق، يؤكد الخبراء أن «قوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي سابقا) لا تختلف كثيرا في طبيعة تركيبتها وبنيتها عن قوات الجيش والحرس الجمهوري، فهي قوات أسسها وقادها لسنوات طويلة اللواء محمد عبد الله صالح، شقيق صالح، ومن ثم نجله العميد يحيى محمد عبد الله صالح وحتى إعادة هيكلة الجيش والأمن في عام 2012 عندما تنحى عمه عن سدة الحكم عام 2011، وهي قوات بنيت على أساس الولاء المناطقي والمذهبي والجهوي ولم تبن على أساس وطني»، حسب تعبير الخبراء. ورغم أن تعز هي أكبر المحافظات اليمنية من حيث عدد السكان (أكثر من 4 ملايين نسمة)، فإن نسبة انتمائهم للمؤسسة العسكرية ضئيلة جدا، كما هو الحال مع تمثيل معظم المحافظات اليمنية في الجيش والأمن والمواقع القيادية، كما يقول المراقبون.
وإزاء تقدم الحوثيين باتجاه عدن، قامت القوات اليمنية الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي مع عناصر اللجان الشعبية المؤيدة له بالانتشار حول عدن. وذكر مصدر عسكري أن هذه القوات شكلت حزاما أمنيا حول المدينة الجنوبية «معززة بنحو 40 دبابة في شمال وغرب» عدن.
وفي سياق متصل، طالب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات لوقف «عدوان» الحوثيين وحلفائهم على المحافظات اليمنية، وبالأخص مدينة عدن.
إلى ذلك، كشف مصدر قبلي في محافظة لحج الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» أن المجاميع المسلحة التي سيطرت على مدينة الحوطة، عاصمة المحافظة، تتبع شخصيات موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح وبعض أولئك المسلحين ينتمون لتنظيم القاعدة. وذكر المصدر أن الشخصيات الموالية لصالح «سلّحت العشرات من الأشخاص وزودتهم بالأموال مقابل السيطرة على لحج باعتبار أنهم جنوبيون وبحجة انتمائهم للجان الشعبية الموالية للرئيس هادي للزج بالمحافظة في أتون الانفلات الأمني»، وتبعد لحج عن عدن قرابة 27 كيلومترا فقط، وأكد المصدر أن عددا كبيرا من مسلحي «القاعدة» انسحبوا من المدينة بعد أن «تلقوا تعليمات بذلك»، وتعرضت البنوك في لحج لنهب كبير وقدرت الأموال التي نهبت من فرع البنك المركزي هناك فقط بنحو 350 مليون ريال يمني.
إلى ذلك، دعا المجلس الأعلى للحراك الثوري السلمي لتحرير واستقلال الجنوب، أحد فصائل الحراك الجنوبي «كافة القيادات العسكرية الجنوبية من ضباط وصف ضباط وجنود، المسرحين من أعمالهم قسرا منذ احتلال الجنوب في يوليو (تموز) 94م إلى الدخول في الخدمة فورا والالتحاق بالوحدات العسكرية وجبهات الشرف للدفاع والذود عن أرض الجنوب والدفاع عن الأعراض والأملاك وبسط السيطرة على الأرض»، حسب بيان صحافي أصدره فؤاد راشد، أمين سر المجلس، وقال فيه إن «التعبئة العامة وطبول الحرب التي تدق في الشمال اليوم والتجهيزات العسكرية البربرية ليست لإسقاط الرئيس عبد ربه منصور هادي وإدراجه في السجن أو اغتياله، وإنما لإعادة احتلال الجنوب الذي بدأت مفاصله تتفكك، ورسم خارطته الجديدة بلباس حاكم محتل جديد أسوأ من سابقه»، مشددا على أن «المعركة اليوم هي معركة الحق ضد الباطل المتغول منذ سنوات طويلة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.