اتساع الفجوة بين الفقراء و«أثرياء الحرب» في مناطق الحكومة السورية

«الشرق الأوسط» ترصد معاناة الناس في شوارع دمشق

شارع للتسوق في دمشق القديمة أحد أحياء العاصمة السورية (إ.ب.أ)
شارع للتسوق في دمشق القديمة أحد أحياء العاصمة السورية (إ.ب.أ)
TT

اتساع الفجوة بين الفقراء و«أثرياء الحرب» في مناطق الحكومة السورية

شارع للتسوق في دمشق القديمة أحد أحياء العاصمة السورية (إ.ب.أ)
شارع للتسوق في دمشق القديمة أحد أحياء العاصمة السورية (إ.ب.أ)

يزداد عمق الفجوة بين الأثرياء في مناطق سيطرة الحكومة السورية والذين باتوا قلة قليلة، والفقراء الذين أصبحوا يشكّلون الأغلبية العظمى من السكان مع اختفاء «الطبقة الوسطى»، في مشهد واضح لأي شخص يعيش في العاصمة دمشق أو زائر.
المتجول هذه الأيام في الكثير من الأحياء الدمشقية وشوارع وأسواقها، يلاحظ دون أي عناء لطخة «الاصفرار» على وجوه أغلبية المارة وهزالة أجسادهم، فيما البعض منهم بالكاد يقوى على السير رغم أنهم من ذوي الأعمار المتوسطة أو من فئة الشباب والشابات، وذلك بسبب تراجع وضعهم الصحي والذي من أبرز أسبابه نقص التغذية.
ويقول شاب في العقد الثالث من العمر ويعمل موظفاً في شركة خاصة، لـ«الشرق الأوسط» عن نقص متسارع في وزنه خلال قصيرة، ويقول، «من 3 – 4 أشهر نقص وزني نحو 12 كلم والسبب بصراحة هو قلة الأكل»، ويضيف: «لا نطبخ، لأن أقل طبخة تكلف 10 – 15 ألف ليرة، والساندويتش كله غالي. الفلافل بـ1500 والشاروما بـ3000. وساندويتشة البطاط أو البيض بـ2500، والراتب كله 100 ألف، وإذا الواحد بدّو يشتري 3 ساندويتشات فلافل باليوم ويعيش على ذلك طوال الشهر الراتب ما بيكفي، ومعظم الناس مثلي تقضي اليوم على وجبة واحدة».
«والله الموت أفضل من هالعيشة»، عبارة بات يرددها الكثيرون من سكان دمشق عند حديثهم عن غلاء المعيشة وصعوبتها، وتقول لـ«الشرق الأوسط» عجوز في الخمسين من العمر، «كنا نُسكت الأولاد بخبز وشاي والكبار تصبر على الجوع، اليوم حتى رغيف الخبز صار على الناس بالويل وبالحسرة»، في إشارة إلى تخفيض الحكومة حصة العائلة اليومية من كمية الخبز ورفعها ثمن الربطة الواحدة (7 أرغفة) إلى 200 ليرة سورية بعدما كانت بـ100، وتجاوز ثمنها في السوق السوداء 1000 ووصوله أحياناً إلى 1300.
وتضيف العجوز: «الراتب 60 ألفاً. شو نعمل فيه؟ حق (ثمن) خبز دوبوا (بالكاد) يكفي، والكبار والصغار صاروا جلدة وعظمة، والوجوه صفرة صفرة ما فيها نقطة حمار، والكل صار يدوخ ويقع أحياناً. لا بنشرب حليب ولا بناكل بيض وبالمناسبات لمّا (عندما) يتحسن علينا البعض نشتري شوية (قليلاً) برغل أو رز وشوية خضره. يلعن أبو هالعيشة».
وتؤكد سيدة أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن العائلات التي تعيش في مناطق سيطرة الحكومة ولديها أولاد لاجئون في أوروبا كانت «مستورة بمائة أو مائتي دولار يرسلها أولادها لها في الشهر، ولكن اليوم في ظل هذا الغلاء، ولا حتى 400 دولار تكفي العائلة في الشهر»، وتلفت إلى أن «إيجار شقة متواضعة بأطراف العاصمة أصبح نصف مليون ليرة بالشهر، وإذا إيجانا (زارنا) ضيف بعيد وجبة الغداء بتكلف أكثر من 100 ألف، وعلى هذه الحال العائلة بدّها مليون ونص بالشهر».
وعلى حين يلجأ الناس إلى الشوارع والحدائق العامة للتخفيف عن أنفسهم من حدة موجة الحر العاتية التي تضرب البلاد منذ بداية فصل الصيف، في ظل استمرار انعدام التيار الكهربائي لتشغيل المراوح والمكيفات، تشاهد المطاعم والملاهي الليلية في الأحياء الراقية وسط العاصمة وهي ممتلئة بالزبائن ويصعب وجود طاولة فارغة، وذلك وسط إضاءة مكثفة تبهر الأبصار وتكييف مستمر باستخدام المولدات الكهربائية العاملة على البنزين أو المازوت.
عامل في أحد تلك المطاعم، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يتكرر «بشكل شبه يومي»، ويضيف: «فاتورة الطاولة تصل ما بين 400 و500 ألف ليرة وبعضها يتجاوز 700 ألف وربما يصل إلى مليون ويدفعون». ويوضح أن «كثيراً من الزبائن واضح أنهم لا يتعبون بالحصول على المصاري (المال) وأثروا من التعفيش والنهب والتشليح والسرقة خلال الحرب وراكموا ثروات كبيرة، وبعضهم من أغنياء البلاد القدامى».
وبينما يتخبط أغلبية الناس في دمشق بالجوع ويكافحون للحصول على لقمة العيش ويتمنون الحصول على كأس ماء بارد أو قطعة من الثلج الذي تشهد أماكن بيعه طوابير للحصول عليه بسبب انقطاع الكهرباء اللازمة لصناعته، تؤكد مصادر أهلية في المنطقة الساحلية غرب البلاد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحجوزات في الفنادق والشاليهات هناك «مغلقة لمدة شهرين قادمين»، وهي «من قبل سوريين!»، رغم وصول أسعار الحجز إلى أرقام مرتفعة جداً لا تصدَّق، إذ يصل سعر حجز غرفة لليلة في فندق إلى «400 ألف (ليرة)، فما بالك بسعر حجز شاليه لمدة أسبوع أو عشرة أيام؟».
وقبل سنوات الحرب العشر، لم تكن غالبية السوريين من الأثرياء، لكن البلاد اتسمت بوجود «طبقة وسطى» واسعة، تتمتع بمستوى معيشة مريح نسبياً، ومع هذا، تسببت إجراءات تحرير الاقتصاد، التي بدأت في تسعينات القرن الماضي، في اتساع الفجوة بين الأثرياء والفقراء. وتراجعت الخدمات، وكذلك الدعم الذي تقدمه الدولة لأسعار المواد الأساسية، لا سيما أسعار الوقود، كما تقلصت أموال الدعم الموجهة للمزارعين، الذين شكّلوا في وقت مضى فئة موالية للنظام يمكن الوثوق بها، أو على الأقل أكثر فئات المجتمع هدوءاً.
وخلال سنوات الحرب راحت أعداد «الطبقة الوسطى» تتراجع تدريجياً وصولاً إلى انعدامها حالياً وانضمامها إلى طبقة الفقراء المعدمين مادياً بسبب الغلاء وتراجع مداخيل العائلات الشهرية، على حين ظهرت طبقة جديدة نسبتها قليلة جداً وأطلق عليها «أثرياء الحرب» ومعظم أفرادها من قادة الميليشيات المسلحة الموالية للنظام ومن المقربين منه، وقد راكم أفرادها ثروات كبيرة من التعفيش والنهب والتشليح والسرقة والفساد.
وذكر «مركز السياسات وبحوث العمليات» السوري الخاص في يونيو (حزيران) الماضي، في دراسة استقصائية حول الحياة اليومية للسكان في 3 أحياء من مدينة دمشق، أن 94% من عائلات المستجيبين للدراسة تعيش تحت خط الفقر الدولي الذي يقدر بـ1.9 دولار يومياً للفرد الواحد.
وتزداد مشكلة الجوع في مناطق سيطرة الحكومة مع تواصل فقدان مداخيل العائلات الشهرية جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب الانهيار القياسي لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الذي يسجل حالياً أكثر من 3200 ليرة، بعدما كان بين 45 و50 ليرة في عام 2010.
وباتت أغلبية المواطنين في مناطق سيطرة الحكومة تعيش أوضاعاً معيشية مزرية للغاية بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، خصوصاً المواد الغذائية، حيث ارتفعت أكثر من 50 مرة، بينما لا يتعدى متوسط الراتب الشهري لموظفي القطاع العام 25 دولاراً، ولموظفي القطاع الخاص 50 دولاراً، بعدما كان راتب الموظف الحكومي قبل سنوات الحرب نحو 600 دولار.



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.