تمنى أن تكون في المستقبل مناصفة بين عجوز وشاب

صورة لإحدى جلسات المؤتمر في آخر أيام انعقاده: (من اليسار) الكاتب سمير الفيل، وسهير المصادفة، وسلوى بكر، وعزة بدر وعبد الرحيم علام .. وفي الاطار بهاء طاهر ({الشرق الأوسط})
صورة لإحدى جلسات المؤتمر في آخر أيام انعقاده: (من اليسار) الكاتب سمير الفيل، وسهير المصادفة، وسلوى بكر، وعزة بدر وعبد الرحيم علام .. وفي الاطار بهاء طاهر ({الشرق الأوسط})
TT

تمنى أن تكون في المستقبل مناصفة بين عجوز وشاب

صورة لإحدى جلسات المؤتمر في آخر أيام انعقاده: (من اليسار) الكاتب سمير الفيل، وسهير المصادفة، وسلوى بكر، وعزة بدر وعبد الرحيم علام .. وفي الاطار بهاء طاهر ({الشرق الأوسط})
صورة لإحدى جلسات المؤتمر في آخر أيام انعقاده: (من اليسار) الكاتب سمير الفيل، وسهير المصادفة، وسلوى بكر، وعزة بدر وعبد الرحيم علام .. وفي الاطار بهاء طاهر ({الشرق الأوسط})

اختتمت الدورة السادسة لملتقى الرواية العربية بالقاهرة، أمس، بإعلان فوز الأديب المصري بهاء طاهر بجائزة الرواية العربية التي رأس لجنة تحكيمها الروائي الجزائري د. واسيني الأعرج، وبعضوية الناقد د. إبراهيم فتحي من مصر، د. بطرس حلاق من سوريا، د. حسين حمودة من مصر، ود. خيري دومة من مصر، ود. سعيد يقطين من المغرب، وصبحي حديدي من سوريا، ونجوى بركات من لبنان، ويحيى يخلف من فلسطين. وتم تكريم وائل حسين من مصر أمين سر اللجنة.
وبهاء طاهر (من مواليد عام 1935) وهو أحد الروائيين المحسوبين على جيل الستينات من الأدباء، وهو أول من حصل على جائزة البوكر العربية عن روايته «واحة الغروب»، وحاصل على جائزة الدولة التقديرية في مصر.
بدوره، شكر طاهر كل من أسهم في الملتقى متمنيا أن تكون الدورات المقبلة أكثر تمثيلا، واعتبر الجائزة وساما على صدره معربا عن فخره بها، واعتزازه بأنه أول من رشح للجائزة في دورتها الأولى التي فاز بها الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف. وقال طاهر: «لست ممن يعتقدون بأن الجائزة تعطي قيمة لكاتب إلا إذا كانت تعبر عن تقدير للمسيرة الإبداعية، كنت أتمنى أن تكون الجائزة أيضا من نصيب الشباب لأن هؤلاء كثير منهم جدير بها، كنت أتمنى أن تكون مناصفة بيني وبين شاب، وأتمنى أن يكون تقليدا أن تكون مناصفة بين عجوز وشاب».
وجاء في بيان اللجنة الذي أعلنه واسيني الأعرج، أن القائمة الطويلة للمرشحين «ضمت 11 كاتبا وكاتبة من ألمع الأسماء الروائية العربية، واستمرت اللجنة في التصويت السري وانتهت لقائمة قصيرة من 4 أسماء وانتهت إلى اختيار الأكثر فنا ومنجزا. وتمثل روايات الحاصل على الجائزة رحلة امتدت على مدى نصف قرن وتعكس جهودا متبصرة بالصراعات التي تمس الإنسان في عمومه، وتنوعت عوالمه في علاقاتها بالتاريخ، منتصرا لكل ما يجعل الإنسان قيمة تسمو على كل شيء».
وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة د. محمد عفيفي، في ختام المؤتمر: «شاهدت كم فرحة الضيوف العرب بعودتهم لمصر وهي شهادة تاريخية بأن القاهرة عادت وستظل عاصمة للثقافة العربية»، متمنيا استمرار المؤتمر وعودة مؤتمر الشعر أيضا، وأن تصبح كل ليالي القاهرة ليالي ثقافية وفنية كما كانت».
هذا وقد طال الملتقى بعض الانتقادات قبيل انطلاقه خاصة من قبل الروائي جمال الغيطاني الذي تساءل عن جدواه في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر، واصفا إياه بأنه «ضجيج بلا إنتاج»، و«إن مصر لم تصنع مجدها الثقافي بالمؤتمرات».
ولكن بشكل عام، نجح المؤتمر في استقطاب عدد كبير من الروائيين من العالم العربي ومن المهجر، وقدم فرصة للقاء الأدباء بالجمهور وبالنقاد والصحافيين الذي حرصوا على عقد حوارات ولقاءات مع الكتاب، إلا أن بعض الجلسات كشفت عن سطحية في معالجة بعض الموضوعات والزج بأشخاص غير مؤهلين للحديث حول موضوعات شديدة التخصص، كما في المائدة المستديرة «الظواهر الجديدة في الرواية العربية». كما بدا في غالبية الجلسات أن بعض النقاد يستعرض قراءاته الأجنبية بعيدا عن مضمون الجلسة أو يجامل أصدقاءه من الكتاب، وإجمالا، كان جليا تضخيم بعض الأعمال الروائية بعيدا عن تقديم تحليل نقدي للخطاب السردي العربي كما هو متوقع من المؤتمر.
وكان تخصيص المؤتمر جلسات خاصة لشهادات الروائيين العرب هو الجزء الأكثر نجاحا، وحظي بحضور لافت من الجمهور والنقاد والكتاب أيضا، حيث عاد الروائيون عبر شهاداتهم إلى بداياتهم في عالم الرواية بنزقها وشغفها وتحدياتها.
وحول فعل الكتابة، يقول الروائي المصري أشرف الخمايسي في شهادته المطبوعة ضمن أوراق المؤتمر الذي غاب عنه لظروف صحية: «الإبداع، الذي تمثل الرواية أحد أسسه، هو محاولة جادة لإبراز ميتافيزيقية الواقع، نزع المألوف عنه لتبين حقيقته المذهلة، وهذه قدرة سحرية لا يمتلكها إلا الإبداع، وطاقة لا تتأجج إلا في قلب وروح مبدع. هذه الطاقة سحر، وهذا السحر هو الحد المميز بين الكاتب والمبدع. شتان بين رواية كاتب ورواية مبدع. الأولى تكتب المألوف، وقد تكتبه بمنتهى الجمال، وغاية التمكن. لكن الثانية اكتشاف جديد، وتناول طازج، وطرح بكر، تقلب المعدول، وتتصور أن المرآة هي الشخص الحي، والكاتب هو المرآة».
أما الروائية العراقية المقيمة بفرنسا إنعام كجه جي، فروت كيف كانت المخاوف والهواجس تطاردها في الكتابة عن المسيحيين العراقيين إلى أن التقت الكاتب المصري إدوارد خراط في باريس الذي حثها على طرد الهواجس والشروع في الكتابة عنهم لأنهم جزء لا يتجزأ من هوية الوطن العربي. ومن هنا بدأت رحلتها مع الرواية في «الحفيدة الأميركية». وتطرقت كجه جي إلى الغرائبية التي ولدت في أحضان الواقع العراقي حينما شاهدت جنود المارينز يسيرون في الحي الذي ولدت فيه في بغداد، فكانت الحرب صورة حاضرة لا يمكن التسليم بواقعيتها، لافتة إلى تداخل ما هو غرائبي مع ما هو واقعي في حياتنا، قائلة: «وهذا هو الالتباس الذي يجعل شخصيات روائية مستلهمة من الواقع، تبدو وكأنها غريبة ومن صنع الخيال.. عشت في العراق الذي أعرف، ذي الحضارة العريقة الضاربة في جذور التاريخ بثقافتها وثرائها، لكنني لا أعرف العراق الحالي، ولا يزال حنيني للعراق الذي نشأت فيه محركا لمشاعر فياضة تظهر في كتاباتي».
بينما تحدث الروائي السوداني أمير تاج السر عن انتقاله من فضاء الشعر إلى فضاء الرواية، مشبها عشق الكتابة بـ«الجرثومة» التي تصيب الإنسان. وكانت نقطة التحول بالنسبة إليه في عام 1987 حينما تعرف على الروائي عبد الحكيم قاسم، الذي أهداه كتابه «طرف من خبر الآخرة» الذي قال له إنه مؤهل لكتابة الرواية.
لكن من أين تأتي الكتابة؟ وكيف يمكن كتابة حياة في نص؟ يقول صاحب «مهر الصياح»: «نشأت في بلد يعج بالأساطير ويملك خصوصيته الأفروعربية، وشخصيات لا تتكرر في بلد آخر، تفرض نفسها بالظهور في رواياتي. ولكن أنا أكتب نصي حين يريدني النص أن أكتبه، وأحيانا أظل شهورا طويلة من دون أن أستطيع كتابة حرف واحد، كما حدث لي هذا العام، فبعد أن أنهيت رواية: (طقس) الصادرة عن بلومزبري - قطر، حديثا، لكني عادة أكتب في ركن معين وأقيد نفسي بالكتابة لمدة 4 ساعات يوميا، أو حينما أفرغ من كتابة ألف كلمة بعدها أتوقف، حتى إذا داهمتني أفكار جديدة أتركها وأعود في الوقت المحدد».
ويرى الروائي الجزائري بشير مفتي أن «هناك دائما شيئا ما يجذب الكاتب وكتابته ليتطلع إلى الأمام، إلى الأفق الغامض والمستور، وهو بقدر ما يقترب، يشعر أنه يبتعد عما كان عليه من قبل، وعما يروم له في ذلك الأفق البعيد. فخصوصية أي كتابة هي دائما في كونها ترتبط - حتى في أقصى طموحها التجريبي - بسياق زمني ما يحدد لها لحظتها التاريخية، ويبصمها بشرطية زمنها ذاك. صحيح أن هناك محاولة مستمرة للانفلات من قبضة الآني والعابر، ولكنها مقاومة هي بدورها ستظل مفتوحة على زمنية ما، على لحظة ما - وقتية بالضرورة - ولها روابط عضوية بالمكان والبيئة، وتاريخية هذا المكان وتلك البيئة».
ويكشف الروائي السوداني المقيم بمصر حمور زيادة عن علاقته بالكتابة قائلا: «عن نفسي أكتب لأتواصل مع العالم. أنا عاجز عن فهم هذه الحياة، عاجز عن التواصل مع البشر. هذا أمر لا أخجل من الاعتراف به. لست مؤهلا للاختلاط الاجتماعي. فقط حينما أكتب أشعر بذلك التواصل مع الناس. سهولة أن تحدثهم، أن تفكر معهم، أن تحكي لهم»، مضيفا: «ربما ما زلت حتى اليوم أتمنى أن أكتب كما كانت تحكي لي جدتي. أن أجعل القارئ يسمع الكلمات. يرجف في أذنيه صوت البطل وهو يواجه الأخطار. يتحرّش صوت الغول حوله وهو يتوعّد بأكل الأميرة الحسناء. أغنية بصوت رخيم أبياتا مغزولة في قلب الحكاية. ربما لهذا ما زلت كلما كتبت نصا أدبيا اندسّت به أغانٍ شعبية سودانية. في عالم لا يؤمن إلا بالقوة لا يمكننا أن نحتقر الحكايات».
وحول طقوس الكتابة لديه، يقول الروائي السعودي يوسف المحيميد: «قبل بدء الكتابة، وإنجاز عمل روائي جديد، أتوقف طويلا حول الشكل وبنية النص السردي، وجمالياته التي سأستخدمها في الكتابة، قد يستغرق الأمر بضع سنوات أحيانا، وقد يتعثر طويلا، وأحيانا يمكنني القبض عليه، وعلى التقنيات التي سأستخدمها، في لحظة خاطفة، وغالبا ما أكتشف أنني تعجلت، وما كنت أظنه مناسبا لفضاء رواية ما، لم يكن كذلك، بل حتى عند الكتابة فعلا، قد ينساق السرد، رغما عنّي، عمّا خططت له، وعمّا وضعته في ذهني». ويكشف: «أدلف إلى مكتبتي كما لو كنت أدخل معملا أو مختبرا، قد تفشل التجربة، وأرمي بها فورا في سلّة النفايات، أو قد تنجح الكتابة، فلا أجعل القارئ يرى منها سوى النتيجة النهائية، لذلك مهمتي الكبرى تتمثل في إتلاف العبارات غير الناضجة، علي ألا أترك أثرا خلفي، وأن أتلف طريقي المتعثّر إلى النص، مكتفيا بالنص ذاته، مع أنني مهووس بقراءة تجارب الروائيين في العالم، ورؤاهم حول كتابة الرواية، وقصصهم الهامشية حول كتابة نص ما، وحتى طقوسهم اليومية، ليس بالضرورة أن أقتدي بها، لكنها تشعرني بالهدوء والسلام والطمأنينة، وكأنما أطمئن على إخوتي في غرف البيت ذاته، بيت الرواية الكبير!».
أما عن مغامرة الكتابة، فيقول الروائي المغربي عبد العزيز الراشدي: «حين أكتب الرواية، لا أستحضر أحدا، بل أستحضر قلقي وفرحي وفوضاي. وعندما أجلسُ لتنقيح النص وتشذيبه استحضر (الكاسر الذي يقرأني)». ويضيف: «في أثناء تشكّل النص الروائي، تسكنني الفوضى فأترُك لنفسي حريتها، وحين أجلس لأعيد ترتيب الصور أفكر في بناء النص. أكتب مثل رسام في خلوته، يضع الفرشاة على هذه اللوحة وينتقل إلى أخرى ثم أخرى. أكتب عادة أشياء كثيرة في الوقت نفسه، فصولا كثيرة تتأرجح بين يدي، وشخصيات كثيرة تنمو في خاطري، وأمكنة كثيرة أبنيها بدأب دون أن تكتمل يوما. أُطلق ما يُشبه جيشا من الأرانب في حقل الكتابة، ثم أعيد تجميع الأساسي في الوقت المناسب. حين أعمد إلى جمعها تفرّ بعض النصوص وتموت، بينما تتطوّر أخرى وتنمو».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.