جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

وصلت إلى الرئاسة في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين
TT

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 تولّت المحامية والنجمة التلفزيونية جانين آنييز مهام رئاسة جمهورية بوليفيا، لتصبح المرأة الثانية التي تتبوأ هذا المنصب في بلادها بعد ليديا تيخادا التي تولّته لفترة سنتين أواخر العقد الثامن من القرن الماضي. إلا أن رئاسة آنييز، التي كانت مؤقتة، لم تدم سوى أحد عشر شهراً بعدما تراجعت عن قرارها الترشّح للانتخابات الرئاسية عن التيار اليميني. وبالنتيجة، أسفرت الانتخابات عن فوز الاشتراكي لويس آرسي الذي تسلّم منها الرئاسة في الثامن من نوفمبر 2020.
وكان وصول آنييز إلى سدة الرئاسة البوليفية قد حصل في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة، بدأت باستقالة الرئيس الاشتراكي إيفو موراليس تحت وطأة الضغوط التي تعرّض لها من قادة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة ولجوئه إلى سفارة المكسيك خوفاً من اعتقاله. وبعد ذلك، خروجه من بوليفيا تحت حماية دبلوماسية إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، ومنها إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، حيث عاد ليقود المعارضة ضد آنييز والقوى اليمينية التي كانت تدعمها بتأييد من الولايات المتحدة.
وفي الرابع عشر من مارس (آذار) الفائت صدر عن النيابة العامة البوليفية قرار بإيداع آنييز الحبس الاحترازي في انتظار محاكمتها بتهمة التمرّد والإرهاب والتآمر، وذلك بسبب دورها في الأحداث التي أدت إلى استقالة موراليس وانتهت بوصولها إلى الرئاسة. ويوم السبت الماضي حاولت آنييز الانتحار في زنزانتها بعدما مدّد القضاء فترة اعتقالها ستة أشهر إضافية، إلا أن الأطباء تمكنوا من إنقاذها بعدما أقدمت على قطع شرايين معصمها وتركت رسالة تقول فيها إنها لم تعد لديها رغبة في الحياة.
نشأت جانين آنييز في بيئة ريفية فقيرة في بوليفيا. وهي الصغيرة بين سبعة أشقاء تعيلهم والدة مدرّسة، لتنتقل لاحقاً وهي في الثامنة عشرة من عمرها إلى العاصمة لا باز، حيث التحقت بعدد من معاهد الإرساليات الأميركية لتدرس اللغة الإنجليزية وإدارة الأعمال. ومن ثم، انتقلت هذه المرأة الطموح إلى مدينة ترينيداد، حيث تعرّفت على زوجها الأول الذي كان ناشطاً سياسياً في حزب الوحدة المدنية اليميني قبل أن يصبح رئيساً للمجلس البلدي.
في تلك الفترة كانت آنييز تتابع تحصيلها الجامعي وتتخرّج محامية متخصّصة في القانون الدستوري، لتبدأ بعد ذك مسيرة إعلامية ناجحة كنجمة تلفزيونية، قبل أن تنخرط في العمل السياسي كعضو بارز في اللجنة التنفيذية للحركة الديمقراطية الاجتماعية.
في عام 2006، عندما كانت لا تزال في التاسعة والثلاثين من عمرها، فازت في الانتخابات لعضوية الجمعية التأسيسية المكلّفة وضع دستور جديد للبلاد. وفي عام 2009 فازت بعضوية مجلس الشيوخ. ثم كرّرت فوزها في انتخابات عام 2014. وهكذا، أصبحت النائب الثاني لرئيس المجلس قبل اندلاع الأزمة السياسية والدستورية التي نشأت عن استقالة إيفو موراليس.

تنحّي موراليس
في الحادي عشر من نوفمبر 2019 أعلن موراليس تخلّيه عن رئاسة بوليفيا بعدما تخلّى عن تأييده قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل وطالبوه بالاستقالة إثر فوزه بولاية ثالثة في الانتخابات التي خاضها في أعقاب تعديل الدستور الذي كان يمنع تولّي الرئاسة لأكثر من ولايتين. وعندما رفض نائب الرئيس الفارو غارسيّا ورئيسة مجلس الشيوخ آدريانا سالفاتييرا ورئيس مجلس النواب فيكتور بوردا تولّي الرئاسة تضامناً مع موراليس، واحتجاجاً على ما وصفوه بـ«الانقلاب على الشرعية»، اتجهت الأنظار إلى جانين آنييز كمرشحة لتولّي الرئاسة الشاغرة، لكن السياسية اليمينية وجدت نفسها تواجه معارضة الأغلبية البرلمانية المؤيدة لموراليس.
مع هذا، في الثاني عشر من نوفمبر 2019، بدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية، جرى إعلان تنصيب جانين آنييز رئيسة لبوليفيا في جلسة برلمانية خاطفة رفضت الغالبية الاشتراكية حضورها بحجة مخالفتها للدستور. وفي اليوم التالي، أعلنت المحكمة الدستورية أن انتخاب آنييز قد تمّ «وفقاً للأصول المرعيّة حفاظاً على استمرارية السلطة التنفيذية في انتظار إجراء انتخابات رئاسية واشتراعية جديدة».
وبالتالي، بينما كانت معظم المدن والأرياف البوليفية تشهد احتجاجات شعبية واسعة ضد «الانقلاب» الذي أطاح موراليس، كانت «حكومة» آنييز منكبّة على وضع قانون يمهّد لانتخابات جديدة تفتح الطريق أمام الخروج من الأزمة التي كانت بدأت تهدد باندلاع حرب أهلية في بوليفيا. وبعد شهرين من المفاوضات المكثّفة بين القوى البرلمانية، على وقع الاضطرابات وأعمال العنف التي أوقعت عشرات القتلى في العاصمة وضواحيها، توصّل الطرفان المتنازعان إلى اتفاق حول قانون ينظّم الانتخابات. وبموجب هذا القانون يمنع موراليس من الترشّح مقابل تعهد الحكومة بسحب القوات المسلّحة من مناطق الاحتجاجات، وإسقاط المرسوم الذي يمنح الجيش والأجهزة الأمنية حصانة ضد الملاحقات القانونية، والإفراج عن المعتقلين من أنصار موراليس وتأمين الحماية للقادة السياسيين والنقابيين المؤيدين للرئيس السابق والتعويض على عائلات الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات خلال الأزمة.

تغييرات الساسة الخارجية
اتسمت رئاسة آنييز القصيرة بتغييرات جذرية في السياسة الخارجية لبوليفيا بعد سنوات طويلة من حكم اليساري موراليس، الذي كان وثّق علاقات بلاده مع المعسكر الاشتراكي في أميركا اللاتينية. وبعد أيام قليلة من توليها الرئاسة عمدت آنييز إلى إقالة 85 في المائة من سفراء بوليفيا المعتمدين في الخارج واستعاضت عنهم بمفوّضين غير دبلوماسيين مقرّبين من خطها السياسي اليميني ومن القوات المسلّحة.
كذلك، منذ تولّيها الرئاسة ندّدت آنييز بالتدخلات الخارجية في شؤون بوليفيا، مشيرة بالتحديد إلى كولومبيا والبيرو وكوبا وفنزويلا. واتهمت هذه البلدان بالتحريض المباشر على المواجهات العنيفة التي شهدتها بوليفيا طوال أشهر بعد الانتخابات الرئاسية وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبعدما ألقت قوات الأمن البوليفية القبض على مواطنين أرجنتينيين وأعضاء سابقين في «القوات المسلحة الثورية» الكولومبية بتهمة التخطيط لأعمال الشغب، فإنها اعتقلت عدداً من «العملاء» الكوبيين بتهمة توزيع الأموال على مناصرين للرئيس السابق إيفو موراليس. وردّت كوبا على الاتهامات بأن الأموال التي كانت في حوزة المعتقلين كانت مخصّصة لرواتب الأطباء الكوبيين الذين يعملون في بوليفيا بموجب اتفاق للتعاون الثنائي بين البلدين، ثم قرّرت إعادة أكثر من 725 طبيباً لأسباب أمنية. وكانت وزارة الصحة البوليفية قد ادعت أنه بعد مراجعة الوثائق الشخصية للكوبيين في بوليفيا، تبيّن لها أن معظمهم لا يحمل شهادة في الطب ويكلّفون الخزينة العامة أكثر من 8 ملايين دولار سنوياً تصبّ معظمها في ميزانية النظام الكوبي. وفي مطلع العام الماضي، قرّرت آنييز قطع علاقات بلادها الدبلوماسية مع كوبا، متهمة هافانا بالتدخل في شؤون بوليفيا الداخلية وتقويض سيادتها الوطنية.
وبالنسبة لفنزويلا، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تولّيها مهام الرئاسة، أعلنت آنييز اعترافها بالزعيم المعارض خوان غوايدو (المدعوم من واشنطن) رئيساً مؤقتاً لفنزويلا. وقرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام نيكولاس مادورو اليساري وأمهلت البعثة الدبلوماسية الفنزويلية ثلاثة أيام لمغادرة البلاد. وكذلك طلبت من غوايدو تعيين سفير جديد لفنزويلا في بوليفيا.

معاداة المكسيك والأرجنتين
حتى العلاقات بين بوليفيا والمكسيك لم تسلم هي أيضاً من الاهتزازات مع وصول آنييز إلى الرئاسة؛ وذلك بسبب منح الحكومة المكسيكية حق اللجوء السياسي لموراليس وتسهيل خروجه من لا باز. وكان الأخير قد لجأ إلى السفارة المكسيكية التي رفضت تسليمه إلى الحكومة البوليفية، التي فرضت قواتها الأمنية طوقاً أمنياً حول مبنى السفارة لأسابيع عدة قبل أن تسمح بخروج موراليس ومغادرته البلاد على متن طائرة رسمية مكسيكية.
ولاحقاً، مع وصول موراليس إلى الأرجنتين تلبية لدعوة الرئيس الجديد البرتو فرنانديز بعد يومين من انتخابه، شهدت العلاقات الأرجنتينية البوليفية توتراً متزايداً؛ إذ عرض فرنانديز على الرئيس البوليفي السابق الإقامة في بلاده كلاجئ سياسي يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها أي مواطن أرجنتيني من حيث حرية التعبير والتفكير والإدلاء بما يريد من تصريحات. وأيضاً، سمحت له الحكومة الأرجنتينية بتنظيم اجتماعات مع أنصاره والقيام بأنشطة سياسية من دون قيود.
في المقابل، بطبيعة الحال، رحّبت الولايات المتحدة من جهتها بوصول آنييز إلى الرئاسة. وأعلنت رغبتها في التعاون مع حكومتها لتنظيم انتخابات جديدة في أقرب الآجال، وإرسال سفير جديد إلى بوليفيا بعد عشر سنوات من سحب سفيرها السابق على عهد موراليس.
غير أنه، بعد الانتخابات الرئاسية والاشتراعية التي كانت مقررة في مايو (أيار) من العام الفائت وجرى تأجيلها إلى أكتوبر (تشرين الأول) بسبب من جائحة «كوفيد - 19» وجدت آنييز نفسها في محيط داخلي وخارجي مختلف كلّياً عن الذي كانت تتحرك فيه إبّان فترة توليها الرئاسة. إذ أسفرت الانتخابات عن فوز واضح للمرشح الاشتراكي الذي يدعمه موراليس، وحصول الأحزاب اليسارية المؤيدة له على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وجرى هذا تقريباً بالتزامن تقريباً مع انتقال الرئاسة الأميركية من دونالد ترمب إلى جو بايدن.

نهاية «شهر العسل»
وحقاً، في الثالث عشر من مارس الفائت داهمت قوة من الشرطة منزل آنييز واقتادتها إلى السجن؛ تنفيذاً لمذكرة جلب صدرت عن النيابة العامة، وقضت بإيداعها الحبس الاحترازي، إلى جانب أربعة من الوزراء السابقين في حكومتها. وحصل هذا، مع أن التحقيقات الجارية في ملف القضية كانت تتناول الأحداث التي سبقت استقالة موراليس، أي قبل أن تتولّى آنييز مهام الرئاسة.
وعلى الأثر، أثار اعتقال الرئيسة البوليفية السابقة موجة من الاحتجاجات المحلية والإقليمية، كانت أبرزها التصريحات التي صدرت عن الأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية لويس الماغرو الذي قال، إن القضايا القانونية الكبرى التي تتناول فترة حكم موراليس وآنييز، بما فيها تلك التي تشمل «جرائم ضد الإنسانية»، يجب أن تنظر فيها الهيئات والمحاكم الدولية. واعتبر الماغرو أن القضاء البوليفي الخاضع للسلطة السياسية «ليس موضع ثقة للنظر في هذه القضايا». وأعلن أنه سيبادر شخصياً إلى إحالة هذه القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الحكومة البوليفية التي يرأسها لويس آرسي رفضت تصريحات الماغرو التي وصفتها بالتدخل غير المقبول، واعتبرت اقتراحه غير قانوني.
من جهة ثانية، منظمات حقوقية غربية مثل «العفو الدولية» و«هيومان رايتس ووتش» أيضاً أعربت عن شكوكها في شرعية توقيف آنييز بتهمة التآمر والانقلاب على الحكم. ورأت في قرار النيابة العامة استخداماً للقضاء بهدف تحقيق غايات سياسية. وبينما اعتبرت المعارضة اليمينية أن اعتقال الرئيسة السابقة «خطوة استبدادية»، قال الرئيس البوليفي الأسبق كارلوس ميسا، إن تصرّف السلطات مع آنييز هو «من أسوأ أنواع المعاملة»، متهما الرئيس الحالي بـ«ممارسة العنف الكيدي والنزعة الانتقامية».
هذا، وبعدما تمكّن الأطباء من إنقاذ آنييز في زنزانة السجن، صرّح وكيل دفاعها بأنها «في وضع صحي سيئ جداً وتحتاج إلى الراحة لكونها في حال من الوهن والاكتئاب العميق». وقال ناطق بلسان الاتحاد الأوروبي إنهم في الاتحاد يتابعون «بقلق شديد» الأنباء عن وضع الرئيسة البوليفية السابقة. وأعرب عن أمله في أن تضمن السلطات المسؤولة حقها في الصحة الجسدية والنفسية التامة.
أخيراً، تجدر الإشارة أن آنييز البالغة من العمر 54 سنة لا تزال في انتظار المحاكمة بتهمة الإبادة والإرهاب والتآمر خلال الأحداث التي جرت في بداية ولايتها القصيرة. وهي الأحداث التي أدت إلى وقوع أكثر من 30 قتيلاً ومئات الجرحى في الاشتباكات العنيفة التي دارت بين أنصار الرئيس الأسبق إيفو موراليس والقوى الأمنية. وقد رفضت النيابة العامة البوليفية حتى الآن مطالب عائلة آنييز ووكلاء الدفاع بنقلها إلى عيادة خاصة لمعالجتها.
وتقول ابنة آنييز عن أمها «تعيش في اضطراب دائم ومن دون راحة؛ إذ لا تعرف ماذا يعدّون لها... تخديرها أو تسميمها أو نقلها إلى مصير مجهول». وكانت الرئيسة السابقة قد نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قبل محاولتها الانتحار رسالة جاء فيها «لم تعد عندي أي رغبة في الحياة. لا أريد تناول المزيد من الأدوية. إنني أطلب من سلطات السجن أن تقول لي ما هي الأدوية التي اتناولها».



سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».