أكبر محاكمة لإرهابيين في تاريخ فرنسا تنطلق اليوم بباريس

كوماندوز «داعش» أوقع 130 قتيلاً و350 جريحاً في خريف 2015

استنفار أمني أمام محكمة الجنايات المتخصصة في شؤون الإرهاب بالعاصمة باريس أمس (رويترز)
استنفار أمني أمام محكمة الجنايات المتخصصة في شؤون الإرهاب بالعاصمة باريس أمس (رويترز)
TT

أكبر محاكمة لإرهابيين في تاريخ فرنسا تنطلق اليوم بباريس

استنفار أمني أمام محكمة الجنايات المتخصصة في شؤون الإرهاب بالعاصمة باريس أمس (رويترز)
استنفار أمني أمام محكمة الجنايات المتخصصة في شؤون الإرهاب بالعاصمة باريس أمس (رويترز)

من بين 20 متهماً يمثلون ابتداء من اليوم أمام محكمة الجنايات المتخصصة في شؤون الإرهاب لدورهم في المجزرة التي ضربت العاصمة الفرنسية وإحدى ضواحيها ليل الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، وحده صلاح عبد السلام الناجي من مجموعة الكوماندوز المكونة من 10 أشخاص التي نفذت المجزرة التي أوقعت 130 قتيلاً، وما يزيد على 350 جريحاً. أما التسعة الآخرون، وبينهم من جاء من سوريا خصيصاً للمشاركة في العمليات بالغة التعقيد التي نظمها وتبناها تنظيم داعش في أوج تمدده الجغرافي وقوته العسكرية، فقد قتلوا إما في مواجهات مع القوى الأمنية الفرنسية أو بعمليات تفجير انتحارية.
وكان من المفترض أن يقوم صلاح عبد السلام الذي لزم الصمت طيلة فترات التحقيق التي قامت بها الأجهزة الأمنية وقضاة التحقيق بتفجير الحزام الناسف الذي كان يحمله، إلا أنه عدل عن ذلك. وفي المرات القليلة التي قبل فيها الحديث إلى المحققين منذ القبض عليه في بروكسل، بعد 4 أشهر من عمليات باريس الدامية، أعلن أنه عدل عن تفجير حزامه ورماه في مكب للقمامة في باريس. وفي المقابل، فإن الأجهزة الفرنسية التي عثرت عليه وجدت أن عيباً يعتوره، وبالتالي لم يكمن قابلاً للانفجار.
وعلى أي حال، وعلى الرغم من أن صلاح عبد السلام لم يقتل عملياً أحداً، ولم يشارك مادياً في أي من عمليات القتل الثلاثة التي جرت في قاعة باتاكلان للعروض الموسيقية، وعلى أرصفة المقاهي وسط العاصمة، وأمام الملعب الكبير الكائن في ضاحية سان دوني، فإنه سيواجه حكماً بالسجن مدى الحياة، علماً بأن فرنسا ألغت حكم الإعدام منذ ثمانينات القرن الماضي. وأبلغ التهم الموجهة إليه «المشاركة» في عمليات قتل؛ بمعنى تحميله وزر كل الذي حصل في تلك الليلة الرهيبة، والذي يعد من أكبر عمليات القتل التي عرفتها فرنسا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. بيد أن الثابت أن صلاح عبد السلام الذي تربى وشب في حي مولنبيك الشعبي في بروكسل، البالغ حالياً من العمر 31 عاماً، قد أدى دوراً رئيسياً في التحضير اللوجيستي للعمليات، مثل السفر إلى ألمانيا وهنغاريا لتهريب الإرهابيين الذين أرسلوا من سوريا والعراق من أجل التنفيذ، واستئجار السيارات والفنادق لنقل وإقامة فريق الكوماندوز، وشراء المواد التي استخدمت في تحضير المتفجرات والأحزمة الناسفة، والتواصل مع المخططين وأصحاب القرار في مدينة الرقة السورية، ونقل 3 من الإرهابيين إلى مداخل الملعب الكبير في سان دوني بالسيارة التي كان يقودها بنفسه، وتركها في أحد شوارع الدائرة الـ18 في باريس.
ولا شك أن الأنظار ستكون موجهة لصلاح عبد السلام في الأشهر التسعة التي ستستغرقها المحاكمة. ومنذ ما قبل انطلاقها ظهر اليوم في القاعة الكبرى في قصر العدل القديم، الواقع في قلب العاصمة، فإنها تُوصف بأنها محاكمة العصر، والأسباب كثيرة؛ أولها العدد الكبير من المتهمين، بينهم 6 يحاكمون غيابياً، ويظن أن غالبيتهم قد قتلوا في معارك في سوريا والعراق، وبينهم أفراد من الصف الأول أدوا أدواراً قيادية في تنظيم داعش؛ والمحققون الذين كلفوا بمهمة شاقة، وعددهم خمسة؛ ونتائج التحقيق الذي استمر 6 أعوام تتحدث عن نفسها، إذ أفضت إلى تحرير 542 مجلداً، تضم 47 ألف محضراً، ويبلغ ارتفاعها 53 متراً. كذلك، فإن المحاكمة التي ستسجل وقائعها «للتاريخ» ستتواصل طيلة 140 يوماً، ولن تنتهي إلا في الربيع المقبل.
ولم يحصل في تاريخ القضاء الفرنسي أن تم تصوير الجلسات كافة لأهميتها التاريخية إلا في مناسبتين: محاكمة النازي كلاوس باربي في عام 1987، ومحاكمة بول توفيه في عام 1994. والأخير كان موظفاً رفيعاً في الإدارة الفرنسية تعاون بشكل وثيق مع الألمان خلال احتلالهم لفرنسا.
وتتشكل المحكمة الخاصة من 5 قضاة، برئاسة القاضي جان لويس بيريس، فيما يمثل النيابة العامة 3 مدعين عامين متخصصين في شؤون الإرهاب. وفيما تشهد المحاكمة أكبر تجمع للمحامين الذين يبلغ عددهم 330 محامياً، يتجاوز عدد الشهود الـ1800 شاهد، والحضور نحو 3 آلاف شخص. وفي الأسابيع الأخيرة، سجلت دوائر بقصر العدل 141 طلب اعتماد لوسائل إعلامية دولية، ناهيك من وسائل الإعلام الفرنسية التي ستكون حاضرة كلها في هذه المناسبة الاستثنائية.
تجدر الإشارة إلى أن المنصات الإعلامية الفرنسية كافة خصصت مساحات واسعة للحديث عن المحاكمة، مستعيدة ظروف المقتلة، ساعية إلى تحديد دور كل طرف شارك فيها، فضلاً عن الاستماع لمئات الشهادات من الأشخاص الذين عايشوها أو تأثروا بها. ومن المنتظر أن يتم الاستماع للشهود حتى نهاية العام الحالي، وربما حتى بداية عام 2022، قبل البدء باستجواب الأشخاص الموجودين في قفص الاتهام.
ومن بين الشهود الرئيس السابق فرنسوا هولاند الذي كان رئيساً للجمهورية في تلكم الفترة، بل كان حاضراً في الملعب الكبير بمناسبة مباراة كرة القدم بين الفريقين الفرنسي والألماني، وتم إبلاغه بحصول التفجيرين الانتحاريين أمام مداخل الملعب الكبير، وبما وقع في العاصمة، إلا أنه طلب الاستمرار في المباراة لأن وقفها كان سيثير حالة من الهلع، ما كان سيتسبب بكثير من الضحايا.
كذلك سيدلي وزير الداخلية وقتها برنار كازنوف، ومدير جهاز المخابرات الداخلية برنار باجوليه، ومدعي عام باريس السابق مولينس، بشهاداتهم. وفي سابقة من نوعها، سيتم الاستماع لشهادات مجموعة من المنتمين لـ«داعش»، وهم سجناء حالياً، لعلاقتهم بعبد الحميد أبا عود الذي يعد قائد مجموعة الكوماندوز التي نفذت مجزرة باريس وسان دوني.
وعمدت مديرية الشرطة في باريس إلى اتخاذ أقصى التدابير الأمنية المحيطة بقصر العدل، حيث ستقفل بعض الشوارع ومحطات المترو، وتكثف الدوريات حول مقر المحاكمة. وفي الداخل، تم تجهيز أكبر قاعة ممكنة في قصر العدل القديم لاستيعاب المحاكمة، واستغرق الإعداد لها سنتين، فيما جهزت صالات جانبية للشهود والحضور والصحافة، وسيتم نقل الوقائع مباشرة بالصوت والصورة إليها.
وتعد هذه المحاكمة خارجة عن المألوف أيضاً بسبب وقعها النفسي ومدتها. ويشكل إجراء محاكمة بهذا الحجم، وإتمامها خلال المهلة المحددة في 25 مايو (أيار) 2022، تحدياً فريداً للقضاء الفرنسي، لا سيما في ظل تفشي وباء «كوفيد - 19»، وفي وقت لا يزال فيه الخطر الإرهابي مرتفعاً.
وما زالت ذكرى المجزرة مطبوعة في أذهان الفرنسيين. ففي 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بعيد الساعة العاشرة ليلاً، قام انتحاري بتفجير نفسه قرب الملعب الكبير. وعلى بعد كيلومترين في قلب باريس، قامت مجموعة مسلحة مكونة من 3 عناصر بإطلاق النار بالأسلحة الحربية الرشاشة على أرصفة مقاهٍ، فيما فتحت وحدة ثالثة مكونة من 3 عناصر أيضاً النار على الجمهور داخل مسرح باتاكلان خلال حفل موسيقي. وكانت نتيجة ذلك مشاهد رعب لا تحتمل، سقط نتيجتها 130 قتيلاً، وأكثر من 350 جريحاً. وقتل في الليلة نفسها 7 مهاجمين، إما برصاص رجال الأمن أو بتفجيرات انتحارية، وقتل اثنان (أبا عود وإرهابي آخر) بعد 4 أيام، فيما فر صلاح عبد السلام إلى بلجيكا صبيحة اليوم التالي، وألقي القبض عليه بعد 4 أشهر في بروكسل. وكشف التحقيق وجود خلية متطرفة أكبر تقف خلف الاعتداءات، هي نفسها التي نفذت الاعتداءات على المطار وقطارات الأنفاق في بروكسل التي أوقعت 32 قتيلاً في 22 مارس (آذار) 2016.
بيد أن المحاكمة ستحصل في غياب أسامة العطار، أحد «أمراء» تنظيم داعش الذي يشتبه بأنه خطط للاعتداءات من سوريا، وغيره من كبار قياديي التنظيم، بينهم الأخوان فابيان وجان ميشال كلين، الذين يعتقد أنهم قتلوا، وتجري محاكمتهم غيابياً، وستتجه الأنظار بالطبع إلى صلاح عبد السلام، ولكن أيضاً إلى محمد عبريني، القريب من الأول، والذي كان رفيق دربه في الإعداد لتفجيرات باريس. والاثنان عدلا عن تفجير نفسيهما؛ الأول في باريس والثاني في مطار بروكسل.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».