اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات
TT

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات

عن الشتات والمهجر كوطن بديل أو عابر، وما تتركه هذه الرحلة من ندوب وتشققات في منظومة الحياة الإنسانية، تدور رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني.
ترصد الرواية الصادرة حديثاً عن دار الشروق، عبر أبطالها الخمسة، تقلبات هذا المناخ، في أقصى لحظاته السارة والمؤلمة، وتعاود صاحبة رواية «هليوبوليس» هوايتها المفضلة في قنص اللحظات الإنسانية الرخوة المنفلتة من مفاصل الزمن، تدير من خلالها لعبتها الروائية حول عالم الهجرة وآثاره المتباينة اجتماعياً ونفسياً وثقافياً على حياة مجموعة من المصريين والعرب المقيمين في كندا.
يبرز الشتات كدلالة مركزية تشكل نواة لهذه الكتلة المبعثرة من البشر، ويلعب دوراً مهماً في إذابة الحدود والفواصل بين الأنا والهوية، كما يشد إيقاع الحكايات المروية عنهم بعين الكاتبة الراوية وعبر ضمير المتكلم الغالب، بما يوفره من إحساس بالتماهي والحميمية بين الأنا الساردة وأنا المسرود عنهم؛ ويصل الشتات إلى ذروته الدرامية حين يترسب في الداخل والخارج معاً، ويصبح بمثابة ضرورة وجود، كما تتعدد صوره في أماكن أخرى لها صلة بواقع الشخوص وهوياتهم وجذورهم تومض في خلفية المشهد والصورة، لنصبح إزاء شتات حروب وكوارث وأوبئة وواقع سياسي طارد، شتات أزمنة تدنو وتبتعد، تتكسر وتلتئم بقوة المصادفة أحياناً، وأحياناً أخرى بمفارقة الذكريات والعواطف الساكنة واستيقاظها المباغت في تداعيات الداخل والخارج، الحاضر والماضي معاً وكأنها العزاء الأخير لحياة متقلبة تقف دائماً على حافة طمأنينة مرتجفة.
يبرز هذا على نحو لافت في مشهد لقاء اثنين من أبطال الرواية؛ كمال المصري وكريم ثابت بالقطار ولأول مرة (ص15) وهو يخبره عن أنباء فيروس كورونا غير المبشرة بالصين وأن أصدقاءنا في الغربة هم عزاؤنا الوحيد. يقول كمال معلقاً على كلام زميله: «ما يقوله هذا الغريب حق. في الغربة نصنع لأنفسنا عائلات موازية من الأصدقاء والمقربين والأحباب، وتتراجع العائلة الكبيرة في خلفية المشهد. حدث هذا لي حين تركت بيت حدائق القبة وجئت إلى مونتريال، ثم حين هاجرت من داخل الهجرة من مونتريال إلى تورونتو، ثم منها إلى وندسور. في كل مرة تتغير علاقتي بفكرة وقيمة الأسرة. وتثقل على نفسي الزيارات الاجتماعية الثنائية. تلك التي يبرع في اختلاقها المتزوجون، وهم يتبارون في إبراز مدى تعلقهم بزوجاتهم وأبنائهم ومدى تماسك أسرهم السعيدة. في غمرة اللهاث والمسابقة على إثبات وتجديد الثقة تتلف الأسرة وتذوي ولا أحد يدري من أين يأتي العطب».
وبحسب الرواية، كمال وكريم مصريان وجاران في المنشأ القاهري وفي العمل بكندا منذ سنوات عديدة، الأول جاوز الستين ويعمل أستاذاً للأدب المقارن بجامعة وندسور، والثاني في الأربعين ويعمل بالجامعة نفسها أستاذاً بقسم الإعلام. وأيضاً زوجتاهما (ناهد ونورهان) مصريتان تعملان مسؤولتين بوزارة الصحة بتورونتو، وهما لاعبتان أساسيتان في الرواية، وكلاهما لديه ولدان. يستقل كمال وكريم القطار نفسه أسبوعياً لنحو أربع ساعات لقضاء العطلة مع الأسرة والأولاد في تورونتو، ولم يلتقيا إلا بمحض المصادفة والضرورة حين أراد كمال أن يبدل مقعدة بمقعد فارغ في الطاولة المجاورة ليتجنب الجلوس في عكس سير القطار الذي يصيبه بالدوار والغثيان. ينفر كمال من لقاء كريم ثانية بالقطار، رغم أنهما يتشابهان في التهام طبق «البامية باللحم والثوم المفروم» وملحقاته الذي تعده زوجتاهما ويكون في انتظارهما بالثلاجة.
مشهد يتكرر بحذافيره في الفصلين الأول والثاني من الرواية وينطوي على دلالة ما، لكنها تظل أبعد من فكرة التشابه في العادات والتقاليد، بل تتعلق بطبيعة العلاقة مع الآخر في الغربة، وأنها تتجاوز أحياناً فكرة التشبه به، وتصبح كأنها ظل له، يجب التحسب منه ومطاردته أحياناً بمنطق الإزاحة أو راحة البال.
في هذه الدوائر القلقة المضطربة تتحرك مسارات الرواية في طبقات سردية تتقاطع وتتجاور صعوداً وهبوطاً في فضاء قماشة روائية تربو على مائتي صفحة... شخوص عارية وواضحة في عواطفها ومشاعرها وانفعالاتها، بعضهم هرب من بلده وهاجر كلاجئ حرب، مثل بسام الحايك، السوري الحلبي الذي شهد مجزرة حماة ومن قبلها كارثة أيلول الأسود. شخوص مثقلة بالمآسي والحزن تفتش عن شغف جديد بالحياة، داخل الكتلة وخارجها. شغف ينفلت من قبضة العادة والمألوف المتكرر يومياً إلى حد السأم والرتابة، سواء في فضاء العائلة أو العمل، أو نمط الحياة. تلهث الذات الساردة وراء هذه اللحظات الرخوة، وتتلصص عليها من ثقوب الماضي والذكريات والأحلام، فهي الأكثر إثارة وحساسة في فضاء الروح والجسد. كما أن الشخوص نفسها تبدو متوترة مشغولة دائماً بلحظة ما، كأنها تقطير لجذرية حياة وزمن فرا من بين أصابعهـم أو سرقهم فجأة، فلا شيء دون هذا العناء يكمل الصورة، ويجعل للذكريات والحنين معنى سواء في الماضي أو الحاضر. لذلك يظل الصراع مشدوداً في الرواية لمحاولة القبض على تلك اللحظة الهاربة، وكأنها طوق الخلاص من وجود وشائك وملتبس، تعيشه الشخوص بحكم الضرورة، بل تستسلم له وتتكيف معه، كنوع من صيانة الذات وتحسين سبل العيش.
يستدعي بسام بروح البطل المنكسر صدى حواراته مع الطبيبة النفسية التي عينتها وزارة الهجرة الكندية لمتابعة حالته كلاجئ حرب، وهي تستحثه على أن يكتب الحرب كيوميات أو مذكرات لمساعدته في العلاج والاندماج في واقعه الجديد (ص166): «ثمانية وثلاثون عاماً على الهجرة وما زلت أفتقد الناس والأماكن، ناس هناك، وأماكن هناك، ليس من ألتقي بهم في الشتات وقد تشوهت أرواحهم مثلي. تأقلموا وصارت لهم عادات هجينة، مثلي. أفتقد روائح السوق القديمة وأصوات الناس في الساحات ودعسة القدم على تراب شوارعنا. أفتقد الأهل من الأموات، أبي وأمي وأخوي علي وحسين. أحتفظ بصورة لأبي وأمي وهما يحملاني بعد مولدي بعدة أشهر، هي كل ما تبقى لدي من أثر».
يشتبك بسام مع معظم الحكايات في الرواية، تجمعه علاقة عاطفية مع نورهان وهي شابة في العشرين قبل أن تتزوج، حيث كان يعمل محرراً في صحيفة كان يمتلكها أبوها، ورغم عاصفة العلاقة ظل يحرص على ألا تعزله عن ابنته وزوجته المريضة، وبعد موتها يتزوج داينا سليمان، مصورة فوتوغرافية سورية، ويعيشان في مدينة أميركية صغيرة على التخوم مع كندا.
تبدو حكايات «الحب المسروق» ابن التشققات البينية، وكأنها أحد أشواط اللعبة الروائية فمعظم الأبطال يقعون فيه بقوة المصادفة والشغف إلى حد الجنون وكأنهم يستعيدون طفولة الروح والجسد معاً، أو على الأقل يمنحونها استراحة مؤقتة من قسوة الغربة والظروف.
تلعب المصادفة دوراً مهماً في تنويع مسارات السرد في الرواية، لكنه يبقى مجرد فعل خاطف، على عكس فعل الهجر، حيث السعي لتأسيس كينونة لحياة بديلة. كما نجد فيها مزيجاً من أدب السيرة الذاتية، حيث تسرّب الكاتبة في طيات السرد ملامح وصوراً بها قدر من التوثيق العفوي للحياة في الغربة؛ روائح البشر وانفعالاتهم وعاداتهم، طرق معيشتهم وطقوسهم التي تنشأ داخل المكان. وفيها طرف من أدب الاعترافات، فالشخصيات تمارس نوعاً من البوح الشفيف، تنكشف في غباره قصصهم العاطفية الخاصة، في قبضة تلك اللحظات الرخوة المسروقة. وثمة خيط شفيف من أدب اليوميات، فالسرد يلاحق حياة مشتتة ومبعثرة، مفتوحة على جغرافيا المكان وشخوص لا تكف عن السفر.
يتجسد هذا على نحو شديد العذوبة جمالياً، حيث ينهض الوصف على التضافر بين المشهد في إيقاعه البصري والسردي، ما يجعلنا أمام كتلة حية تشغي بالحركة ومباغتة الضوء والانكشاف. يبدو هذا جلياً منذ السطور الأولى في الرواية في مشهد القطار وهو واقف بالمحطة مشكلاً كتلة بصرية لافتة، سرعان ما تنحل وتتحول إلى كتلة سردية مباغتة حين يسير القطار ويلتقي كمال وكريم.
وبإيقاع آخر تطالعنا ملامح من جماليات التبعثر وتشظي الكتلة داخل المكان، في المشهد الاستهلالي للفصل الذي يحمل اسم «نورهان عبد الحميد». حيث تتحول عين الساردة إلى كاميرا متخفية ويتراجع ضمير المتكلم قليلاً لصالح ضمير المخاطب: «الخميس السابعة صباحاً، مطار لستر بيرسون بتورونتو. حركة المطار هادئة. يتناثر عدد من المسافرين بين طاولات المقاهي المنتشرة في الساحات والممرات المفضية لبوابات الإقلاع. السترات داكنة، زرقاء أو رمادية، والقمصان بيضاء وزرقاء ولبنية، أربطة العنق أنيقة والإيشاربات باذخة الألوان، الأحذية لامعة، تعلو كعوبها للنساء، وحقائب السفر مصنوعة من الفايبر الفاخر. يدارون التعب تحت الثياب الملساء والابتسامات المقتضبة والخطوات الواثقة. موظفون وموظفات، رجال ونساء أعمال، رجال ونساء سياسة. يسافرون في رحلات قصيرة ويعودون منها منهكين، مثلي. لكني لا أشبههم ولا يفوتهم أني غريبة».
لا ينفصل زمن الرواية عما يحدث في العالم: كورونا والانتخابات الأميركية، والوضع في سوريا وفي فلسطين، فيما يشكل الركض الخائف اللاهث على مسرح كورونا المكشوف والبحث عن ملاذات آمنة وطرق بديلة للسفر لطشة النهاية المفتوحة على شتات آخر، حيث يلتقي أبطال الرواية: الأزواج والزوجات والعشيقات، ووجوه أخرى أضافت للكتلة لمسة خاصة بحضورها.
لقد كتبت مي التلمساني المشهد بكل رقته وشجنه في رواية ممتعة، وأفردت لخمسة من أبطالها فصولاً خاصة تحمل أسماءهم عدا «ناهد غانم» زوجة كمال المصري، اكتفت بالتخفي وراءها ليس كقناع وإنما لحماية روح الذات الساردة من عطب الشتات والتبعثر. فـ«الكل يقول أحبك»... كتلة جميلة إنسانياً لكنها لا تخفي عورة المنظر.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.