أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
TT

أحوال الرواية وتقنيات الشكل الروائي وأدب الاعتراف

من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)
من إحدى جلسات المؤتمر («الشرق الأوسط»)

تواصلت فعاليات مؤتمر الرواية العربية السادس في يومه الثاني عبر جلسات ناقشت محاور المؤتمر الرئيسية، وموائد مستديرة حول فن الرواية، وعبر شهادات الروائيين العرب أيضا، التي تناولت تجاربهم وهمومهم.
وتواصل «الشرق الأوسط» استعراض عدد من المشاركات والأوراق البحثية للمؤتمر التي تركزت حول الرواية والخصوصية الثقافية: إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، الرواية وحدود النوع، وتقنيات الشكل الروائي في مصر والجزائر، وأدب الاعتراف كظاهرة.
وقد تطرق الروائي السعودي يحيى أمقاسم إلى قضية «الرواية والخصوصية الثقافية»، مشيرا إلى أن الكتابة الروائية العربية المعاصرة تشهد انفجارا في المنتج وتنوعا في اتجاهات الكتابة، وتنوعا في الموضوعات الروائية المعبرة عن الهويات الفرعية لأقاليم الوطن العربي الثقافية أيضا»، لافتا إلى أن هذه الهويات «هي التي تتضمن الكشف عن ملامح الهويات الفرعية في أبعادها المتنوعة، التي منها: الموروث الشعبي، والمعتقد الفكري وأشكال حضوره في السلوك البشري، والأشكال المادية للحياة (طرائق التعايش، فنون الطعام، والأزياء.. إلخ)، ودور المرأة والرجل، وطريقة النظرة إليهما».
وطرحت الأديبة السورية د. شهلا العجيلي، إشكالية الهجنة في المعمار الروائي العربي، موضحة أنها تعود إلى بواكير تشكل فن الرواية في البنية الاجتماعية الثقافية العربية، وذلك منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقالت: «يعد الصراع بين التأصيليين والتغريبيين أهم العوامل الثقافية التي أنتجت معمارا روائيا قلقا أو مهزوزا، إذ ظهر نتيجة أنصاف المواقف الثقافية، معمار روائي محير في تصنيفه، يستعير من شكل المرويات التراثية، مثلما يستعير من شكل الرواية الأوروبية التي كانت واحدا من المؤثرات التي أحدثت صدمة الحداثة».
ولفتت إلى أن «قلة من الروائيين حسموا موقفهم مع تلك الهجنة طيلة نصف قرن تقريبا، لقد ارتبط بهذا الشكل الهجين في معماره الروائي، تهجين في اللغات، والرؤى، على طريقة باختين، لكن هذه الهجنة الفكرية لم تخرج على رؤى ثلاث: التأصيلية، والتغريبية، والتوفيقية. لكن الشكل القلق للمعمار الروائي انتهى مع إجهاض مشروع النهضة لصالح مشروع الحداثة، التي دمغت ببصمتها مناحي الحياة المصرية، فالشامية، وهذا ما عالجته طلائع الروايات، مثل (وي، إذن لست بإفرنجي) لخليل الخوري، و(حديث عيسى بن هشام) للمويلحي، و(حسن العواقب أو غادة الزهراء) لزينب فواز».
وأوضحت: «لقد أقر الاستسلام لمشروع الحداثة شكل الرواية الأوروبية الحديثة، متعددة المشارب، الفرنسية، والإنجليزية، والروسية، ورسخ هذا الشكل بين الحربين العالميتين، وصار معترفا به ثقافيا للكتابة، ينافس الشعر، لأنه بات يمثل المجتمعات العربية البورجوازية الناشئة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تلك التي كشفت مشربا آخر للرواية، وهو الرواية الأميركية. وظلت الهجنة مرافقة لكل من سيرورة الكتابة الروائية العربية، ونقدها، لكنها خضعت لتفسيرات مختلفة منذ نكسة 1967، على مستوى الإبداع، ومنذ شيوع نظرية ما بعد الاستعمار على صعيد النقد، وخرجت تلك الهجنة عن الرؤى التصنيفية التي كبلتها بين تأصيل، وتغريب، وتوفيق».
وحول السرد وتجاوز حدود النوع، تطرق الشاعر والناقد يوسف نوفل، إلى انعكاس سمات كل عصر على فنونه؛ حيث تأثر السرد بـ«عصر الآيديولوجيا» في القرن التاسع عشر، وعصر «الذرة»، وثورة المعلومات والاتصال في القرن العشرين، وتقارب الفنون، كل ذلك أدى لتفتيت السرد وتحليله كما يفتت العلم الذرات إلى عوالم صغيرة: بناء، وشكل، وأنماط بشرية، ومواقف، وأحداث، ولغة ومفردات. وإلى التجريب، ومجافاة العقل والمنطق، ونبذ كل ما هو متفق عليه، والجمع بين المتناقضات، واهتزاز ما هو مقدس ومن المثل العليا، وتحول الزمن من ميكانيكيته المحكومة بعقارب الساعة إلى زمن ذاتي.
وقال: «استوعب السرد تلك التغيرات لتحتل الأفكار منزلة أكبر من الأشخاص، ولتتقارب المواقف التي تقوم عليها نظرية الأنواع الأدبية من الموقف: الغنائي، والملحمي، والدرامي»، مؤكدا: «لم يعد النوع الأدبي أسير تلك الصرامة والصفاء النوعي. بل التفرقة بين أشكال النوع الفني الواحد، حتى كان أثر نظرية (روح العصر) مع نظرية التطور، وآراء بندتو كروتشه. ومن هنا، عبر السرد من درجة (الصفاء والصرامة النوعية) إلى (إلغاء الحدود)، ثم (الموازاة الفنية)، وفيها مرونة التداخل، والامتزاج، وتطور النظرة إلى الحدود الفاصلة مع الاتساع الهائل في حجم الجمهور المتلقي ونوعياته ورغباته، وولادة أنواع، واستحداث أخرى أو تطويرها، وهكذا وجدنا (الوصل بين الجنسين)، و(الكتابة عبر النوعية)». ويتابع: «وبفضل انتشار ثقافة الصورة، ليقوم التصنيف النوعي على أساس التمازج، والتراسل، والتقارب، لا على أساس الإلغاء والمحو وإذابة الحدود».
ولفتت آمال الديب، إلى ظاهرة جديدة هي «أدب الاعتراف» على حد وصفها لانتشار «السيرة الروائية»، مطالبة بضرورة دراستها، قائلة: «مصطلح أدب الاعتراف يحرر الكاتب من وطأة مسؤوليته الأخلاقية في مجتمعنا الذي ما زال منغلقا على ما يجب وما ينبغي، وكيف تتحول الحياة المعيشة إلى مادة للحكي!». وتتابع: «على الرغم من أن أدب الاعتراف في الغرب هو أيضا مادة قابلة للحكي عن شخص الكاتب أو أحداثه، فإنه يستطيع أن يعترف بشكل غير مباشر، أو بخلط الواقع مع الخيال مع التجريب ناسجا عمله بمهارة، لذا نحن في حاجة إلى تعميق هذا الخيط الرفيع والاعتناء بدراسة ذلك الحقل البكر – ما زال – من حقول الرواية عربيا ومحليا».
وحول تطور الرواية في مصر، قالت الروائية د. إقبال بركة، ارتبطت بدايات الرواية المصرية بالمقاومة العربية للمظاهر الاجتماعية الغربية التي واكبت الاحتلال البريطاني في بداية القرن العشرين، واكتشف جيل الكتاب الصاعد في ذلك الوقت إمكانية استخدام العمل الروائي كوسيلة للتوعية إلى جانب المنشورات والمقالات والخطب التي لعبت دورا كبيرا في إذكاء الروح الوطنية. وعلى يدي ذلك الجيل تطورت الرواية من وسيلة للتوعية إلى عمل أدبي وطني. وضربت أمثلة، منها: «حديث عيسى بن هشام» للكاتب المصري محمد المويلحي، ورواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وكتاب «الأيام» للدكتور طه حسين، ورواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي.
بينما يقول الناقد د. إبراهيم فتحي: «بدأت الرواية المصرية داخل الأوساط البرجوازية في القرن التاسع عشر، وكانت تتحرك داخل حبكات استطرادية، وتحتفي بالراهن والجزئي والعمليات النفسية حتى في انحطاطها، وتقنية تصوير الطباع والعادات في الـ(هنا) و(الآن) والوصف الممتد للمكان. وكانت أقرب إلى نزعة طبيعية بعيدة عن الواقعية، وفي الستينات، أعيد النظر في التقنيات وكثر وصف الواقعية بالتقليدية، ورأى الروائي الواقع بعينيه لا بعيني الآيديولوجية الرسمية، ولجأ إلى تقنية تصلح ممرا إلى الحداثة إلى تيار الشعور وعكس اتجاه الزمن والتوازي الأسطوري».
ويضيف: «في حقبة السبعينات والثمانينات، مثلت الأفعال والأحداث أنماطا أولية متصلة بشعائر الميلاد والوفاة ودوريات الحياة والخصوبة والتجدد أو الاضمحلال عند يوسف أبو رية ومحسن يونس. وجاء صهر تقنيات تراثية وحداثية (جمال الغيطاني)، أو صهر تقنيات واقعية وحداثية (أصلان، والبساطي، وخصوصا بهاء طاهر). وقد ظلت الرواية المصرية متنفسا لتقنيات متعددة حتى الرومانسية عند إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وأمين يوسف غراب».
وأشار فتحي، إلى أن «بشائر الحداثة ظهرت باعتبارها عناصر انقلابية داخل التقليد الواقعي في اللص والكلاب لمحفوظ، والرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم. وتحققت قطيعة حاسمة مع التقنية الواقعية عند صنع الله إبراهيم، فهو يكسر عامدا قواعد المنظور وتراتب أهمية الثيمات والأحداث. وتألقت الحداثة عند إدوار الخراط».
ويتوقف فتحي عند حقبة التسعينات، مشيرا إلى أن «التاريخ فيها كان قائما على أوهام الذاكرة والوجود متاهة عند مصطفى ذكري ومنتصر القفاش، وحدث التصدي لمسائل فلسفية روائية عندهما وعند منصورة عز الدين. وتعتمد ميرال الطحاوي على شعرية الأداء في إزالة الحواجز بين الحلم والصحو، والأسطورة والتاريخ، والخيال والذاكرة التسجيلية. وفي العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين اتسمت التقنية بالتشظي والتجريد أو الفانتازيا والعدمية، وتصدير التساؤل حول علاقتها بمسائل التدين أو الواقع الافتراضي أو التاريخ أو اللغة عند إبراهيم عبد المجيد، وعز الدين شكري، وأمينة زيدان، وهالة البدري، ثم عند طارق إبراهيم، وأحمد عبد اللطيف، ومحمد علاء الدين على نحو مزعج للثوابت».
أما عن الرواية الجزائرية، فألقى سمير قسيمي الضوء على «الغرائبية» كثيمة واضحة في روايات الجيل الثالث في الجزائر، سيما الروايات الصادرة بعيد عام 2009، وأهمها بحسبه روايات: «وصية المعتوه» لإسماعيل يبرير، «في رواية أخرى» لعلاوة حاجي، و«حروف الضباب» للخير شوار، و«مملكة الزيوان» وللحاج أحمد الصديق الزيواني. قائلا: «تحمل الرواية الجزائرية – الجيل الثالث – هواجس سردية مختلفة عن تلك التي ميزت جيل التأسيس والجيل الذي يليه. وبالتالي، فهي تخوض في مواضيع لم تعرفها الرواية الجزائرية من قبل، ويكتب وفق تقنيات يبدو أن انفتاح الروائي الجزائري على التجارب العالمية الأخرى ساهم في ترسيخها. كما لعب الواقع الجزائري، سيما في الفترة اللاحقة لما عرف في الجزائر بالعشرية السوداء، دورا في التمكين لرواية الجيل الثالث التي تتشارك في عمومها أسئلة تتعلق بشكل واضح بالوجود، من دون أن ترقى لتكون أسئلة وجودية»، مضيفا: «هناك انفصال واضح يريده الجيل الثالث عن هذا الواقع، بعد أن فشلت مواجهته سرديا عبر كتابات التسعينات التي وصفها الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار بـ(الروايات المستعجلة)، ووصفها نقاد آخرون أنها مثلت أسوأ صور الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية منذ نهاية السبعينات».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.