«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

ثلاثة أعمال لعلي الراعي تستعيد جمالياته وطبيعته المتمردة

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز
TT

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

أعادت الهيئة العامة المصرية لقصور الثقافة ضمن مشروعها لإحياء التراث طباعة كتاب «مسرح الشعب» للدكتور علي الراعي (1920 - 1999) أحد فرسان النقد المسرحي في مصر والعالم العربي. يضم الكتاب ثلاثة مؤلفات أساسية في مسيرة الراعي هي «الكوميديا المرتجلة»، «فنون الكوميديا»، «مسرح الدم والدموع». ويتمثل الخيط الرابط بينها في هذا السؤال: هل لا يزال من الممكن البحث عن صيغة عربية للمسرح؟ يجيب الراعي بالإثبات مستشهداً بالكاتب التونسي طاهر قيقه (1922 – 1993)، الذي قال إنه تقدم ذات يوم بالنصح إلى شباب المسرحيين في تونس بأن يلتفتوا إلى التراث القصصي العربي ويستنبطوا منه أشكالاً فنية تخدم المسرح كما عرض عليهم أن يفيدوا من شخصية الراوية في هذا التراث. هذا الرجل الذي كان يمسك بزمام السير الشعبية ومصائر الأبطال ويدافع بها أيضاً عن نفسه حين تقضي وقائع السيرة أن يناصر بطلاً على آخر.
وفي المغرب نبه عبد الله سنوقي إلى أهمية «مسرح الحلقة» في تراث المغرب الأدبي ووصفه بأنه تجمع لعشرات من المتفرجين البسطاء على شكل حلقة يدور في وسطها التمثيل، أما الممثلون فيقومون بأدوار ثابتة يفيضون فيها ويبتكرون من خلال ملخص سريع للأحداث يُعطى لهم من قبل، بشكل ملفق يسخر من كل محاولة لمشاكلة الواقع، والرجال فيهم يقومون بأدوار النساء. ويحرص ممثلو الحلقة على إرضاء جمهورهم فيواجهون الجزء الأكبر منه بوجوههم بينما الجزء الباقي يقتربون منه بظهورهم إلى درجة الملامسة فيستغني المتفرج بهذا عن رؤية وجه الممثل وتحل بهذا مشكلة الرؤية في مسرح الحلقة المغربي، وإلى جوار هذا يسعى الممثلون في مسرح الحلقة إلى دعم فكرة إشراك المتفرجين معهم في الاهتمام بالعرض عن طريق دعوة واحد أو أكثر من المتفرجين إلى المساهمة في التمثيل إلى جوار الممثلين.
وفي المغرب أيضا قام الطيب الصديقي (1939 - 2016) بالدعوة إلى إنشاء مسرح وطني يعتمد على وحدة فنون العرض جميعاً، إنه المسرح الشامل أو كما يسميه هو «المسرح الكامل»، كما دعا إلى توسيع رقعة الجماهير وزيادة عددها وذلك عن طريق إشراكها في الحدث المسرحي إما بنقل هذا الحدث من القاعات الضيقة إلى الشوارع والميادين أو بنقل تكتيك فن الشوارع إلى أبنية المسرح التقليدية مثلما حدث حين قدم مسرحية «ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب» على مسرح «منصة»، مستخدماً أساليب مسرح الحلقة.

ضد مسرح المؤلف

على ضوء هذا ينتقد الراعي فكرة المسرح القائم على فكرة نص مكتوب معد من قبل مؤلف عبقري أو موهوب وأصبح وثيقة مقدسة لا يمكن أن يتطرق إليه أي تعديل، لأنه شيء ثابت وأزلي لا يتغير! لافتاً إلى أن هذه الفكرة ستسلم المسرح العربي إلى الجمود الشديد المهدد بالموت مثلما فعلت ببلاد أخرى كثيرة.
في هذا السياق حاول يوسف إدريس في «الفرافير» أن يعود إلى تقليد المسرح الشعبي فاستخدم الشخصية الذكية المضروبة الضاربة المستفزة المتظاهرة بالغباء، شخصية الفرفور ويقابلها في مسرح الارتجال شخصية كامل الأصلي.
كما استخدم جو السيرك والأكروبات وبسط على المسرحية مظهراً من مظاهر الكوميديا المرتجلة بتعليقاته على موضوعات الساعة وإشاراته إلى أشخاص حقيقيين افترض وجودهم بين الجمهور وإدخاله ما يشبه حوار القافية بين السيد والفرفور وإنشائه لعلاقة تشبه علاقة الحاوي بمساعده حين ربط بها هاتين الشخصيتين الرئيسيتين وبوضعه ممثلة بين الجمهور لتمثل دور متفرجة وتحقق الصلة المباشرة بين الصالة والخشبة.
ثم جاء مخرج المسرحية كرم مطاوع «1933 – 1996» فكسر الحاجز بين الجمهور والممثلين بأن جعل الفرفور يتجول في ممرات الصالة التي اعتبرت جزءاً من الخشبة. كل هذا جعل كما يقول الراعي المسرحية تستحوذ على قلب الجمهور وعقله معاً، مما يشير بوضوح إلى الاتجاه الذي يود جمهورنا أن تسير فيه العروض المسرحية، في اتجاه يجعل الممثل والمتفرج وحدة واحدة ويلغي فكرة أن الثاني يتفرج في سلبية على ما يفعله الأول ويجعل من المسرحية كائناً حياً متطوراً لا أسطوانة مسجلة يلعبها الممثلون كل ليلة من آلات داخل أجسادهم.

من البربري إلى الريحاني

ويجري الراعي مقارنة بارعة بين شخصية «البربري عثمان»، التي جسدها الفنان علي الكسار لتصبح أشهر شخصية في المسرح والسينما بمصر في النصف الأول من القرن العشرين وبين شخصية «أرليكنيو» الإيطالي، فحين قرر علي الكسار أن يطلي وجهه باللون الأسود لم يكن يدري أنه بهذا يربط نفسه من حيث الشكل بواحد من أشهر الخدم في دنيا الكوميديا وأحبهم إلى قلوب الجماهير العريضة والمثقفين معاً، إنه الخادم الماكر الذكي المندفع الجبان محب الحياة ومساعد المحبين الذي يشبه أرليكنيو ذا القناع الأسود.
واللقاء بين عثمان عبد الباسط البربري وأرليكنيو الإيطالي يتعدى مجرد الشكل، ولكن الغريب حقاً أن يلتقي الاثنان في القناع كذلك، ويتساءل الراعي: أهي مصادفة طريفة وحسب، أم أن علي الكسار كان يعرف شيئاً عن الكوميديا الشعبية الإيطالية؟ شيئاً شاهده في الفرق المصرية الجوالة التي كانت تقدم لجماهيرها الشعبية الضحك المرتجل والمحفوظ معاً في مسارح المقاهي وحلقات السيرك منذ أوائل القرن، خاصة أن الكسار كان يهوى التمثيل منذ حداثته وكان دائم التردد على الفرق الجوالة التي تضرب خيامها في ساحات الموالد والأعياد الشعبية، وكان يعجبه كثيراً دور البلياتشو الذي يتبع البهلوان، فكان يصفق كثيراً ويضحك من أعماقه حينما يحاول البلياتشو أن يقلد البهلوان في خفة حركاته ورشاقته المفرطة وهو يثب على الحبل فيقع البلياتشو المسكين لا مفر، وهنا يسأله البهلوان: أنت مت يا بلياتشو فيقول البلياتشو: من زمان!
ولا يستبعد الراعي أن الكسار قد قرر في أعماقه أن يصبح هو الآخر نوعاً من البلياتشو، ولعله أعجب بما في هذا المسكين من تطلع ورغبة في التفوق رغم عجزه الواضح وافتقاره موهبة اللياقة البدنية فانعطف قلب الكسار إليه وقرر أن يعبر عن هذه الشخصية في أعمال فنية متعددة وأن يقدمها بهدف إثارة العطف إلى جانب الضحك منها ومعها.
والبلياتشو واحد من الخدم العديدين في عالم الكوميديا، شأنه في ذلك شأن أرليكنيو، هو مضحك ريفي ظهر قرب نهاية القرن السادس عشر وتعددت أسماؤه بتعدد البلاد التي نجم فيها أو ارتحل إليها، له شرف الفلاح الساذج وصراحته ونقاء روحه، وهو دائماً عون للمحبين يحنو عليهم، والعامل المحرك له هو خوفه مما يحيط من أشياء وأشخاص وتوجسه وتوقعه أن يصيبه المكروه على أيدي الناس، أما أرليكنيو الذي ظهر بعد البلياتشو بقرن تقريباً في نهاية القرن السابع عشر فهو أشهر خدم الكوميديا وأكبرهم أثراً في قلوب الناس في أوروبا.
الكوميديا المرتجلة

وينتقل الراعي إلى رصد مؤسس آخر من مؤسسي الكوميديا في مصر والعالم العربي وهو نجيب الريحاني باعتباره أحد ممثلي ما يسميه «مسرح الشعب»، حيث بدأت كوميديا الريحاني بداية شعبية صرفة استمدت وجودها من فصول الكوميديا المرتجلة التي عرفتها مسارح مصر ومقاهيها وأفراحها منذ أوائل القرن العشرين.
تمرس الريحاني خلال جولته مع فرقة الشامي بحياة الناس ولمس عن كثب أحوالهم وعاش حياة الفقراء، فعلمه هذا كيف يقترب من جمهوره فيما بعد وكيف يسعى إلى إرضائه بوسائل مختلفة، منها ما هو قريب من الإسفاف خاصة في البداية، كما لقنه زميله «عزيز عيد» الدرس الثمين، وهو أنه إذا كان المقصود عرض مسرحية ما من أصل أجنبي على جمهور مصري فمن الواجب أن يدخل في الاعتبار ذوق هذا الجمهور وعاداته ووجدانه وإذن يكون التمصير لا الترجمة هو الأسلوب ويكون التصرف في وقائع المسرحية بما يلائم الذوق المحلي أمراً لازماً وليس عليه غبار.
تعلم الريحاني منذ البداية أن الكوميديا يجب أن تنبع من عرض مسرحي ناجح من فرجة واضحة على أن يسمح هذا العرض بالنقد الاجتماعي وبشيء من الفكر والعاطفة في الوقت المناسب، لهذا فحين عرض إستيفان روستي في عام 1916 على زميله المفلس نجيب الريحاني أن يشترك وإياه في نمرة «خيال الظل» التي كانت تعرض كل مساء في كازينو «أبيه دي روز» لم يكن «الإفلاس» وحده هو الذي دفعه للقبول، بل شعور باطن من الريحاني بأن هذه النمرة تسمح له بأن يتخذها منطقاً لفن ترفيهي متعدد الألوان يتداخل فيه الرقص مع الموسيقى والتمثيل ويعجب طبقات عدة من الجمهور.
ويخلص الراعي إلى أنه حتى النهاية ظلت كوميديا الريحاني أمينة لنشأتها الأولى في حضن المسرح الشعبي، إليه كانت تلجأ كلما تعثرت الجهود لدفع الكوميديا المصرية خطوات أخرى في طريق العمل المسرحي المتقن.
ومن الكوميديا الشعبية كان الريحاني ورفيقه بديع خيري يتزودان حتى في مسرحيات النضوج ففي مسرحية «حكاية كل يوم» نجد ثمرة معروفة من ثمار الكوميديا المرتجلة هي ثمرة التمثيل الصامت التي يلجأ إليه الممثل الشعبي ليخرج من ورطة تعبيرية وقع فيها!
ففي فصل «كامل وأولاده» يقع كامل وصديقه في مأزق حين يحتاجان إلى بيض فيطلبانه من صاحب فندق في باريس بلغة الإشارة فالاثنان لا يعرفان الفرنسية، يقلد كامل صوت الدجاجة ويقلد الأفندي صوت الديك ويقوم الاثنان بمحاكاة فكاهية لعملية وضع الدجاجة للبيض يمثلها «طربوش» يتدحرج بين فخذي كامل حتى يصل للأرض فيفهم صاحب الفندق المطلوب!
ولا يتسع المجال لعرض جميع الأفكار التي يحفل بهذا العمل الضخم الذي يقع في 490 صفحة من القطع الكبير، ويعد من عيون تراث النقد المسرحي، ولا يعيبه سوى سوء التنسيق الفني والإخراج الداخلي للصفحات وافتقاده الطباعة الجيدة اللائقة.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».