جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

وصلت إلى الرئاسة في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين
TT

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

جانين آنييز... رئيسة بوليفيا السابقة استفادت من حكم ترمب وصعود اليمين

في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 تولّت المحامية والنجمة التلفزيونية جانين آنييز مهام رئاسة جمهورية بوليفيا، لتصبح المرأة الثانية التي تتبوأ هذا المنصب في بلادها بعد ليديا تيخادا التي تولّته لفترة سنتين أواخر العقد الثامن من القرن الماضي. إلا أن رئاسة آنييز، التي كانت مؤقتة، لم تدم سوى أحد عشر شهراً بعدما تراجعت عن قرارها الترشّح للانتخابات الرئاسية عن التيار اليميني. وبالنتيجة، أسفرت الانتخابات عن فوز الاشتراكي لويس آرسي الذي تسلّم منها الرئاسة في الثامن من نوفمبر 2020.
وكان وصول آنييز إلى سدة الرئاسة البوليفية قد حصل في ذروة أزمة سياسية ودستورية غير مسبوقة، بدأت باستقالة الرئيس الاشتراكي إيفو موراليس تحت وطأة الضغوط التي تعرّض لها من قادة الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة ولجوئه إلى سفارة المكسيك خوفاً من اعتقاله. وبعد ذلك، خروجه من بوليفيا تحت حماية دبلوماسية إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، ومنها إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، حيث عاد ليقود المعارضة ضد آنييز والقوى اليمينية التي كانت تدعمها بتأييد من الولايات المتحدة.
وفي الرابع عشر من مارس (آذار) الفائت صدر عن النيابة العامة البوليفية قرار بإيداع آنييز الحبس الاحترازي في انتظار محاكمتها بتهمة التمرّد والإرهاب والتآمر، وذلك بسبب دورها في الأحداث التي أدت إلى استقالة موراليس وانتهت بوصولها إلى الرئاسة. ويوم السبت الماضي حاولت آنييز الانتحار في زنزانتها بعدما مدّد القضاء فترة اعتقالها ستة أشهر إضافية، إلا أن الأطباء تمكنوا من إنقاذها بعدما أقدمت على قطع شرايين معصمها وتركت رسالة تقول فيها إنها لم تعد لديها رغبة في الحياة.
نشأت جانين آنييز في بيئة ريفية فقيرة في بوليفيا. وهي الصغيرة بين سبعة أشقاء تعيلهم والدة مدرّسة، لتنتقل لاحقاً وهي في الثامنة عشرة من عمرها إلى العاصمة لا باز، حيث التحقت بعدد من معاهد الإرساليات الأميركية لتدرس اللغة الإنجليزية وإدارة الأعمال. ومن ثم، انتقلت هذه المرأة الطموح إلى مدينة ترينيداد، حيث تعرّفت على زوجها الأول الذي كان ناشطاً سياسياً في حزب الوحدة المدنية اليميني قبل أن يصبح رئيساً للمجلس البلدي.
في تلك الفترة كانت آنييز تتابع تحصيلها الجامعي وتتخرّج محامية متخصّصة في القانون الدستوري، لتبدأ بعد ذك مسيرة إعلامية ناجحة كنجمة تلفزيونية، قبل أن تنخرط في العمل السياسي كعضو بارز في اللجنة التنفيذية للحركة الديمقراطية الاجتماعية.
في عام 2006، عندما كانت لا تزال في التاسعة والثلاثين من عمرها، فازت في الانتخابات لعضوية الجمعية التأسيسية المكلّفة وضع دستور جديد للبلاد. وفي عام 2009 فازت بعضوية مجلس الشيوخ. ثم كرّرت فوزها في انتخابات عام 2014. وهكذا، أصبحت النائب الثاني لرئيس المجلس قبل اندلاع الأزمة السياسية والدستورية التي نشأت عن استقالة إيفو موراليس.

تنحّي موراليس
في الحادي عشر من نوفمبر 2019 أعلن موراليس تخلّيه عن رئاسة بوليفيا بعدما تخلّى عن تأييده قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بل وطالبوه بالاستقالة إثر فوزه بولاية ثالثة في الانتخابات التي خاضها في أعقاب تعديل الدستور الذي كان يمنع تولّي الرئاسة لأكثر من ولايتين. وعندما رفض نائب الرئيس الفارو غارسيّا ورئيسة مجلس الشيوخ آدريانا سالفاتييرا ورئيس مجلس النواب فيكتور بوردا تولّي الرئاسة تضامناً مع موراليس، واحتجاجاً على ما وصفوه بـ«الانقلاب على الشرعية»، اتجهت الأنظار إلى جانين آنييز كمرشحة لتولّي الرئاسة الشاغرة، لكن السياسية اليمينية وجدت نفسها تواجه معارضة الأغلبية البرلمانية المؤيدة لموراليس.
مع هذا، في الثاني عشر من نوفمبر 2019، بدعم الأجهزة الأمنية والعسكرية، جرى إعلان تنصيب جانين آنييز رئيسة لبوليفيا في جلسة برلمانية خاطفة رفضت الغالبية الاشتراكية حضورها بحجة مخالفتها للدستور. وفي اليوم التالي، أعلنت المحكمة الدستورية أن انتخاب آنييز قد تمّ «وفقاً للأصول المرعيّة حفاظاً على استمرارية السلطة التنفيذية في انتظار إجراء انتخابات رئاسية واشتراعية جديدة».
وبالتالي، بينما كانت معظم المدن والأرياف البوليفية تشهد احتجاجات شعبية واسعة ضد «الانقلاب» الذي أطاح موراليس، كانت «حكومة» آنييز منكبّة على وضع قانون يمهّد لانتخابات جديدة تفتح الطريق أمام الخروج من الأزمة التي كانت بدأت تهدد باندلاع حرب أهلية في بوليفيا. وبعد شهرين من المفاوضات المكثّفة بين القوى البرلمانية، على وقع الاضطرابات وأعمال العنف التي أوقعت عشرات القتلى في العاصمة وضواحيها، توصّل الطرفان المتنازعان إلى اتفاق حول قانون ينظّم الانتخابات. وبموجب هذا القانون يمنع موراليس من الترشّح مقابل تعهد الحكومة بسحب القوات المسلّحة من مناطق الاحتجاجات، وإسقاط المرسوم الذي يمنح الجيش والأجهزة الأمنية حصانة ضد الملاحقات القانونية، والإفراج عن المعتقلين من أنصار موراليس وتأمين الحماية للقادة السياسيين والنقابيين المؤيدين للرئيس السابق والتعويض على عائلات الضحايا الذين سقطوا في الاحتجاجات خلال الأزمة.

تغييرات الساسة الخارجية
اتسمت رئاسة آنييز القصيرة بتغييرات جذرية في السياسة الخارجية لبوليفيا بعد سنوات طويلة من حكم اليساري موراليس، الذي كان وثّق علاقات بلاده مع المعسكر الاشتراكي في أميركا اللاتينية. وبعد أيام قليلة من توليها الرئاسة عمدت آنييز إلى إقالة 85 في المائة من سفراء بوليفيا المعتمدين في الخارج واستعاضت عنهم بمفوّضين غير دبلوماسيين مقرّبين من خطها السياسي اليميني ومن القوات المسلّحة.
كذلك، منذ تولّيها الرئاسة ندّدت آنييز بالتدخلات الخارجية في شؤون بوليفيا، مشيرة بالتحديد إلى كولومبيا والبيرو وكوبا وفنزويلا. واتهمت هذه البلدان بالتحريض المباشر على المواجهات العنيفة التي شهدتها بوليفيا طوال أشهر بعد الانتخابات الرئاسية وأسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبعدما ألقت قوات الأمن البوليفية القبض على مواطنين أرجنتينيين وأعضاء سابقين في «القوات المسلحة الثورية» الكولومبية بتهمة التخطيط لأعمال الشغب، فإنها اعتقلت عدداً من «العملاء» الكوبيين بتهمة توزيع الأموال على مناصرين للرئيس السابق إيفو موراليس. وردّت كوبا على الاتهامات بأن الأموال التي كانت في حوزة المعتقلين كانت مخصّصة لرواتب الأطباء الكوبيين الذين يعملون في بوليفيا بموجب اتفاق للتعاون الثنائي بين البلدين، ثم قرّرت إعادة أكثر من 725 طبيباً لأسباب أمنية. وكانت وزارة الصحة البوليفية قد ادعت أنه بعد مراجعة الوثائق الشخصية للكوبيين في بوليفيا، تبيّن لها أن معظمهم لا يحمل شهادة في الطب ويكلّفون الخزينة العامة أكثر من 8 ملايين دولار سنوياً تصبّ معظمها في ميزانية النظام الكوبي. وفي مطلع العام الماضي، قرّرت آنييز قطع علاقات بلادها الدبلوماسية مع كوبا، متهمة هافانا بالتدخل في شؤون بوليفيا الداخلية وتقويض سيادتها الوطنية.
وبالنسبة لفنزويلا، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تولّيها مهام الرئاسة، أعلنت آنييز اعترافها بالزعيم المعارض خوان غوايدو (المدعوم من واشنطن) رئيساً مؤقتاً لفنزويلا. وقرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام نيكولاس مادورو اليساري وأمهلت البعثة الدبلوماسية الفنزويلية ثلاثة أيام لمغادرة البلاد. وكذلك طلبت من غوايدو تعيين سفير جديد لفنزويلا في بوليفيا.

معاداة المكسيك والأرجنتين
حتى العلاقات بين بوليفيا والمكسيك لم تسلم هي أيضاً من الاهتزازات مع وصول آنييز إلى الرئاسة؛ وذلك بسبب منح الحكومة المكسيكية حق اللجوء السياسي لموراليس وتسهيل خروجه من لا باز. وكان الأخير قد لجأ إلى السفارة المكسيكية التي رفضت تسليمه إلى الحكومة البوليفية، التي فرضت قواتها الأمنية طوقاً أمنياً حول مبنى السفارة لأسابيع عدة قبل أن تسمح بخروج موراليس ومغادرته البلاد على متن طائرة رسمية مكسيكية.
ولاحقاً، مع وصول موراليس إلى الأرجنتين تلبية لدعوة الرئيس الجديد البرتو فرنانديز بعد يومين من انتخابه، شهدت العلاقات الأرجنتينية البوليفية توتراً متزايداً؛ إذ عرض فرنانديز على الرئيس البوليفي السابق الإقامة في بلاده كلاجئ سياسي يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها أي مواطن أرجنتيني من حيث حرية التعبير والتفكير والإدلاء بما يريد من تصريحات. وأيضاً، سمحت له الحكومة الأرجنتينية بتنظيم اجتماعات مع أنصاره والقيام بأنشطة سياسية من دون قيود.
في المقابل، بطبيعة الحال، رحّبت الولايات المتحدة من جهتها بوصول آنييز إلى الرئاسة. وأعلنت رغبتها في التعاون مع حكومتها لتنظيم انتخابات جديدة في أقرب الآجال، وإرسال سفير جديد إلى بوليفيا بعد عشر سنوات من سحب سفيرها السابق على عهد موراليس.
غير أنه، بعد الانتخابات الرئاسية والاشتراعية التي كانت مقررة في مايو (أيار) من العام الفائت وجرى تأجيلها إلى أكتوبر (تشرين الأول) بسبب من جائحة «كوفيد - 19» وجدت آنييز نفسها في محيط داخلي وخارجي مختلف كلّياً عن الذي كانت تتحرك فيه إبّان فترة توليها الرئاسة. إذ أسفرت الانتخابات عن فوز واضح للمرشح الاشتراكي الذي يدعمه موراليس، وحصول الأحزاب اليسارية المؤيدة له على الغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وجرى هذا تقريباً بالتزامن تقريباً مع انتقال الرئاسة الأميركية من دونالد ترمب إلى جو بايدن.

نهاية «شهر العسل»
وحقاً، في الثالث عشر من مارس الفائت داهمت قوة من الشرطة منزل آنييز واقتادتها إلى السجن؛ تنفيذاً لمذكرة جلب صدرت عن النيابة العامة، وقضت بإيداعها الحبس الاحترازي، إلى جانب أربعة من الوزراء السابقين في حكومتها. وحصل هذا، مع أن التحقيقات الجارية في ملف القضية كانت تتناول الأحداث التي سبقت استقالة موراليس، أي قبل أن تتولّى آنييز مهام الرئاسة.
وعلى الأثر، أثار اعتقال الرئيسة البوليفية السابقة موجة من الاحتجاجات المحلية والإقليمية، كانت أبرزها التصريحات التي صدرت عن الأمين العام لمنظمة البلدان الأميركية لويس الماغرو الذي قال، إن القضايا القانونية الكبرى التي تتناول فترة حكم موراليس وآنييز، بما فيها تلك التي تشمل «جرائم ضد الإنسانية»، يجب أن تنظر فيها الهيئات والمحاكم الدولية. واعتبر الماغرو أن القضاء البوليفي الخاضع للسلطة السياسية «ليس موضع ثقة للنظر في هذه القضايا». وأعلن أنه سيبادر شخصياً إلى إحالة هذه القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الحكومة البوليفية التي يرأسها لويس آرسي رفضت تصريحات الماغرو التي وصفتها بالتدخل غير المقبول، واعتبرت اقتراحه غير قانوني.
من جهة ثانية، منظمات حقوقية غربية مثل «العفو الدولية» و«هيومان رايتس ووتش» أيضاً أعربت عن شكوكها في شرعية توقيف آنييز بتهمة التآمر والانقلاب على الحكم. ورأت في قرار النيابة العامة استخداماً للقضاء بهدف تحقيق غايات سياسية. وبينما اعتبرت المعارضة اليمينية أن اعتقال الرئيسة السابقة «خطوة استبدادية»، قال الرئيس البوليفي الأسبق كارلوس ميسا، إن تصرّف السلطات مع آنييز هو «من أسوأ أنواع المعاملة»، متهما الرئيس الحالي بـ«ممارسة العنف الكيدي والنزعة الانتقامية».
هذا، وبعدما تمكّن الأطباء من إنقاذ آنييز في زنزانة السجن، صرّح وكيل دفاعها بأنها «في وضع صحي سيئ جداً وتحتاج إلى الراحة لكونها في حال من الوهن والاكتئاب العميق». وقال ناطق بلسان الاتحاد الأوروبي إنهم في الاتحاد يتابعون «بقلق شديد» الأنباء عن وضع الرئيسة البوليفية السابقة. وأعرب عن أمله في أن تضمن السلطات المسؤولة حقها في الصحة الجسدية والنفسية التامة.
أخيراً، تجدر الإشارة أن آنييز البالغة من العمر 54 سنة لا تزال في انتظار المحاكمة بتهمة الإبادة والإرهاب والتآمر خلال الأحداث التي جرت في بداية ولايتها القصيرة. وهي الأحداث التي أدت إلى وقوع أكثر من 30 قتيلاً ومئات الجرحى في الاشتباكات العنيفة التي دارت بين أنصار الرئيس الأسبق إيفو موراليس والقوى الأمنية. وقد رفضت النيابة العامة البوليفية حتى الآن مطالب عائلة آنييز ووكلاء الدفاع بنقلها إلى عيادة خاصة لمعالجتها.
وتقول ابنة آنييز عن أمها «تعيش في اضطراب دائم ومن دون راحة؛ إذ لا تعرف ماذا يعدّون لها... تخديرها أو تسميمها أو نقلها إلى مصير مجهول». وكانت الرئيسة السابقة قد نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي قبل محاولتها الانتحار رسالة جاء فيها «لم تعد عندي أي رغبة في الحياة. لا أريد تناول المزيد من الأدوية. إنني أطلب من سلطات السجن أن تقول لي ما هي الأدوية التي اتناولها».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟