الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

«خلوّ» تستلهم «انتفاضة تشرين» العراقية

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية
TT

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

الرواية بوصفها متحفاً للذاكرة الجمعية الشعبية

رواية «خلوّ» للروائي طه حامد شبيب، الصادرة عام 2021، رواية ترميزية - إليغوريا وفنطازية عن الوضع السياسي والاجتماعي، الذي أعقب الاحتلال عام 2003، وصعود القوى الإرهابية والطائفية واستقوائها بالخارج وقيامها بتهريب ثروات البلد، عبر أنفاق عملاقة «تشفط» رمزياً هذه الثروات. ومن الجهة الأخرى فهي تصدر أشكال المقاومة التي يواجه بها الناس هذا التسلط، وبشكل خاص من خلال انتفاضة تشرين وميدانها الأساسي ساحة التحرير في قلب بغداد. الرواية إلى درجة كبيرة صرخة احتجاج رافضة للحرب من خلال هرب بطل الرواية من جحيم الحرب، وهي دعوة للسلم والمحبة، من خلال ابتكار بدائل كرنفالية وتغريبية متنوعة منها توظيف الواقعية السحرية ورواية الخيال العلمي والتغريب البريختي، فضلاً عن السرد الواقعي الحديث. وتكاد الرواية تستهل حبكتها المركزية على غرار ما نجده في القصص البوليسية. إذ يدخل (نوفل) ابن الرابعة وهو يصرخ بلوعة: «عمو حاتم مات، طلع الدم من راسه ومات» (ص 5).
وهكذا مثل القصص البوليسية يثير هذا الاستهلال أسئلة عديدة لأفق توقع القارئ عن سر الجريمة وهوية القاتل، ولكنها قبل هذا وذاك تستدرجنا لمعرفة شخصية القتيل (العم حاتم)، وهو ما يحول الرواية بشكل جوهري، إلى رواية بطل مركزي، سيلاحق الراوي، وهو ذات المؤلف الثانية سيرة هذا البطل والأسرار التي أحاطت بحياته ومقتله. إذ يعلن الراوي المركزي إنه سينهض بمهمة لملمة شتات هذه الحكاية، اعتماداً على شهادته الشخصية ومرويات بطل الرواية (حاتم)، فضلاً عن الاستناد إلى «سند الآخرين من الثقاة»: «بعد سنين طوال، تومض تلك اللحظة من بعيد، فلا يكون لنوفل شأن في الحكاية المبعثرة التي أحاول أن ألم شتاتها الآن، ولن يسعني أن ألم شتاتها دون سند الآخرين من ثقاتي» (ص6).
ونكتشف أن هذا الراوي يعتمد على مصدرين لدعم روايته: الأول كتابي من خلال المدونة التي تركها لها (أبو الهدى) الذي يوكل لبطل الرواية (حاتم) أفعالاً متعددة، ويؤكد أنه كان يقود مجاميع الشبان في «الهيجان» الكبير لمواجهة القوى الظلامية، أما المصدر الثاني فهو شفاهي، ويعتمد على مرويات «نشمية أم الخبز» التي كانت تساند الشباب المنتفضين، وتمدهم بالخبز الحار الذي كانت تخبزه في ساحة الاعتصام.
وطريقة الإسناد السردي تضع الرواية في إطار رواية الميتاسرد، حيث الاعتماد على المخطوطة المدونة التي دونها «أبو الهدى» ومرويات «نشمية أم الخبز» الشفاهية، فضلاً عن قصدية الكتابة الروائية التي يؤكدها الراوي المركزي من حين لآخر. كما أن الاعتماد على أكثر من مصدر للحكي يضفي على الرواية مسحة بوليفونية تعددية، ويُفسر عنوان الرواية «خلو»، بوصفه عتبة نصية دالة حسب جيرار جنيت، سر انكفاء حركة الانتفاضة الشعبية إلى انتماء الناس إلى موقف «الخلو» الذي يعني انسحاب الناس من مواجهة ظالميهم، والانكفاء على ذواتهم، مما يتيح الفرصة لقوى الظلام بالاستقواء والاستفحال. ونكتشف أن أبو الهدى، أحد الرواة الثقة، هو الذي استخدم مصطلح «الخلو» ليشير به إلى هذه الحالة: «ذلك الفراغ اللامتناهي، المندلق في جميع الاتجاهات، الذي اختفت به المدن... الفراغ الذي سماه أبو الهدى بالخلو، ذلك الخلو يخبرنا عنه حاتم... مدينتنا خالية خالية، من الجسر إلى الجسر... أين ذهب الناس؟ حاتم لا يدري» (61).
لكن الرواية لا تستسلم لما هو قائم، بل ربما تفعل على ضوء مقولة لوسيان غولدمان، بعدم الاكتفاء بتوصيف «الوعي القائم» الذي قد يكون ساكناً بل بالبحث عن «الوعي الممكن»، بما فيه الوعي الثوري لمواجهة الاستبداد والظلم. ولذا تنحاز الرواية إلى نضال شبان الانتفاضة، وتؤكد قدرتهم على المواجهة والانتصار، وهو موقف يحسب لصالح الرواية وتوجهاتها الفكرية.
رواية «خلو» هذه تعتمد إلى حد كبير على الاستراتيجية السردية التي اعتمدها المؤلف في روايته السابقة «عن لا شيء يحكي»: ثمة بطل مركزي هو الذي يقدم السرد مثلما وجدنا في روايته السابقة وراويها الأعمى، وهو في الغالب سارد لا يمكن الاعتماد عليه أو يكون البطل جندياً يتخيل أشياء غير واقعية، ربما هذيانية، كما يعترف بطل الرواية ذاته حاتم الديو في أكثر من موقع (ص 294)، مما يجعل سرده تحت باب السرد الغرائبي، خصوصاً عندما يتحول البطل (حاتم الديو) إلى أسطورة تتحدى الموت، وتبث الأمل والشجاعة والإرادة الثورية بين صفوف شبان الهيجان الشعبي. فرغم الإعلان عن مقتل العم حاتم، الذي نقله «نوفل» ابن الرابعة وشقيق الراوي المركزي إلا أننا نجده يعود إلى الحياة، ربما لأن أحداً لم يشهد جنازته.
وتتكشف شخصية حاتم الديو الأسطورية في أكثر من مظهر، فهو يمتلك القدرة على قراءة المستقبل (البعيد) والنظر إلى مواقع ومواضع بعيدة عنه، ومنها قدرته على التخاطر التلباتي مع صديقه الجندي/ العدو، كما يسميه، الذي تعرف عليه «هناك في الأعلى التقيا... وفي نقطة يقدرها هو فوق الأرض الحرام التقيا، ولا نملك سبباً لتكذيبه» (ص 9)، واتفقا من خلال التخاطر عن بعد على الهرب من ساحة المعركة، احتجاجاً على الحرب، وتطلعاً لإقامة السلام والمودة بين الناس. وقد عبر عن ذلك صديقه الجندي المعادي بلغة عامية «جيش أنا، وجيش أنت مرة اثنين هرب» (ص 13)، ويقوده صديقه الجندي المعادي إلى قمة جبل عالية شبيهة بالجنة الأرضية بخضرتها وموسيقاها وجمال نسائها: «أكو جنة أحلى من هذي الجنة؟» (ص 18). ويؤكد حاتم الديو، وهو يروي حكايته، أنه كان يقف مع صديقه في «بطون السديم الرخو» بين النجوم (ص 18)، حيث يخلق الروائي عالماً يوتوبياً بديلاً عن عالم الدستوبيا الأسود الذي تمثله ساحة الحرب والعراك. لقد عمد الروائي لخلق مجموعة من البؤر المكانية، الأليفة والمعادية بتعبير باشلار، التي هيمنت على الفضاء الروائي منها ساحة المعركة والعراك، وبشكل خاص في خط المواجهة بين الجيشين، حيث يجند حاتم الديو بصفة مدفعي، وصديقه الجندي في الجبهة المعادية، الذي يعمل مدفعياً أيضاً، حيث يتحركان أحياناً وكأنهما نسخة واحدة من خلال عملية التماهي والتخاطر بين الشخصيتين. أما البؤرة الثانية التي أصبحت لاحقاً هي البؤرة المكانية المهيمنة فهي ساحة الانتفاضة والهيجان، والتي هي صورة لانتفاضة تشرين، وتتكشف في هذه البنية المكانية الخصال الثورية للشبان العراقيين الذين وقفوا ضد العنف والقتل والاختطاف والاستقواء بالخارج، كما تومئ إلى أن انتصار هيجان الشبان مرهون بنجاحهم في زج الناس في هذه المعركة العادلة، وإقناعهم بالخروج من دائرة الانتماء إلى «الخلو»، ودفعهم للانتماء إلى التغيير والرفض.
ومن البؤر المكانية، تلك البقعة الخيالية الافتراضية التي خلقها الروائي «بين السديم المترجرج»، حيث الجبال الشاهقة التي تعانق السحب، وحيث الجمال والنساء «نسوان هلوين»، وحيث تدار لهما جرار صغيرة من الشراب تستخرج من باطن الأشجار. ويتحول هذا المكان إلى بديل كرنفالي متألق في مواجهة واقع الحرب الأسود والمليء بالمآسي والدماء: «الجنة هنا بهذي المدينة، هنا، وليس فوق فوق» (17).
وتظل المحلة التي يقطنها بطل الرواية حاتم الديو مع زوجته (شمم) وأبنائه الثلاثة، كما يقطنها الراوي المركزي بمثابة المكان الأليف، مكان الطفولة الواقعي، الذي تنطلق منها لاحقاً كل الأحداث الواقعية والمتخيلة على السواء. وعمد المؤلف في هذه الرواية إلى خلق فسيفساء سردية، وظف فيها العديد من التقنيات والأساليب الواقعية والغرائبية والفنطازية والتغريبية (بمفهوم بريخت)، فضلاً عن توظيف الواقعية السحرية ورواية الخيال العلمي والنزعة الاحتفالية والكرنفالية بمفهوم ميخائيل باختين، فضلاً عن النزعة الميتاسردية، كما نجد لوناً من الأسلبة اللغوية بالمنظور الباختيني، حيث تتداخل الأصوات الغيرية في الخطاب عبر مظاهر التهجين التي يجري فيها تحوير اللغة وتكييفها لمتطلبات المقام والموقف. إذْ يلجأ الروائي إلى إعادة أسلبة وتهجين لغة البطل حاتم الديو، ونشمية أم الخبز بطريقة مغايرة للأصل. فقد اعتادت نشمية أم الخبز التي كانت تخبز الخبز الحار للشبان المنتفضين في ساحة الاعتصام، أن تقدم شهادتها شفوياً، فيقوم الروائي بأسلبة لغتها وتهجينها: «نشمية لا تجيد الكتابة والقراءة بطلاقة. تقرأ وتكتب ولكن ليس بدرجة تجعلني أستكتبها، كما استكتبت أبو الهدى، لذا تعتذر عن عجزها في التعبير فتقول: يمة يا المعلم آني أعرف شويه نحوي... يصير أحكي بالنحوي... وأنا أكتم ابتسامة قلت لها: قصدك تتكلمين بالفصحى» (ص 84).
كما يمكن ملاحظة ظاهرة التهجين اللغوي والأسلوبي في الرواية من خلال «مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضاً التقاء وعيين لسانيين مفصولين وبفارق اجتماعي، داخل ذلك الملفوظ، كما يرى ميخائيل باختين.
ولذا يتداخل أكثر من وعي لساني داخل ملفوظ واحد مما يعزز مظاهر التهجين والأسلبة في الرواية. إذْ يشير الراوي إلى أن حاتم الديو غير قادر على صياغة أدبية لأفكاره، ولذا يتدخل بصياغة مروياته «ولا نتوهم، فنتصور أن هذه تعابير حاتم الديو... لا... لا... هذه، وأذكرها ثانية وثالثة ورابعة، ما هي إلا فحوى كلامه فحسب» (ص 16).
يمكن القول إن رواية «خلو» هذه بمثابة موسوعة شاملة عن انتفاضة تشرين وبطولات شبانها وتجسيد حي لمجتمع الانتفاضة اليومي، ولأشكال المقاومة والنضال التي كان يبديها المنتفضون. لكن ما يصدم القارئ وهو ينتهي من قراءة الصفحة الأخيرة من الرواية أنها تبدو مقطوعة وناقصة، إذ يتوقف السرد في ذروة الصراع والاشتباك دونما حسم محدد، أو إشارة إلى مسار هذا الحسم. وهذا الأمر يجعل من الرواية عرضة لتأويلات وقراءات مختلفة بوصفها رواية مفتوحة. كما تظل بعض مواضع الغموض التي لم يتم جلاؤها مثل سر زيارة حاتم الديو إلى مدينته، ومعرفة من المسؤول عن قتل الفتاتين، وما هو السبب الحقيقي للحكم على حاتم وقتله لاحقاً. كما لم أقتنع بالموقف الذي طرحته الرواية من قضية المسفرين بالقوة من قبل السلطة الديكتاتورية آنذاك بحجة «التبعية» لدولة مجاورة، والخشية من تعاطفهم مع جيش العدو (ص 113).
رواية «خلو» عمل سردي بانارومي، يتشكل من فسيفساء سردية متنوعة، جعلت منها متحفاً مهماً للذاكرة الجمعية الشعبية، وللوطنية العراقية في مواجهة قوى التدخل الأجنبي، ودفاعاً عن قيم الحق والخير والجمال.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».