العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

مؤرخ أميركي يشرح مفارقات الزواج والطلاق المتكرر بينهما

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟
TT

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

عن العلاقة القديمة بين العلم والدين وقصة تقاربهما وتباعدهما والتي دائما كانت تتأرجح بين حقبة عسل وزواج، وتارة أخرى بين انفصال وطلاق، يدور كتاب «أبناء أرسطو» للمؤرخ الأميركي ريتشارد إي. روبنشتاين، ترجمه للعربية رضا زيدان، وصدر حديثا عن دار أدب للنشر والتوزيع بالسعودية.
ومن أجل تبسيط الخطوط العريضة للكتاب سأقسمه للقارئ إلى أربع محطات:
المحطة الأولى: ساد فيها الخصام والطلاق بين العلم الأرسطي اليوناني والأديان الإبراهيمية، فرؤية العالم التي قدمها أرسطو (القرن 4 قبل الميلاد) والمصطبغة بنظرة مادية ودنيوية، لا غبار عليها، أو لنقل إنها نظرة علمانية للكون تقرؤه من خلال الكون نفسه، ما كان للدين أن يتقبلها، فيكفي أن إله أرسطو محايث للكون الذي يراه أزليا، خلافا لإله الأديان الإبراهيمية المفارق وخالق الكون من عدم.
إضافة إلى اختلاف التصور لمفهوم السببية الذي هو عند أرسطو ضرورة تسير عليه الأمور، أما بالنسبة للدين فهو لا يكتسي هذه الضرورة المطلقة وذلك لفسح المجال للمعجزات والتدخل الإلهي في تفاصيل الكون وحضور عنايته.
فالعلاقة إذن بين الدين والعلم آنذاك، والذي كان رمزه هو أرسطو، كانت علاقة تنافر وتباعد أو لنقل إن كل واحد منهما قد قدم تصورا منافسا للآخر، وهو ما يفسر لماذا لم يكن أرسطو مرحبا به في القرون الأولى للمسيحية، حيث تم الاحتفاء بأستاذه أفلاطون أكثر لأن تصوره مشحون بالعوالم المفارقة والمثالية التي يسهل توفيقها مع الدين، ولنا في عمل القديس أوغسطين (القرن الرابع والخامس للميلاد) أحسن مثال على ذلك.
المحطة الثانية: وقف الكتاب عند حقبة ثانية من مسار التنافس بين التصور الديني والتصور العلمي، وهي حقبة لم يقدر العقل فيها على الإبقاء على التناقضات بين النسقين: النسق المحايث والنسق المفارق، فظهرت حمى التوفيق والإدماج بينهما وعلت الإرادة لإقامة الصلح بين المنظومة الأرسطية والدين، حيث اجتهد الفلاسفة في التربة الإسلامية للتوفيق بين التصورين المتنافسين، وإيجاد ما بينهما من اتصال فكان التتويج في هذا العمل مع الشارح القرطبي ابن رشد (القرن الثاني عشر الميلادي)، الذي يؤكد المؤلف عليه وعلى جهده الجبار لتقريب الرؤية الأرسطية من الرؤية الدينية، لكن كان مصير هذا الجهد الفشل، خاصةً بعد ما قام به الإمام الغزالي (القرن الحادي عشر الميلادي) من تفكيك لأواصر القرابة بينهما.
لقد كان دخول أرسطو في الفضاء الإسلامي حقا غير مريح، رغم أهميته العلمية والتفاني في ترجمته، فالأرض لم تكن مفروشة له بالورود، فالاحتدام معه كان شرسا، وهو الأمر الذي يمكن تسميته بمعركة «تهافت الفلاسفة».
لكن هذه المعركة التي خرج منها أرسطو مطرودا غير مهزوم من التربة الإسلامية ستأخذ دربا آخر في الفضاء المسيحي خاصةً بعد القرن 12م، حيث ستتمكن المسيحية اللاتينية، بعد أخذها المشعل من المسلمين، وبعد صراع مرير، يسمى بالمعركة الأرسطية، من إقامة الصلح وإبرام عقد زواج بين أرسطو والدين، بين العقل والإيمان، ولعل توما الاكويني (القرن 13م) أهم من قام بتعميد أرسطو وتنصيره وجعله الناطق الرسمي باسم الكنيسة، التي رفعت مقامه إلى مصاف الآباء والقديسين، إلى حد أصبح معه انتقاد أرسطو هو انتقاد للكنيسة نفسها.
إن هذه المحطة الثانية التي تم تتويجها بزواج مرتب بين الفلسفة (العلم) الأرسطية والدين المسيحي هي اللحظة الأساسية في الكتاب، حيث وقف روبنشتاين فيها عند تفاصيل كثيرة، سبقت ترتيبات الزواج، وكانت الانطلاقة المهمة عنده من إسبانيا (الأندلس) حيث كان الظهور المسرحي الثوري لأعمال أرسطو.
فإسبانيا كانت إحدى أهم المناطق الإسلامية في القرون الوسطى التي حافظت على التراث اليوناني الذي تحول آنذاك لملكية فكرية للحضارة العربية المزدهرة والمستنيرة، فهذه اللحظة بالضبط ونظرا لظروف تاريخية محددة طالت أوروبا: ارتبطت بالحروب الصليبية والتغيرات الاجتماعية الطارئة وبروز ثورات تريد الحد من هيمنة الكنيسة وشيوع أفكار إصلاحية تريد العودة إلى زمن التقشف والزهد الرسولي، عوضاً عن الملكية المفرطة للإكليروس، إضافة إلى ظهور أجيال جديدة فضولية ترفض الإيمان والأسرار الكنسية دونما فهم ومعقولية، كل هذه العوامل وأخرى ساهمت في خلق فضاء يغلي ومتعطش للجديد، هذا الجديد كان عند العرب، مما عجل وسرع من وتيرة الترجمة، ترجمة التراث اليوناني مع كل تنقيحات وتصويبات وشروحات وإضافات فلاسفة الإسلام وأبرزهم ابن رشد الذي سيصبح له أتباع من اللاتين وسيشكلون مذهبا كامل الأركان يسمى الرشدية.
يرفض المؤلف فكرة الأصالة الثقافية، فهي بالنسبة له، أسطورة فلا حضارة تتطور بمفردها دونما استعارة من الآخر، ولعل ما حدث فيما يسمى بنهضة القرون الوسطى شاهد على ذلك، فالغرب المسيحي ما كان لينطلق في ثورته الحداثية دون سند الخيرات والتراكمات الفلسفية والعلمية التي قدمها العرب على طبق من ذهب، فالقول بصفاء الذات ثقافيا هو مجرد تعصب لا يسنده التاريخ.
المحطة الثالثة: هي لحظة بدأت في القرون الوسطى المتأخرة وبالضبط مع مدرسة باريس إبان القرن 14م، حيث لم يمض زمن طويل من الوفاق والتلاقي الحميم بين العقل والإيمان لتظهر ملامح الشقاق من جديد، فإذا كان الدين المسيحي قد تنفس الصعداء حينما تخلص من التناقض الذي طرحته الأرسطية عليه ووجد صيغة مثلى لتنصير أرسطو ومن ثم إسكات شغف الفهم وإضفاء المعقولية على أسرار الكنيسة.
فإن الأمر لم يبق كما هو، حيث إن التناغم الذي حصل سيدفع بالعقول الفذة لمدرسة باريس إلى تحدي النسق الأرسطي العلمي نفسه وإبراز تهافت بعض آرائه، خاصةً في مفهوم الحركة، حيث ستظهر «نظرية الاندفاع» التي من خلالها سينطلق أهم مبدأ سيدشن الفيزياء الحديثة مع جاليليو وهو مبدأ «القصور الذاتي».
فجاليليو هو مجرد تلميذ مدرسة باريس بزعامة الراهبين أورزم وبوريدان، اللذين قاما ببلورة ملامح أولية لقول غير أرسطي في العلم، فهما من سمحا بالحديث عن إمكانية دوران الأرض مما مهد السبيل لعالم الفلك الشهير كوبيرنيكوس لإعلان نظرية دوران الأرض الثورية والتي قلبت كيان العلم ودقت مسماراً في نعش العلم الأرسطي وانطلق معها الزمن الحديث الذي ستتحدد ملامحه بجلاء كبير في القرن السابع عشر مع أسماء كبيرة مثل: جاليليو وديكارت وكبلر وباسكال ونيوتن، الذين سيتم معهم توقيع وثيقة الطلاق من جديد بين العلم والإيمان.
لكن هذه المرة مع العلم الطارئ الجديد وليس العلم الأرسطي المهزوم، إذ ستظهر رؤية جديدة للعالم قوامها النظرة الميكانيكية، حيث التفسير للظواهر يتم من خلال العالم نفسه، فلا شيء مفارق يعتمد عليه في الفهم، أو لنقل إن الدين أصبح مقتصرا على الاهتمام بخلق الأشياء، أما العلم فأصبح مقتصرا على تكوين الأشياء، فالزمن الحديث حدد المهام المنوطة بكل طرف بإحكام، فالطلاق بين العلم والدين أصبح طلاقا منهجيا. وهو ما تعمم في كل مناحي الحياة بما أصبح يسمى «العلمانية».
وهنا لا بد من الإشارة إلى فكرة هامة يقف عندها المؤلف وهي الدور الهائل الذي لعبته الكنيسة في بناء العلم الحديث، فهو خرج من رحمها، فعمل مدرسة باريس الجبار تم من طرف رهبان، عكس المعتقد السائد بأن الكنيسة عدوة للعلم، فالذي حدث بالضبط هو أن تصدي الكنيسة المشهور لرواد العلم (حرق برونو، محاكمة جاليليو...) كان بسبب هجومهم على أرسطو الذي أصبح في مقام القديسين، فالكنيسة في حقيقة الأمر دافعت عن هيبتها، لأنها تبنت أرسطو الذي أصبح يتهاوى أمامها، ولنقل بوضوح أن الصراع في حقيقته لم يكن بين الدين والعلم في الزمن الحديث بل كان بين العلم والعلم، علم أرسطي يتآكل وعلم حديث يتبلور.
المحطة الرابعة: هي التي تتم في عصرنا الراهن هذا، حيث تبدو ملامح العودة من جديد للوئام بين الرؤيتين المتنافستين تاريخيا، ليطلب العلم والدين يد بعضهما لبعض للزواج، فبعد مرور 4 قرون من الحداثة وذيوع الفصل بين العالم الأرضي والعالم السماوي في كل المجالات، وإبعاد الغايات والمقاصد من كل رؤية، والاكتفاء بكل ما تحته حساب وأرقام، أي كل ما من وراءه مردودية ونجاعة، والتخلي عن القيم والعوالم المفارقة.
لأنها تخرج من نطاق التكميم، بعد كل ذلك حصلت أزمة في معنى الوجود، فالإنسان بات قلقا، وفاقدا في كثير من الأحيان لبوصلته ومضيعا لقبلته وتائها في عالم لا يكترث للماورائيات، مما استدعى إعادة النظر من جديد في الطلاق بين العلم والدين وطلب الرجوع للزواج من جديد، وبالطبع هو رجوع من طراز مختلف تماما، فقد مرت مياه كثيرة تحت القناطر.
وهنا بالضبط يتدخل كتاب روبنشتاين بدعوته إلى ضرورة العودة إلى العقل المحمل بالقيمة وهو ما يمكن تعلمه واستلهامه من القرون الوسطى التي قدمت تصورا دينيا لا يخاف العقل وتصورا عقليا لا يتجاوز الديني.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».