رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد المالك أكد لـ«الشرق الأوسط» أن الصحافة عمل استثماري ومنتج ربحي لا يشترط أن ينطق باسم الدولة ومؤسساتها

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
TT

رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية: الرقابة ضرورة في زمن ثورة الاتصالات

خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية
خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية

يعد خالد بن حمد المالك رئيس تحرير صحيفة «الجزيرة» السعودية، من قدامى رؤساء التحرير في بلاده، حيث بدأ عمله رئيسا للتحرير منذ 45 عاما، وارتبط اسمه بنجاح صحيفته وعصرها الذهبي خلال مرحلتي رئاسته لتحريرها، حيث ترك كرسي رئاسة تحرير الجريدة مجبرا لمدة 14 عاما، ليعود إليها مجددا قبل 15 عاما، ويقود الجريدة إلى آفاق من النجاح والمنافسة القوية محليا، وتمكن المالك مع كوكبة من العاملين في مؤسسة «الجزيرة» الصحافية التي تصدر عنها الجريدة في إدارة الصحيفة بمواصفات مؤسساتية حقيقية جعلت الصحيفة تحقق السبق والتميز، بامتلاكها أقدم موقع إلكتروني، وأرشيف إلكتروني، يغطي الجريدة من أول صدورها قبل نصف قرن إلى اليوم، إضافة إلى امتلاكها باقات ومنتجات تقنية متعددة، وتسجيلها أنها أول من امتلك مقرا ومطبعة بين المؤسسات الصحافية المحلية، وتخريجها كوادر صحافية أصبح البعض منهم فيما بعد رؤساء تحرير، وآخرين تبوأوا مناصب قيادية في صحف أخرى داخل السعودية وخارجها.
«الشرق الأوسط» حاورت خالد المالك وخرجت بهذه الحصيلة من المعلومات.

* ماذا بقي في ذاكرتك عن صحافة الأفراد، وهل المقارنة بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات عادلة بتفضيل الأولى على الثانية من ناحية الجرأة والمحتوى؟
- صحافة الأفراد لا يمكن أن تغيب عن الذهن، فهي بروادها ورموزها ومؤسسيها، وبالدور الطليعي الذي قامت به وتصدت له، إنما هي جزء من تاريخنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والصحافي، مثلما كانت هي الصوت والمنبر ولسان حال شعب المملكة منذ بدء توحيدها على يد الملك عبد العزيز وإلى أن تم إيقافها بعد صدور نظام المؤسسات الصحافية.
ومقارنتها بصحافة المؤسسات مقارنة غير عادلة في كل شيء، إذ إنها تميل لصالح صحافة اليوم من حيث الإمكانات البشرية والفنية والمالية، بما في ذلك المحتوى، وما يتصل بالتقنية وثورة الاتصالات التي استفادت منها المؤسسات الصحافية، فقد كان ما يُسمى بصحافة الأفراد فقيرة في مواردها المالية، محدودة الإمكانات فنيا، ضعيفة تسويقيا، هي إلى الصحافة الأدبية المتخصصة أقرب منها إلى مفهوم الصحافة الحديثة، ومع هذا يسجل لأصحابها اقتحامهم لهذا الميدان مبكرا، وتفانيهم في إصدارها بقوالب مهنية تستجيب لتلك المرحلة من التاريخ، وتعبر عن ذائقة فنية وصحافية تلبي بها رغبات قرائها، حيث الأشعار والمقالات الأدبية والاهتمام بالثقافة، مع مساحة مقبولة من الحرية بما كانت تنشره من مقالات لكبار كتابها، لكنها لا تُقارن بالتأكيد بصحافة اليوم من حيث الإمكانات الكبيرة التي تخدم عملها وتساعد على تنوع ما يُنشر فيها، مع تمتعها هي الأخرى بمساحة معقولة من الجرأة في بعض ما يُنشر فيها.
* العاصمة السعودية يوجد بها جريدتان محليتان تتنافسان منذ عقود، هما «الجزيرة» و«الرياض»، فهل تحتاج المدينة التي تحتضن أكثر من 6 ملايين نسمة إلى أكثر من هاتين الجريدتين؟
- ربما كان هذا ضرورة حين صدرت هاتان الصحيفتان قبل نصف قرن، أما الآن فلا أعتقد، فالصحافة الورقية في العالم تعاني من مزاحمة ما يُسمى بالإعلام الجديد، وهناك صحف بالمملكة تأثرت كثيرا من منافسة الصحف الإلكترونية لها، ولا يزال الغموض يحيط بمستقبل الصحافة الورقية، ولهذا فإنَّ المجازفة بإصدار صحف ورقية جديدة سوف يكون هدرا للمال، دون أن يكتب لأي صحيفة ورقية جديدة النجاح، بدليل ما تعانيه الصحف التي صدرت أخيرا من شح في الإعلانات وفي الموارد المالية الأخرى، مع أنها تقدم عملا صحافيا جيدا، بل إن بعض الصحف القديمة بدأت هي الأخرى في التراجع إعلانيا، وتقلصت أرباحها عن ذي قبل، مما يعني أن الحاجة لم تعد قائمة لإصدار صحف ورقية جديدة.
* هناك عهدان لك مع رئاسة تحرير جريدة «الجزيرة» (العهد المالكي الأول، والعهد المالكي الثاني)، أيهما تراه عصرك وعصر «الجزيرة» الذهبي؟
- يفترض أن يوجه هذا السؤال لغيري، لكني لا أجد حرجا في الإجابة عليه، فـ«الجزيرة» في فترتي الأولى كما هي في الفترة الثانية بقيت دائما في الصف الأول من حيث المستوى والانتشار والأرباح وحجم الجهاز الصحافي والتأثير في المجتمع، وما كان هذا ليتحقق لولا دعم مجلس إدارة المؤسسة ومساعدة المدير العام وتعاون الزملاء من قيادات صحافية وإدارية وزملاء صحافيين وفنيين كثر بالمؤسسة.
* هل ما زلت مسكونا بهاجس إقالتك من كرسي رئاسة تحرير صحيفة «الجزيرة» قبل سنوات في حدث معروف للجميع، وهل ما زال الظرف الذي تسبب في هذه الإقالة ملازما لك ومؤثرا على عطائك وفضاء التحرك والرقيب في داخلك؟
- لم يبق من تلك الإقالة إلا الدروس التي تعلمتها والذكريات التي لن أنساها، وما عدا ذلك فأنا أمارس عملي وأتعامل معه كما كنت أفعل من قبل، أجتهد في أخذ القرار المناسب وبالشجاعة ذاتها والثقة والإيمان التي كنت وما زلت أحتمي بها في أسلوب عملي، بمعنى أن غيابي عن صحيفة «الجزيرة» أكثر من 14 عاما ثم عودتي لها منذ 15 عاما لم يغير من عطائي، ولا أشعر بما سميته في سؤالك تحرك الرقيب في داخلي إلا بمقدار ما يخدم صحيفة «الجزيرة» ويرضي ضميري وخدمة وطني.
* هل أنت راضٍ عن الأرقام التي تعلنونها يوميا عن إجمالي المطبوعات لأعداد الجريدة وصافي المبيعات والاشتراكات والنسخ المرتجعة؟
- أنا راضٍ كل الرضا عنها، فهي أرقام موثقة وتعلنها شركة محايدة وهي الشركة الوطنية للتوزيع التي تملكها المؤسسات الصحافية، لأنها تظهر مصداقية «الجزيرة» وشفافيتها بإعلان أرقام توزيعها يوميا دون بقية الصحف ولأول مرة في المملكة حيث يبلغ ما يطبع منها أكثر من 150 ألف نسخة يوميا، لكني أتطلع مع هذا الرقم الكبير أن نتمكن في المستقبل القريب من زيادة حجم المطبوع من الصحيفة لتلبية الطلب عليها.
* خضتم قبل سنوات معارك مع جارتكم «الرياض» وحصلت مناكفة بينكم وبين رئيس تحريرها تركي السديري حول حضور الجريدتين في البلاد وترتيبهما في الانتشار، وهي معارك غير معهودة من قبل، هل ترى أن هناك وجاهة لقيام مثل هذه المعارك؟
- السوق تتسع لـ«الجزيرة» و«الرياض» ولباقي الصحف السعودية والوافدة، فهناك قارئ وهناك معلن وهناك كاتب وكل من هؤلاء يختار صحيفته المفضَّلة، ولا قيمة أو تأثير لأي معارك من هذا النوع تقوم بين المسؤولين في الصحف في تغيير مسار وجهات نظر هؤلاء، لكن الإنسان يكون أحيانا في موقع الدفاع عن صحيفته حين يأتي من يجادل أو يسيء إليها فيخوض مضطرا معارك لا يؤمن بها، وبالتالي فأنا أنصح الصحافيين الشباب باعتبار أي معارك كتلك التي أشرت إليها في سؤالك إنما هي توجه لا يخدم العمل الصحافي ولا يضيف له أي قيمة يعتد بها، فالتعايش والتعاون وترك الحكم للقارئ في مستوى واختيار أي صحيفة هو الأسلوب الأمثل للمنافسة الشريفة.
* هيئة الصحافيين التي كنت نائبا لرئيس مجلس إدارتها لدورتين، هناك إجماع بأنها ولدت ميتة، وهذا الرأي لم يأت من فراغ.. أين يكمن الخلل في الهيئة وكيف لمست أداءها؟
- هذا كلام صحيح وواقعي، وأنا شريك في المسؤولية عن هذا الانطباع خلال مرحلة التأسيس وفي الدورتين اللتين كنت فيهما نائبا لرئيس مجلس الإدارة، ولهذا لا أملك إلا الاعتذار للزملاء لأننا لم نحقق شيئا يستجيب لتطلعاتهم، وبنظري فإنَّ الخلل يكمن في عدم تفرغ القائمين على الهيئة، وبالتالي ضعف الاهتمام بها، مع أن تنشيطها لا يتطلب إلا جزءا من أوقات أعضاء مجلس الإدارة، لو صاحبه حماس وسماع لوجهات نظر الصحافيين، كما أنني لا أعفي أعضاء الجمعية العمومية من المسؤولية، فالزملاء لم يقدّموا مقترحات تساعد المجلس على تبني الجيد منها.
* كرئيس تحرير لصحيفة ورقية، هل تراهن على صمود مثل هذا النوع من الصحافة أمام الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي؟
- لا أحد يراهن على المستقبل، فهذا في علم الغيب، ولكن في ظل المعطيات يمكن القول إن الصحافة الورقية ستبقى صامدة ما بقيت مساحات الإعلان فيها كما هي الآن، مستمرة طالما ظلت الصحافة الإلكترونية فقيرة إعلانيا، أراهن على استمرار الصحافة الورقية إذا ما استمرت الصحافة غير الورقية تعتمد على الاجتهادات والعمل الفردي غير المؤسساتي، وكذلك إذا ما استمر محتواها ضعيفا مقابل المحتوى الجيد في الصحافة الورقية، ومع هذا فإنَّ فرصة التعايش بينهما يمكن أن تستمر لسنوات قادمة وإلى أن يتغيّر الحال عمَّا هو عليه الآن.
* لماذا أغلب رؤساء التحرير لدينا في السعودية يعمرون في هذه المناصب؟
- إذا ما استثنينا 3 من رؤساء التحرير في 3 صحف، فإنَّ التدوير بين رؤساء التحرير في بقية الصحف هو السائد، بل وللحقيقة فإنَّ الصحف التي أمضى رؤساء تحريرها سنوات طويلة هي الصحف الأكثر نجاحا في الانتشار والإعلان وحجم الأرباح، وهي بميزانياتها الضخمة وعدد الصحافيين الكثر فيها هو ما جعلها تتمتع بهذا الوضع الصحافي المتميز ويبقى رؤساء تحريرها على رأس العمل كل هذا المدة الطويلة، ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن المؤسسات الصحافية مؤسسات أهلية غير حكومية وإبقاء رؤساء التحرير أو الاستغناء عنهم تحكمه أسباب وقناعات تملك مجالس الإدارة والجمعيات العمومية بالمؤسسات الصحافية بناء عليها الإبقاء عليهم أو التفاهم على الاستغناء عنهم، ولو لم يكن أداء القدماء من رؤساء التحرير مرضيا ومنتجا لما بقوا كل هذه المدة الطويلة التي أشرت إليها في سؤالك.
* الدول المتقدمة لا يوجد بها حقيبة وزارية للإعلام، فهل تؤيد بقاء وزارات الإعلام في الدول العربية ودول العالم الثالث، أم ترى أن هناك ضرورة لإلغائها؟
- حتى الآن لا أجد أمامي مبررات مقنعة لإلغائها، وربما كان بقاؤها أفضل من إلغائها، على أن يواكب استمرارها تفعيل دورها في تطوير وسائل الإعلام وخدمة الإعلاميين، ضمن مواكبة وتفاعل ومتابعة للمستجدات والمتغيرات في مجال الإعلام، مع ملاحظة أن التشكيل الوزاري وعدد الحقائب الوزارية وتخصصاتها تختلف من دولة لأخرى ولا يقتصر ذلك على وزارات الإعلام فقط.
* أيهما أصعب عليك كرئيس تحرير (الرقابة الذاتية) أم الرقابة (الرسمية)، وهل يحتاج الواقع اليوم أمام ثورة الاتصالات والمعلومات المتوافرة بسهولة إلى رقابة؟
- لم أجرِّب الرقابة الرسمية بتفاصيلها ومتطلباتها منذ بدء عملي رئيسا للتحرير قبل 45 عاما، وبالتالي لا أملك ما أجيب به عن سؤالك، لكني أستطيع القول إن الرقابة الذاتية التي مارست فيها دور الرقيب كرئيس للتحرير كانت ولا تزال تعتمد على الخبرة والشعور بالمسؤولية، والبعد عن كل ما يشوه رسالة الصحيفة باجتهادات تصيب أحيانا وتخطئ أحيانا أخرى، وأعتقد أنه مع ثورة الاتصالات تكون وسائل الإعلام وبينها الصحف أكثر حاجة إلى مراجعة وتدقيق ما ينشر فيها، والتأكد من أنها تلتزم بأخلاقيات المهنة والسمو بالكلمة، حتى تحتفظ الصحيفة باحترام القراء لها وتحافظ على مصداقيتها، ومن دون أن تتخلى عن دورها ومسؤولياتها التي صدرت الصحيفة من أجلها.
* دخلت عالم التأليف وأنت رئيس تحرير في عهدك الثاني أيهما أصعب عالم التأليف أم رئاسة التحرير، وهل ثمة عامل مشترك يجمع بينهما؟
- التأليف كما العمل الصحافي مسارهما واحد، الفرق بينهما أن رئاسة التحرير تجعلك مسؤولا عن كل ما ينشر في الصحيفة لغيرك، في حين أن الكتاب هو بقلمك وجهدك الشخصي دون مشاركة فيه من آخرين، ولكل منهما خاصيته في الجهد والعمل، وكلاهما يمكن أن يوصف بالصعب إذا ما أراد رئيس التحرير (المؤلف) أن يرضي ضميره ويقدّم عملا يقتنع به ويقنع به غيره، والعامل المشترك بين أن تكون رئيسا للتحرير أو مؤلفا أو تجمع بينهما أنك تتعامل مع ثقافة وفكر وصحافة وتقدّم نفسك لقرائك بما يتحدث به كتابك أو صحيفتك.
* هل يُفترض أن تكون الصحافة في بلادنا ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، ومعبرة عن آلام وآمال مواطنيها، أم أنها منتج إعلامي ربحي؟
- لا يُفترض بالصحافة غير الحكومية، كالصحف السعودية، أن تكون ناطقة باسم الدولة ومؤسساتها، وهي كذلك بالنسبة للمملكة؛ إذ إن الناطق باسمها هي وسائل إعلامها الحكومية. أما أنها معبرة عن آلام وآمال المواطنين فهذا جزءٌ من رسالتها؛ وينبغي أن تقوم بذلك. وهذا لا يلغي أن الصحافة غير الحكومية عمل استثماري ومنتج إعلامي ربحي، كشأن كل استثمار في الإعلام في جميع دول العالم، كما لا يمنع أن تكون الصحافة غير الحكومية داعما ومساندا لتوجهات الدولة، بما يعزز أمنها واستقرارها وتقدمها.
* تميزت مؤسسة «الجزيرة» الصحافية بتبنيها كراسي بحثية في الجامعات.. ما الجدوى من هذه الكراسي وانعكاساتها على الطرفَيْن؟
- جاءت مشاركة «الجزيرة» بالكراسي البحثية في الجامعات السعودية دعما وتشجيعا منها لهذا التوجُّه الجميل من الجامعات، مع ما يكلفه ذلك من مال كثير، يُصرف من أرباح مؤسسة «الجزيرة» السنوية. وفائدة «الجزيرة» من الكراسي البحثية في الجامعات وجودها وحضورها بين القراء (النخبة) في الجامعات وبين طلابها وكوادرها حصريا. وفائدتها للجامعات أنها تستفيد من وسيلة إعلامية قوية وناجحة ومنتشرة في تبني بعض الأفكار والفعاليات الثقافية والعلمية، بما في ذلك إصدار الكتب، وإقامة ورش العمل، وتنظيم الندوات والمحاضرات، بحسب تخصص كل كرسي في كل جامعة. وهذه الشراكة تمكِّن صحيفة «الجزيرة» كما أشرت من اختيار النخبة ليكونوا من بين قرائها، وتمكِّن الجامعات من إيصال رسالتها عبر صحيفة «الجزيرة»، والاستفادة من الدعم الذي تقدمه الصحيفة لخدمة توجُّه الكراسي ضمن تخصصها. ويدخل ضمن هذا تبادل وجهات النظر بين الجامعات وصحيفة «الجزيرة»، وتبني بعض الأفكار، والعمل على تسويقها وإنجاحها.



«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟
TT

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

أطلقت منصة «ثريدز» المملوكة لـ«ميتا» مزايا بصرية جديدة تهدف إلى «تحفيز سلوك النشر لدى المستخدمين»، في خطوة يرى خبراء أنها محاولة لاستعادة الزخم إلى المنصة التي صعدت بوتيرة متسارعة في البدايات ثم عانت من خفوت.

وتشمل تحديثات «ثريدز» التي أُطلقت في مايو (أيار) الجاري «إدراج ميزة آلية تُمكن المستخدم من تقسيم الكتل النصية الطويلة إلى منشورات متعددة ومتسلسلة»، بينما ركزت الخطوة الثانية على اختبار ملصقات متحركة مصممة لإبراز المنشورات وجعلها أكثر جاذبية بصرية داخل تجربة المستخدم.

لقد كانت بدايات «ثريدز» لافتة إلى حد أنها سجلت رقماً قياسياً في تاريخ الإعلام الرقمي عند إطلاقها في يوليو (تموز) 2023 كأسرع التطبيقات نمواً واكتساباً للمستخدمين.

وحسب بيانات أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، عقب إطلاق التطبيق مباشرةً فإن «المنصة نجحت في جذب مليون مستخدم في الساعة الأولى من إطلاقها، ثم تجاوز حاجز مائة مليون مستخدم في غضون أربعة أيام وست ساعات فقط، وسط معدلات تفاعل استثنائية بلغت 95 مليون منشور في اليوم الأول». غير أن هذه الوتيرة لم تستمر طويلاً، بينما بدأت المنصة -التي أطلقتها «ميتا» بالأساس لمنافسة «إكس» مستغلةً عثراته- في التراجع الفوري عقب التدشين، وفق مراقبين.

وذكرت بيانات سابقة لمؤسسة «سنسور تاور» للأبحاث الرقمية أنه «بعدما سجلت المنصة ذروة تفاعل تاريخية بلغت نحو 44 مليون مستخدم نشط يومياً في يوليو (تموز) 2023 انخفض هذا الرقم بنسبة تجاوزت 70 في المائة، ليستقر عند حدود 13 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول أغسطس (آب) من العام نفسه».

ولم يقتصر التراجع على أعداد الزوار؛ بل امتد أيضاً، وفقاً لتقارير شركة «سيميلار ويب» المتخصصة في تحليل البيانات الرقمية، خلال أغسطس 2023، إلى البقاء الزمني للمستخدم، إذ «انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم النشط يومياً من 21 دقيقة إلى ما يتراوح بين 4 و6 دقائق فقط بعد ثلاثة أسابيع من التدشين، ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً يقارب 79 في المائة في قدرة التطبيق على الاحتفاظ بالجمهور».

عبد الكريم الزياني، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة العين في أبوظبي، يرى أن الميزات البصرية وحدها لن تكفي لإنعاش «ثريدز». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الأساسية ليست في شكل المنشورات؛ بل في غياب هوية واضحة تجعل المستخدم يشعر بأن المنصة تقدم له قيمة يومية مختلفة عن باقي التطبيقات».

ويضيف أن «ميتا» تحاول جعل «ثريدز» أكثر جاذبية من الناحية البصرية، وهذا يعني أنها تقترب تدريجياً من روح «إنستغرام»، وهذا قد يساعد على جذب المستخدمين المعتادين على المحتوى المرئي، لكنه قد يُضعف تميّزها كمنصة للنقاشات النصية السريعة التي تنافس «إكس».

وعن جدوى تحديثات «ثريدز» في استعادة الزخم، يقول الزياني: «قد تزيد التحديثات من التفاعل على المدى القصير، لأنها تمنح المستخدمين أدوات تعبير أكثر تنوعاً؛ لكن نجاح المنصة يبقى مرتبطاً بجودة الخوارزمية وقدرتها على عرض محتوى مهم وتحفيز النقاش الحقيقي بين المستخدمين». ويتابع: «المستخدم لن يعود يومياً بسبب الملصقات المتحركة فقط، بل لأنه يجد أخباراً سريعة ونقاشات مؤثرة ومحتوى يهمه».

ومن ثم «إذا لم توفر (ثريدز) هذه العناصر، فلن تكون الإضافات البصرية وحدها كافية للإقناع باستخدام المنصة باستمرار».

وعلى الرغم من إعلان زوكربيرغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استعادة التطبيق لمسار النمو التدريجي ووصوله إلى نحو 275 مليون مستخدم نشط شهرياً، فإن مراقبين لا يرون نمو الحسابات النشطة شهرياً دليلاً على الوصول للمستخدم.

وهنا، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن تراجع «ثريدز» لا يعود إلى ضعف الإبهار البصري حتى تؤتي هذه التحديثات جدواها، بينما تكمن الأزمة في أن المنصة لم تأتِ للمستخدم بجديد، إذ اعتمدت على تكرار تجربة «إكس» فحسب.

وأردف رمزي أن «مواجهة الخفوت على المنصة يحتاج إلى الابتكار والتجديد، والخروج بجديد يختلف حتى عن منصات (ميتا) نفسها». وعدّ تحديثات المنصة سطحية ولم تأتِ بجديد للمستخدم، إذ قال: «جميع التحديثات تركز على تجربة المستخدم، وهو أمر غير كافٍ لاستعادة الصعود بعد خفوت مدوٍّ، لا سيما وسط منافسة محتدمة مع منصات مخضرمة في السوق».

ثم تطرق رمزي إلى تحديثات «ثريدز» وما إذا كانت تمثل فرصة للأخبار، فذكر أن السياسة الأوسع لشركة «ميتا» فيما يتعلق بالأخبار باتت واضحة؛ «إذ إن (ميتا) تتَّبع سياسة ممنهجة مفادها الابتعاد عن المحتوى الجاد مثل الأخبار والتحليلات، ظناً أنها تورطها في مشكلات سياسية وقانونية».

واستطرد: «ظهر هذا التوجه منذ ألغت الشركة خاصية المقالات الفورية، وصولاً إلى تقليص مشروع (فيسبوك) للصحافة والحد من وظائفه وتمويله». ومن ثم استبعد أن تتحول «ثريدز» إلى منصة للأخبار الجادة أو النقاشات الرصينة، مشيراً إلى أن «المحاولات الراهنة لجذب انتباه الجمهور مجدداً تفتقر إلى الفاعلية المطلوبة، فقد توفر تجربة جيدة للمستخدم، غير أنها لن تحقق الصعود المستدام للمنصة».


وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».