اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات
TT

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة من مفاصل الزمن في الشتات

اقتناص اللحظات الإنسانية المنفلتة  من مفاصل الزمن في الشتات

عن الشتات والمهجر كوطن بديل أو عابر، وما تتركه هذه الرحلة من ندوب وتشققات في منظومة الحياة الإنسانية، تدور رواية «الكل يقول أحبك» للكاتبة مي التلمساني.
ترصد الرواية الصادرة حديثاً عن دار الشروق، عبر أبطالها الخمسة، تقلبات هذا المناخ، في أقصى لحظاته السارة والمؤلمة، وتعاود صاحبة رواية «هليوبوليس» هوايتها المفضلة في قنص اللحظات الإنسانية الرخوة المنفلتة من مفاصل الزمن، تدير من خلالها لعبتها الروائية حول عالم الهجرة وآثاره المتباينة اجتماعياً ونفسياً وثقافياً على حياة مجموعة من المصريين والعرب المقيمين في كندا.
يبرز الشتات كدلالة مركزية تشكل نواة لهذه الكتلة المبعثرة من البشر، ويلعب دوراً مهماً في إذابة الحدود والفواصل بين الأنا والهوية، كما يشد إيقاع الحكايات المروية عنهم بعين الكاتبة الراوية وعبر ضمير المتكلم الغالب، بما يوفره من إحساس بالتماهي والحميمية بين الأنا الساردة وأنا المسرود عنهم؛ ويصل الشتات إلى ذروته الدرامية حين يترسب في الداخل والخارج معاً، ويصبح بمثابة ضرورة وجود، كما تتعدد صوره في أماكن أخرى لها صلة بواقع الشخوص وهوياتهم وجذورهم تومض في خلفية المشهد والصورة، لنصبح إزاء شتات حروب وكوارث وأوبئة وواقع سياسي طارد، شتات أزمنة تدنو وتبتعد، تتكسر وتلتئم بقوة المصادفة أحياناً، وأحياناً أخرى بمفارقة الذكريات والعواطف الساكنة واستيقاظها المباغت في تداعيات الداخل والخارج، الحاضر والماضي معاً وكأنها العزاء الأخير لحياة متقلبة تقف دائماً على حافة طمأنينة مرتجفة.
يبرز هذا على نحو لافت في مشهد لقاء اثنين من أبطال الرواية؛ كمال المصري وكريم ثابت بالقطار ولأول مرة (ص15) وهو يخبره عن أنباء فيروس كورونا غير المبشرة بالصين وأن أصدقاءنا في الغربة هم عزاؤنا الوحيد. يقول كمال معلقاً على كلام زميله: «ما يقوله هذا الغريب حق. في الغربة نصنع لأنفسنا عائلات موازية من الأصدقاء والمقربين والأحباب، وتتراجع العائلة الكبيرة في خلفية المشهد. حدث هذا لي حين تركت بيت حدائق القبة وجئت إلى مونتريال، ثم حين هاجرت من داخل الهجرة من مونتريال إلى تورونتو، ثم منها إلى وندسور. في كل مرة تتغير علاقتي بفكرة وقيمة الأسرة. وتثقل على نفسي الزيارات الاجتماعية الثنائية. تلك التي يبرع في اختلاقها المتزوجون، وهم يتبارون في إبراز مدى تعلقهم بزوجاتهم وأبنائهم ومدى تماسك أسرهم السعيدة. في غمرة اللهاث والمسابقة على إثبات وتجديد الثقة تتلف الأسرة وتذوي ولا أحد يدري من أين يأتي العطب».
وبحسب الرواية، كمال وكريم مصريان وجاران في المنشأ القاهري وفي العمل بكندا منذ سنوات عديدة، الأول جاوز الستين ويعمل أستاذاً للأدب المقارن بجامعة وندسور، والثاني في الأربعين ويعمل بالجامعة نفسها أستاذاً بقسم الإعلام. وأيضاً زوجتاهما (ناهد ونورهان) مصريتان تعملان مسؤولتين بوزارة الصحة بتورونتو، وهما لاعبتان أساسيتان في الرواية، وكلاهما لديه ولدان. يستقل كمال وكريم القطار نفسه أسبوعياً لنحو أربع ساعات لقضاء العطلة مع الأسرة والأولاد في تورونتو، ولم يلتقيا إلا بمحض المصادفة والضرورة حين أراد كمال أن يبدل مقعدة بمقعد فارغ في الطاولة المجاورة ليتجنب الجلوس في عكس سير القطار الذي يصيبه بالدوار والغثيان. ينفر كمال من لقاء كريم ثانية بالقطار، رغم أنهما يتشابهان في التهام طبق «البامية باللحم والثوم المفروم» وملحقاته الذي تعده زوجتاهما ويكون في انتظارهما بالثلاجة.
مشهد يتكرر بحذافيره في الفصلين الأول والثاني من الرواية وينطوي على دلالة ما، لكنها تظل أبعد من فكرة التشابه في العادات والتقاليد، بل تتعلق بطبيعة العلاقة مع الآخر في الغربة، وأنها تتجاوز أحياناً فكرة التشبه به، وتصبح كأنها ظل له، يجب التحسب منه ومطاردته أحياناً بمنطق الإزاحة أو راحة البال.
في هذه الدوائر القلقة المضطربة تتحرك مسارات الرواية في طبقات سردية تتقاطع وتتجاور صعوداً وهبوطاً في فضاء قماشة روائية تربو على مائتي صفحة... شخوص عارية وواضحة في عواطفها ومشاعرها وانفعالاتها، بعضهم هرب من بلده وهاجر كلاجئ حرب، مثل بسام الحايك، السوري الحلبي الذي شهد مجزرة حماة ومن قبلها كارثة أيلول الأسود. شخوص مثقلة بالمآسي والحزن تفتش عن شغف جديد بالحياة، داخل الكتلة وخارجها. شغف ينفلت من قبضة العادة والمألوف المتكرر يومياً إلى حد السأم والرتابة، سواء في فضاء العائلة أو العمل، أو نمط الحياة. تلهث الذات الساردة وراء هذه اللحظات الرخوة، وتتلصص عليها من ثقوب الماضي والذكريات والأحلام، فهي الأكثر إثارة وحساسة في فضاء الروح والجسد. كما أن الشخوص نفسها تبدو متوترة مشغولة دائماً بلحظة ما، كأنها تقطير لجذرية حياة وزمن فرا من بين أصابعهـم أو سرقهم فجأة، فلا شيء دون هذا العناء يكمل الصورة، ويجعل للذكريات والحنين معنى سواء في الماضي أو الحاضر. لذلك يظل الصراع مشدوداً في الرواية لمحاولة القبض على تلك اللحظة الهاربة، وكأنها طوق الخلاص من وجود وشائك وملتبس، تعيشه الشخوص بحكم الضرورة، بل تستسلم له وتتكيف معه، كنوع من صيانة الذات وتحسين سبل العيش.
يستدعي بسام بروح البطل المنكسر صدى حواراته مع الطبيبة النفسية التي عينتها وزارة الهجرة الكندية لمتابعة حالته كلاجئ حرب، وهي تستحثه على أن يكتب الحرب كيوميات أو مذكرات لمساعدته في العلاج والاندماج في واقعه الجديد (ص166): «ثمانية وثلاثون عاماً على الهجرة وما زلت أفتقد الناس والأماكن، ناس هناك، وأماكن هناك، ليس من ألتقي بهم في الشتات وقد تشوهت أرواحهم مثلي. تأقلموا وصارت لهم عادات هجينة، مثلي. أفتقد روائح السوق القديمة وأصوات الناس في الساحات ودعسة القدم على تراب شوارعنا. أفتقد الأهل من الأموات، أبي وأمي وأخوي علي وحسين. أحتفظ بصورة لأبي وأمي وهما يحملاني بعد مولدي بعدة أشهر، هي كل ما تبقى لدي من أثر».
يشتبك بسام مع معظم الحكايات في الرواية، تجمعه علاقة عاطفية مع نورهان وهي شابة في العشرين قبل أن تتزوج، حيث كان يعمل محرراً في صحيفة كان يمتلكها أبوها، ورغم عاصفة العلاقة ظل يحرص على ألا تعزله عن ابنته وزوجته المريضة، وبعد موتها يتزوج داينا سليمان، مصورة فوتوغرافية سورية، ويعيشان في مدينة أميركية صغيرة على التخوم مع كندا.
تبدو حكايات «الحب المسروق» ابن التشققات البينية، وكأنها أحد أشواط اللعبة الروائية فمعظم الأبطال يقعون فيه بقوة المصادفة والشغف إلى حد الجنون وكأنهم يستعيدون طفولة الروح والجسد معاً، أو على الأقل يمنحونها استراحة مؤقتة من قسوة الغربة والظروف.
تلعب المصادفة دوراً مهماً في تنويع مسارات السرد في الرواية، لكنه يبقى مجرد فعل خاطف، على عكس فعل الهجر، حيث السعي لتأسيس كينونة لحياة بديلة. كما نجد فيها مزيجاً من أدب السيرة الذاتية، حيث تسرّب الكاتبة في طيات السرد ملامح وصوراً بها قدر من التوثيق العفوي للحياة في الغربة؛ روائح البشر وانفعالاتهم وعاداتهم، طرق معيشتهم وطقوسهم التي تنشأ داخل المكان. وفيها طرف من أدب الاعترافات، فالشخصيات تمارس نوعاً من البوح الشفيف، تنكشف في غباره قصصهم العاطفية الخاصة، في قبضة تلك اللحظات الرخوة المسروقة. وثمة خيط شفيف من أدب اليوميات، فالسرد يلاحق حياة مشتتة ومبعثرة، مفتوحة على جغرافيا المكان وشخوص لا تكف عن السفر.
يتجسد هذا على نحو شديد العذوبة جمالياً، حيث ينهض الوصف على التضافر بين المشهد في إيقاعه البصري والسردي، ما يجعلنا أمام كتلة حية تشغي بالحركة ومباغتة الضوء والانكشاف. يبدو هذا جلياً منذ السطور الأولى في الرواية في مشهد القطار وهو واقف بالمحطة مشكلاً كتلة بصرية لافتة، سرعان ما تنحل وتتحول إلى كتلة سردية مباغتة حين يسير القطار ويلتقي كمال وكريم.
وبإيقاع آخر تطالعنا ملامح من جماليات التبعثر وتشظي الكتلة داخل المكان، في المشهد الاستهلالي للفصل الذي يحمل اسم «نورهان عبد الحميد». حيث تتحول عين الساردة إلى كاميرا متخفية ويتراجع ضمير المتكلم قليلاً لصالح ضمير المخاطب: «الخميس السابعة صباحاً، مطار لستر بيرسون بتورونتو. حركة المطار هادئة. يتناثر عدد من المسافرين بين طاولات المقاهي المنتشرة في الساحات والممرات المفضية لبوابات الإقلاع. السترات داكنة، زرقاء أو رمادية، والقمصان بيضاء وزرقاء ولبنية، أربطة العنق أنيقة والإيشاربات باذخة الألوان، الأحذية لامعة، تعلو كعوبها للنساء، وحقائب السفر مصنوعة من الفايبر الفاخر. يدارون التعب تحت الثياب الملساء والابتسامات المقتضبة والخطوات الواثقة. موظفون وموظفات، رجال ونساء أعمال، رجال ونساء سياسة. يسافرون في رحلات قصيرة ويعودون منها منهكين، مثلي. لكني لا أشبههم ولا يفوتهم أني غريبة».
لا ينفصل زمن الرواية عما يحدث في العالم: كورونا والانتخابات الأميركية، والوضع في سوريا وفي فلسطين، فيما يشكل الركض الخائف اللاهث على مسرح كورونا المكشوف والبحث عن ملاذات آمنة وطرق بديلة للسفر لطشة النهاية المفتوحة على شتات آخر، حيث يلتقي أبطال الرواية: الأزواج والزوجات والعشيقات، ووجوه أخرى أضافت للكتلة لمسة خاصة بحضورها.
لقد كتبت مي التلمساني المشهد بكل رقته وشجنه في رواية ممتعة، وأفردت لخمسة من أبطالها فصولاً خاصة تحمل أسماءهم عدا «ناهد غانم» زوجة كمال المصري، اكتفت بالتخفي وراءها ليس كقناع وإنما لحماية روح الذات الساردة من عطب الشتات والتبعثر. فـ«الكل يقول أحبك»... كتلة جميلة إنسانياً لكنها لا تخفي عورة المنظر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.