رشيد درباس: السيّاب جعلني أتوقف عن كتابة الشعر عشرين سنة

بعد رحلة عمر مع الأدب وفي دهاليز السياسة

رشيد درباس
سيرة في ديوان
رشيد درباس سيرة في ديوان
TT

رشيد درباس: السيّاب جعلني أتوقف عن كتابة الشعر عشرين سنة

رشيد درباس
سيرة في ديوان
رشيد درباس سيرة في ديوان

يقضي الشاعر والوزير اللبناني السابق رشيد درباس، وقته في مكتبه الزجاجي المطل على بحر مدينته الأثيرة «الميناء»، موزعاً نشاطاته بين كتابة الشعر والمقالات والقراءة، ومتابعة الأحداث السياسية وتحضير ملفاته القضائية. فقد كان نقيباً سابقاً للمحامين، ولا تزال المحاماة مهنته التي لن يتقاعد منها، كما أنه لن يعتزل الكتابة. وإذ يرى أن المرافعة حين تكون معجونة بالأدب ومستعينة بالتاريخ؛ فهي مما يسعد القاضي، ويسهل مهمة المحامي، وهو يستفيد من موهبته اللغوية في الدفاع عن آرائه السياسية تماماً كما عن موكليه.
وبعد ستة دواوين شعرية، ها هو يعدّ العدّة لإصدار سابع، وكلما قال إنه تاب عن الشعر عاد إليه طائعاً، وتحدث عنه عاشقاً، مستشهداً بأبيات يحفظها لكل مناسبة.
وُلد رشيد درباس عام 1941 في قرية عين يعقوب العكارية المعروفة بصنوبرها البري. يقول «كنا حين يمرض أحدنا يأخذوننا إلى الصنوبر للتداوي. لهذا كتبت (سيرة من صنوبر وملح)». في السابعة انتقل رشيد الصغير مع عائلته إلى مدينة والدته ميناء طرابلس، ولم يكن لقاء الطفل بالمدينة سهلاً. «حين دخلنا أنا وأخي مدرسة (مار إلياس) شعرنا بالخوف وأن الناس ستأكلنا. لم أتأقلم في المدرسة. كنت أجرّ أيامي بصعوبة فظيعة، لغاية أن أنهيت البكالوريا الأولى في القسم العلمي». يحاول الشاعر أن يبحث عن منابعه الأولى، يتتبعها «في الصف الثالث الابتدائي كان لمعلمة اللغة العربية أليس أيّا صوت أخاذ. ثم علمني العربية كامل درويش، الذي كان يأتي بنا إلى المدرسة، في أواخر مارس (آذار) بعد الدوام، حيث تكون طرابلس قارورة عطر بسبب رائحة بساتين الليمون. جلس يوماً على الطاولة، وأخذ يقول كلاماً لم أعرف منه سوى أنني كنت مسحوراً به وبلغته وإلقائه، كان شاعراً وكنت أتمنى أن أقلده». مع العائلة لم يكن حال رشيد مختلفاً «حين كان يعود أبي إلى البيت يقول له جدي يالله يا توفيق، إتينا بسيرة عنترة. يقرأ أبي وحين يصل إلى الشعر يغنيه، وكان ذا صوت لم أسمع مثيلاً له في حياتي».
ظن الصبي أن الدنيا شعر وغناء وصوت عود. لم يكن والداه متعلمين، إلا أنه لم يرهما ينامان إلا والكتاب في يديهما، وعنهما أخذ رشيد حب القراءة. «كنا أنا وأخي ثم جاءت أختي بعد 12 عاماً. تأثرت بوالدي وبتلك الأجواء الفنية. كان عمري 13 سنة، يوم قرأت قصيدة لأمين مشرق اسمها (الكمان). وحصل معي بعد أربعين سنة أن تعرفت على صديق عميد في الجيش، هو جوزيف بدوي، يعزف عزفاً خرافياً على العود، ولم أنتبه أنني مسكون بالكمان. وكتبت من وحي تلك القصيدة التي اكتشفت أنني اختزنها في بالي».
ذاكرة طازجة وعفية، يرجع بها رشيد درباس إلى طفولته وكأنه يعيشها اللحظة، يربط بين القصائد التي قرأها، وتلك التي عاد وكتبها بعد سنوات طوال، ليشعر بأنه إنما كان يكتنز المعاني والصور والإيقاعات، ويخرجها بحلة لم يعرفها أحد من قبل. «تغيرت نظرتي للشعر بمرور الوقت، أدركت كم من المهم أن يكون صادقاً، ومبتكراً. وصرت أتعمد في كتابتي التضمين، وبارز عندي تضمين التراث مع تغيير السياق».
لا يخفي أنه لم يحب المدرسة أبداً «كنت أشعر بعبء. اكتشفت متأخراً أنني لم أكن أفهم ما يدور. كانت الفرنسية صعبة. وكرهت الكيمياء ومعادلاتها بشكل فظيع. لم أشعر بالارتياح إلا حين وصلت إلى البكالوريا واخترت قسم الفلسفة. تلك كانت واحتي». بإمكان درباس اليوم أن يشرح لك ابن رشد والغزالي، والفارابي، وعلماء الكلام، المعتزلة والأشاعرة، بفضل قراءاته في تلك الفترة، خاصة ما كتبه الدكتور عبد الرحمن مرحبا.
لكن الوالد كان يريد لرشيد أن يتخصص في الزراعة ليدير عقارات جده في عكار، ورشيد في وادٍ آخر. صار مسحوراً بالناصرية، والقومية تشتعل في قلوب الشباب، فشد الرحال إلى مصر للدراسة هناك. درس في كلية الزراعة مع عادل أمام وصلاح السعدني عام 1961. «مكثت سنة لم أتعلم شيئاً، لكنني تعرفت على مصر، حضرت كل المسرحيات، وارتدت صالون نجيب محفوظ، وحضرت المهرجانات. وقررت الانتقال إلى كلية الحقوق، دون أن أخبر عائلتي».
تخرّج وعاد إلى لبنان ليتخصص في القانون اللبناني في الجامعة اليسوعية، ويتدرج في مكتب عمر مسقاوي.
لا يعرف رشيد درباس، متى بدأت علاقته مع الشعر، إلا أنه يصف المحاولات المبكرة بأنها «أنتجت شعراً من أسخف ما كتبت». شحذ موهبته بالقراءة والاطلاع، وقرر أنه لن يكون شاعراً بعد أن قرأ ديوان «أنشودة المطر» للسيّاب، وأدهش بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر - أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر. كان ذاك عام 1961 فبقي متوقفاً عن كتابة الشعر حتى 1981.
بعد صمت عشرين سنة، استفاق ذات ليلة مع طلوع الفجر، وهو ينسج قصيدة استلهمها من قصيدة السيّاب تلك، ومن جملة استخدمها يوم كان طالباً في القاهرة، ليصف بها طالبة أعجبته عيناها، فكتب: عيناك الشط الأفريقي. لتكون نواة ديوانه الأول «همزة وصل» وكرة السبحة فكتب «الرمل ديوان نخيل»، «من... إلى حبيبة»، «هبة لحن يضيء الحياة»، «شبابيك ليل»، وفي ديوان خاص أسماه «طفولتي شعر لا يشيب»، كتب سيرة حياته شعراً.
ما كان ربما لينطلق في كتابة الشعر لولا تشجيع صديقه الذي سيصبح وزيراً عمر مسقاوي وهو يسمعه «عيناك الشط الأفريقي»، ودعوة الشاعر عبد الفتاح عكاري له لينضم إلى «منتدى طرابلس الشعري». «مع هذه المجموعة شعرت نفسي أمياً باللغة والشعر. كبار من مثل عبد الكريم شنينه تعلمت منهم الفن والعروض والشعر».
انخرط رشيد درباس في «حركة القوميين العرب»، وبقي نشطاً ومنظماً معهم حتى عام 1964. كان عمره 17 عاماً يوم تعرف على غسان كنفاني الذي كان يأتي ليلتقي بالمجموعات القومية في مقهى عزيزة في طرابلس، تحت المكتب الحالي لرشيد درباس. ثم تحمس لحركة «فتح»، إلى أن خرجت من بيروت عام 1982. ويروي درباس، أنه فور عودة أبو عمار بقارب من قبرص بشكل سري إلى طرابلس، التقاه عند عودته، واختلف معه. «عادوا إلى طرابلس لإنتاج دولتهم. لم أكن موافقاً بالتأكيد». ليلتها، يقول درباس، إنه تعرض لمحاولة قتل ونجا بفضل سائقه.
«كان أول ما حصل بعد دخول السوريين إلى لبنان، أنهم بدأوا البحث عني. نصحني الأصدقاء بأن أتوارى». ويروي أن أحمد كرامي وكان مديراً لمرفأ طرابلس وصديقاً حميماً له، وضعه في سيارته، أدخله المرفأ وهرّبه على متن باخرة شحن إلى قبرص. و«بقيت حرقة عندي أن والدي توفي في غيابي عن 62 سنة ولم يكن مريضاً، ولم أمش في جنازته. وكي يمنعني من العودة في ذلك اليوم الصعب، جاءني أحمد إلى قبرص ومعه زوجتي وأولادي».
ذهب أنور السادات إلى القدس، وغيّر السوريون مواقفهم، وعاد رشيد درباس إلى طرابلس بعد غياب سنتين.
«أنا رضعت عروبة. لكنني حين رأيت ما فعلته العروبة بطرابلس كتبت (النار أخمدت القصيدة)، تحدثت عن السنونوات التي كانت تعيش بالفعل معنا، وفي بيوتنا وهجرتنا، لأنها أليفة ونحن متوحشون».
عرض درباس مجموعته الأولى «همزة الوصل» قبل نشرها على الشاعر والرسام والناقد رضوان الشهال الذي كان متأثراً بتقنياته. يومها قال له «الشعر أمران: تركيز وتكثيف. فحين سألوا رودان عن عمله قال: آتي بالحجر واخلصه من كل الزوائد».
يصف من يكتب على الإيقاع والقوافي بأنه «شاعر أما من يكتب شعراً نثرياً فهو يقترب من طبقة الأنبياء التي لا أدعيها لنفسي. الفرق بين الشعر الموزون والشعر النثري أن الأول له كثافته التي تحملك، بالإيقاع والروي، والآخر يحتاج إلى مهارة فائقة. أدونيس حين يكتب نثراً أو نزار قباني فهما يكتبان أرفع من الشعر. وكذلك محمود درويش».
ونسأل هذا الشاعر كيف أنه أصبح وزيراً وصديقاً للجميع، دون أن ينخرط في حزب، فيجيب «أنا حيوان سياسي، وعندي جرأة القول. اتُهمت بأنني شيوعي لأنني ترشحت على لائحة مع نقولا الشاوي وفاروق المقدم عام 1972على الانتخابات النيابية، كان عمري 30 عاماً ومجرد زيادة عدد، وبالطبع لم يفز أحد. وذات مرة، قرر الرئيس رفيق الحريري ترشيحي وضمي إلى لائحته. حدث ذلك قبل إغلاق باب التسجيل بيوم واحد، ولم نكن على معرفة مسبقة، رفض وجودي على اللائحة مرشحو الجماعة الإسلامية على اعتبار اني شيوعي، وما أنا بذلك».
درباس مدين بكثير من تفكيره للماركسية أو الديالكتيكية؛ «لأن الديالكتيك يخرجك من الخرافة. إنه علم، لكن الخطر أن يقع الإنسان بالدوغمائية كما حصل للحزب الشيوعي. نحن نعتبر البرغماتية عيباً، لكنني حالياً أرى فيها رقياً. تفكيري تغير بمرور الوقت، وفي ديواني الأخير نقد ذاتي في العمق».
حين أصرّ الرئيس سعد الحريري على توزيره في حكومة تمام سلام عام 2014، وزيراً للعدل، وعلى طريقة الحكومات اللبنانية التي يختلف فيها على الحصص، رفض أشرف ريفي دخول الحكومة بوزارة الشؤون الاجتماعية، فتنازل له عن العدل، وقرر عدم المشاركة. يروي درباس «لكنهم أصروا. اتصلوا بي وطلبوا مني الحضور لأن المراسيم صدرت والصورة الرسمية تؤخذ، في القصر الجمهوري وأنا في طرابلس. حين وصلت كان نبيه بري يغادر والصورة قد التقطت من دوني. لتدارك الوضع، أتوا بشخص اسمه أبو عقل أوقفوه مكان نبيه بري، والتقطت الصورة الرسمية مرة ثانية. وبواسطة الفوتوشوب تم استبدال رأس أبو عقل في الصورة برأس نبيه بري»... يضحك ويقول «هذه صورة رسمية مزورة».
تأثر كثيراً بشخصية جورج حبش «كان بالنسبة لي مثلاً أعلى». وأحب محسن إبراهيم. ومصطفى صيداوي الذي أدخله حركة القوميين العرب. «أما الشخص الذي غيّر مقارباتي السياسية فهو جان عبيد، ربطتنا عِشرة عميقة لدرجة غريبة، وكان يروج لي حيثما تواجد، وبسبب كلامه عني عرفني المرحوم رفيق الحريري، وأرادني أن اضم إلى لائحته الانتخابية دون سابق معرفة».
هذه الأيام يقرأ رشيد درباس «لسد الثغرات؛ لأن زمن امتصاص المعرفة انتهى». قرأ كثيراً عن الحرب العالمية الثانية، وكذلك كتاب «فلاحو سوريا» لحنا بطاطو، وحالياً يعكف على «الموحدون» لعباس الحلبي. القراءة صارت وسيلة لتسكير الفجوات، وتوضيح الرؤية.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».