رشيد درباس: السيّاب جعلني أتوقف عن كتابة الشعر عشرين سنة

بعد رحلة عمر مع الأدب وفي دهاليز السياسة

رشيد درباس
سيرة في ديوان
رشيد درباس سيرة في ديوان
TT

رشيد درباس: السيّاب جعلني أتوقف عن كتابة الشعر عشرين سنة

رشيد درباس
سيرة في ديوان
رشيد درباس سيرة في ديوان

يقضي الشاعر والوزير اللبناني السابق رشيد درباس، وقته في مكتبه الزجاجي المطل على بحر مدينته الأثيرة «الميناء»، موزعاً نشاطاته بين كتابة الشعر والمقالات والقراءة، ومتابعة الأحداث السياسية وتحضير ملفاته القضائية. فقد كان نقيباً سابقاً للمحامين، ولا تزال المحاماة مهنته التي لن يتقاعد منها، كما أنه لن يعتزل الكتابة. وإذ يرى أن المرافعة حين تكون معجونة بالأدب ومستعينة بالتاريخ؛ فهي مما يسعد القاضي، ويسهل مهمة المحامي، وهو يستفيد من موهبته اللغوية في الدفاع عن آرائه السياسية تماماً كما عن موكليه.
وبعد ستة دواوين شعرية، ها هو يعدّ العدّة لإصدار سابع، وكلما قال إنه تاب عن الشعر عاد إليه طائعاً، وتحدث عنه عاشقاً، مستشهداً بأبيات يحفظها لكل مناسبة.
وُلد رشيد درباس عام 1941 في قرية عين يعقوب العكارية المعروفة بصنوبرها البري. يقول «كنا حين يمرض أحدنا يأخذوننا إلى الصنوبر للتداوي. لهذا كتبت (سيرة من صنوبر وملح)». في السابعة انتقل رشيد الصغير مع عائلته إلى مدينة والدته ميناء طرابلس، ولم يكن لقاء الطفل بالمدينة سهلاً. «حين دخلنا أنا وأخي مدرسة (مار إلياس) شعرنا بالخوف وأن الناس ستأكلنا. لم أتأقلم في المدرسة. كنت أجرّ أيامي بصعوبة فظيعة، لغاية أن أنهيت البكالوريا الأولى في القسم العلمي». يحاول الشاعر أن يبحث عن منابعه الأولى، يتتبعها «في الصف الثالث الابتدائي كان لمعلمة اللغة العربية أليس أيّا صوت أخاذ. ثم علمني العربية كامل درويش، الذي كان يأتي بنا إلى المدرسة، في أواخر مارس (آذار) بعد الدوام، حيث تكون طرابلس قارورة عطر بسبب رائحة بساتين الليمون. جلس يوماً على الطاولة، وأخذ يقول كلاماً لم أعرف منه سوى أنني كنت مسحوراً به وبلغته وإلقائه، كان شاعراً وكنت أتمنى أن أقلده». مع العائلة لم يكن حال رشيد مختلفاً «حين كان يعود أبي إلى البيت يقول له جدي يالله يا توفيق، إتينا بسيرة عنترة. يقرأ أبي وحين يصل إلى الشعر يغنيه، وكان ذا صوت لم أسمع مثيلاً له في حياتي».
ظن الصبي أن الدنيا شعر وغناء وصوت عود. لم يكن والداه متعلمين، إلا أنه لم يرهما ينامان إلا والكتاب في يديهما، وعنهما أخذ رشيد حب القراءة. «كنا أنا وأخي ثم جاءت أختي بعد 12 عاماً. تأثرت بوالدي وبتلك الأجواء الفنية. كان عمري 13 سنة، يوم قرأت قصيدة لأمين مشرق اسمها (الكمان). وحصل معي بعد أربعين سنة أن تعرفت على صديق عميد في الجيش، هو جوزيف بدوي، يعزف عزفاً خرافياً على العود، ولم أنتبه أنني مسكون بالكمان. وكتبت من وحي تلك القصيدة التي اكتشفت أنني اختزنها في بالي».
ذاكرة طازجة وعفية، يرجع بها رشيد درباس إلى طفولته وكأنه يعيشها اللحظة، يربط بين القصائد التي قرأها، وتلك التي عاد وكتبها بعد سنوات طوال، ليشعر بأنه إنما كان يكتنز المعاني والصور والإيقاعات، ويخرجها بحلة لم يعرفها أحد من قبل. «تغيرت نظرتي للشعر بمرور الوقت، أدركت كم من المهم أن يكون صادقاً، ومبتكراً. وصرت أتعمد في كتابتي التضمين، وبارز عندي تضمين التراث مع تغيير السياق».
لا يخفي أنه لم يحب المدرسة أبداً «كنت أشعر بعبء. اكتشفت متأخراً أنني لم أكن أفهم ما يدور. كانت الفرنسية صعبة. وكرهت الكيمياء ومعادلاتها بشكل فظيع. لم أشعر بالارتياح إلا حين وصلت إلى البكالوريا واخترت قسم الفلسفة. تلك كانت واحتي». بإمكان درباس اليوم أن يشرح لك ابن رشد والغزالي، والفارابي، وعلماء الكلام، المعتزلة والأشاعرة، بفضل قراءاته في تلك الفترة، خاصة ما كتبه الدكتور عبد الرحمن مرحبا.
لكن الوالد كان يريد لرشيد أن يتخصص في الزراعة ليدير عقارات جده في عكار، ورشيد في وادٍ آخر. صار مسحوراً بالناصرية، والقومية تشتعل في قلوب الشباب، فشد الرحال إلى مصر للدراسة هناك. درس في كلية الزراعة مع عادل أمام وصلاح السعدني عام 1961. «مكثت سنة لم أتعلم شيئاً، لكنني تعرفت على مصر، حضرت كل المسرحيات، وارتدت صالون نجيب محفوظ، وحضرت المهرجانات. وقررت الانتقال إلى كلية الحقوق، دون أن أخبر عائلتي».
تخرّج وعاد إلى لبنان ليتخصص في القانون اللبناني في الجامعة اليسوعية، ويتدرج في مكتب عمر مسقاوي.
لا يعرف رشيد درباس، متى بدأت علاقته مع الشعر، إلا أنه يصف المحاولات المبكرة بأنها «أنتجت شعراً من أسخف ما كتبت». شحذ موهبته بالقراءة والاطلاع، وقرر أنه لن يكون شاعراً بعد أن قرأ ديوان «أنشودة المطر» للسيّاب، وأدهش بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر - أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر. كان ذاك عام 1961 فبقي متوقفاً عن كتابة الشعر حتى 1981.
بعد صمت عشرين سنة، استفاق ذات ليلة مع طلوع الفجر، وهو ينسج قصيدة استلهمها من قصيدة السيّاب تلك، ومن جملة استخدمها يوم كان طالباً في القاهرة، ليصف بها طالبة أعجبته عيناها، فكتب: عيناك الشط الأفريقي. لتكون نواة ديوانه الأول «همزة وصل» وكرة السبحة فكتب «الرمل ديوان نخيل»، «من... إلى حبيبة»، «هبة لحن يضيء الحياة»، «شبابيك ليل»، وفي ديوان خاص أسماه «طفولتي شعر لا يشيب»، كتب سيرة حياته شعراً.
ما كان ربما لينطلق في كتابة الشعر لولا تشجيع صديقه الذي سيصبح وزيراً عمر مسقاوي وهو يسمعه «عيناك الشط الأفريقي»، ودعوة الشاعر عبد الفتاح عكاري له لينضم إلى «منتدى طرابلس الشعري». «مع هذه المجموعة شعرت نفسي أمياً باللغة والشعر. كبار من مثل عبد الكريم شنينه تعلمت منهم الفن والعروض والشعر».
انخرط رشيد درباس في «حركة القوميين العرب»، وبقي نشطاً ومنظماً معهم حتى عام 1964. كان عمره 17 عاماً يوم تعرف على غسان كنفاني الذي كان يأتي ليلتقي بالمجموعات القومية في مقهى عزيزة في طرابلس، تحت المكتب الحالي لرشيد درباس. ثم تحمس لحركة «فتح»، إلى أن خرجت من بيروت عام 1982. ويروي درباس، أنه فور عودة أبو عمار بقارب من قبرص بشكل سري إلى طرابلس، التقاه عند عودته، واختلف معه. «عادوا إلى طرابلس لإنتاج دولتهم. لم أكن موافقاً بالتأكيد». ليلتها، يقول درباس، إنه تعرض لمحاولة قتل ونجا بفضل سائقه.
«كان أول ما حصل بعد دخول السوريين إلى لبنان، أنهم بدأوا البحث عني. نصحني الأصدقاء بأن أتوارى». ويروي أن أحمد كرامي وكان مديراً لمرفأ طرابلس وصديقاً حميماً له، وضعه في سيارته، أدخله المرفأ وهرّبه على متن باخرة شحن إلى قبرص. و«بقيت حرقة عندي أن والدي توفي في غيابي عن 62 سنة ولم يكن مريضاً، ولم أمش في جنازته. وكي يمنعني من العودة في ذلك اليوم الصعب، جاءني أحمد إلى قبرص ومعه زوجتي وأولادي».
ذهب أنور السادات إلى القدس، وغيّر السوريون مواقفهم، وعاد رشيد درباس إلى طرابلس بعد غياب سنتين.
«أنا رضعت عروبة. لكنني حين رأيت ما فعلته العروبة بطرابلس كتبت (النار أخمدت القصيدة)، تحدثت عن السنونوات التي كانت تعيش بالفعل معنا، وفي بيوتنا وهجرتنا، لأنها أليفة ونحن متوحشون».
عرض درباس مجموعته الأولى «همزة الوصل» قبل نشرها على الشاعر والرسام والناقد رضوان الشهال الذي كان متأثراً بتقنياته. يومها قال له «الشعر أمران: تركيز وتكثيف. فحين سألوا رودان عن عمله قال: آتي بالحجر واخلصه من كل الزوائد».
يصف من يكتب على الإيقاع والقوافي بأنه «شاعر أما من يكتب شعراً نثرياً فهو يقترب من طبقة الأنبياء التي لا أدعيها لنفسي. الفرق بين الشعر الموزون والشعر النثري أن الأول له كثافته التي تحملك، بالإيقاع والروي، والآخر يحتاج إلى مهارة فائقة. أدونيس حين يكتب نثراً أو نزار قباني فهما يكتبان أرفع من الشعر. وكذلك محمود درويش».
ونسأل هذا الشاعر كيف أنه أصبح وزيراً وصديقاً للجميع، دون أن ينخرط في حزب، فيجيب «أنا حيوان سياسي، وعندي جرأة القول. اتُهمت بأنني شيوعي لأنني ترشحت على لائحة مع نقولا الشاوي وفاروق المقدم عام 1972على الانتخابات النيابية، كان عمري 30 عاماً ومجرد زيادة عدد، وبالطبع لم يفز أحد. وذات مرة، قرر الرئيس رفيق الحريري ترشيحي وضمي إلى لائحته. حدث ذلك قبل إغلاق باب التسجيل بيوم واحد، ولم نكن على معرفة مسبقة، رفض وجودي على اللائحة مرشحو الجماعة الإسلامية على اعتبار اني شيوعي، وما أنا بذلك».
درباس مدين بكثير من تفكيره للماركسية أو الديالكتيكية؛ «لأن الديالكتيك يخرجك من الخرافة. إنه علم، لكن الخطر أن يقع الإنسان بالدوغمائية كما حصل للحزب الشيوعي. نحن نعتبر البرغماتية عيباً، لكنني حالياً أرى فيها رقياً. تفكيري تغير بمرور الوقت، وفي ديواني الأخير نقد ذاتي في العمق».
حين أصرّ الرئيس سعد الحريري على توزيره في حكومة تمام سلام عام 2014، وزيراً للعدل، وعلى طريقة الحكومات اللبنانية التي يختلف فيها على الحصص، رفض أشرف ريفي دخول الحكومة بوزارة الشؤون الاجتماعية، فتنازل له عن العدل، وقرر عدم المشاركة. يروي درباس «لكنهم أصروا. اتصلوا بي وطلبوا مني الحضور لأن المراسيم صدرت والصورة الرسمية تؤخذ، في القصر الجمهوري وأنا في طرابلس. حين وصلت كان نبيه بري يغادر والصورة قد التقطت من دوني. لتدارك الوضع، أتوا بشخص اسمه أبو عقل أوقفوه مكان نبيه بري، والتقطت الصورة الرسمية مرة ثانية. وبواسطة الفوتوشوب تم استبدال رأس أبو عقل في الصورة برأس نبيه بري»... يضحك ويقول «هذه صورة رسمية مزورة».
تأثر كثيراً بشخصية جورج حبش «كان بالنسبة لي مثلاً أعلى». وأحب محسن إبراهيم. ومصطفى صيداوي الذي أدخله حركة القوميين العرب. «أما الشخص الذي غيّر مقارباتي السياسية فهو جان عبيد، ربطتنا عِشرة عميقة لدرجة غريبة، وكان يروج لي حيثما تواجد، وبسبب كلامه عني عرفني المرحوم رفيق الحريري، وأرادني أن اضم إلى لائحته الانتخابية دون سابق معرفة».
هذه الأيام يقرأ رشيد درباس «لسد الثغرات؛ لأن زمن امتصاص المعرفة انتهى». قرأ كثيراً عن الحرب العالمية الثانية، وكذلك كتاب «فلاحو سوريا» لحنا بطاطو، وحالياً يعكف على «الموحدون» لعباس الحلبي. القراءة صارت وسيلة لتسكير الفجوات، وتوضيح الرؤية.



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي