الحصانات السياسية تحاصر التحقيقات في انفجار المرفأ

الحصانات السياسية تحاصر التحقيقات في انفجار المرفأ
TT

الحصانات السياسية تحاصر التحقيقات في انفجار المرفأ

الحصانات السياسية تحاصر التحقيقات في انفجار المرفأ

يرتفع يوماً بعد يوم منسوب القلق على مصير التحقيق القضائي بملف انفجار مرفأ بيروت، ليس لأن المحقق العدلي القاضي طارق بيطار عاجز عن الوصول إلى النهايات السعيدة، وكشف الحقيقة التي يتوخاها اللبنانيون عموماً وأهالي الضحايا خصوصاً، بل لأن الحصار الذي يفرضه المتضررون من المسار القضائي على بيطار وإجراءاته عشية الذكرى السنوية الأولى للجريمة الزلزال، بدأت تكبل القاضي، وتنذر بإدخال الملف القضائي في حقل الألغام السياسي الذي يهدد بنسف الملف، أو بالحد الأدنى حرفه عن مساره الحقيقي، بفعل الحمايات السياسية والدستورية للمدعى عليهم من نواب ووزراء وقادة أمنيين وعسكريين، وتحاول قطع الطريق على لائحة ادعاءات جديدة يتوقع أن تبصر النور قريباً.
جولات التحقيق المكثفة التي أجراها بيطار على مدى خمسة أشهر، منذ تسلمه الملف خلفاً للقاضي فادي صوان، قادته إلى كشف خيوط مهمة ومكنته من تحديد المسؤولين الذين أهملوا عن قصد وجود آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، من سياسيين وأمنيين وعسكريين وإداريين، كما أماطت اللثام عن ملابسات الرحلة الغامضة لباخرة الأمونيوم من جورجيا إلى بيروت، ومن يقف وراء العملية المشبوهة ولحساب من حصلت.
وتؤكد مصادر قضائية مواكبة لمسار الملف لـ«الشرق الأوسط»، أن قاضي التحقيق العدلي «اقترب من إسدال الستار على الشق الداخلي من التحقيق، بعد وضوح الصورة، وتوافر كل المعطيات والمعلومات بهذا الشأن». وأشارت إلى أن «ما يؤخر ختم التحقيق في شقه المحلي، يكمن في امتناع مجلس النواب حتى الآن عن رفع الحصانة النيابية عن الوزراء السابقين والنواب الحاليين علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق، وفي عدم الاستجابة لطلب بيطار بإعطاء الإذن لملاحقة مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم والمدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا». وبما أن التحقيق يبقى مقيداً بجواب مجلس النواب الذي يشكل ممراً إلزامياً لملاحقة النواب المذكورين، ينتظر القاضي بيطار جواب مجلس الدفاع الأعلى على طلبه بإعطاء الإذن لملاحقة اللواء طوني صليبا، ولفتت المصادر إلى أنه «في ضوء رد المجلس، سيحدد بيطار الخيارات الأخرى التي قد يلجأ إليها عندئذٍ».
وتوج المحقق العدلي جلسات الاستجواب الطويلة، ومرحلة سماع الشهود وإصدار الاستنابات القضائية، بكشفه لائحة السياسيين والأمنيين الذين وضعهم تحت سيف الملاحقة، حيث اتخذ في 2 يوليو (تموز) الماضي، جملة من القرارات المفاجئة، تبنى في الجزء الأول منها ادعاء سلفه القاضي فادي صوان على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، ووزير المال السابق علي حسن خليل ووزيري الأشغال السابقين غازي زعيتر ويوسف فنيانوس، ومدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا، أما الجزء الثاني منها فتمثل بقائمة ادعاءات جديدة وغير متوقعة، شملت وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، قائد الجيش السابق العماد جان قهوجي، مدير المخابرات السابق العميد كميل ضاهر، والعميدين السابقين في مخابرات الجيش جودت عويدات وغسان غرز الدين، وطلب من البرلمان اللبناني رفع الحصانة عن خليل وزعيتر والمشنوق كونهم من النواب، كما تضمنت القائمة اسمي قاضيي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف وكارلا شواح، وطلب من النيابة العامة التمييزية الشروع بملاحقتهما.
وإذا كانت المسؤولية الجزائية عن الإهمال والتقصير مكتملة العناصر، وصورة الاتهام بها شبه مكتملة، فإن المسؤوليات في الشق الخارجي باتت متقدمة، وتشير المصادر القضائية، إلى أن المحقق العدلي «بات يمتلك تصوراً واضحاً عن كيفية شراء شحنة نترات الأمونيوم وأصحابها الحقيقيين، وأسباب دخول شركات وهمية على خط شراء النترات من جورجيا، ومن يقف وراء هذه الصفقة، والأسباب الكامنة وراء تحويل وجهة الباخرة (روسوس) من موزمبيق إلى مرفأ بيروت».
وبانتظار حسم حصانات النواب، والبت بإمكانية الموافقة على ملاحقة اللواء عباس إبراهيم واللواء طوني صليبا، يستكمل بيطار إجراءات التحقيق باستجواب الأشخاص غير المشمولين بالحصانات، وأبرزهم العماد جان قهوجي والعمداء: كميل ضاهر وجودت عويدات وغسان غرز الدين، بالإضافة إلى مدعى عليهم آخرين، وتترقب الأوساط القانونية والسياسية ما إذا كان بيطار سيتخذ قرارات بتوقيف هؤلاء أو البعض منهم، أو استبدال التوقيف بواسطة تدابير أخرى.
ولا يزال 18 شخصاً موقوفين في هذا الملف منذ سنة، أبرزهم مدير عام الجمارك بدري ضاهر، مدير عام مرفأ بيروت المهندس حسن قريطم، مدير عام النقل البري والبحري المهندس عبد الحفيظ القيسي والعميد في مخابرات الجيش اللبناني طوني سلوم، بعدما قرر بيطار إطلاق سراح ثمانية موقوفين بينهم ضابطان في الأمن العام وآخر من أمن الدولة، بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على توقيفهم.
وبموازاة التحقيق المتصل بالنواب والأمنيين والعسكريين المقيد بتعقيدات الحصانات والأذونات المسبقة، بدأت النيابة العامة التمييزية إجراءاتها المتعلقة بالقاضيين المطلوب ملاحقتهما، الموضوعين في دائرة الشبهة، وكشف مصدر بارز في النيابة العامة التمييزية لـ«الشرق الأوسط»، أن المحامي العام التمييزي القاضي غسان الخوري «حدد موعداً لاستجواب القاضيين معلوف وشواح، وأبلغ مجلس القضاء الأعلى بالخطوات التي سيلجأ إليها، باعتبار أن استجواب القضاة يخضع لمعايير محددة، تستدعي موافقة مجلس القضاء الأعلى عليها». وشدد على أن «التحقيق في هذا الجانب لن يقتصر على استجواب القاضيين المذكورين، بل سيشمل كل الأشخاص المرتبطين بمسؤولية القضاة في هذا الملف».
وعبر رئيس مجلس شورى الدولة السابق القاضي شكري صادر، عن خشيته من إفشال التحقيق وضياع الحقيقة في هذا الملف، وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القاضي بيطار «يتعرض لحرب مكشوفة ومفضوحة من السلطات الشرعية اللبنانية، وتحديداً من مجلس النواب والحكومة». وأضاف صادر «للأسف كلما طرح المحقق العدلي مسألة قانونية، تجري مواجهته بمنطق المافيا»، مذكراً بأن «نصوص الدستور والقوانين واضحة ولا تحتاج إدخالها بمتاهات التفسير والتأويل، وليكن معلوماً أن الوزراء لا يتمتعون بالحصانة في الجرم الجزائي».
وفي معرض الحديث عن الاجتهادات القانونية التي تلجأ إليها السلطة السياسية، للتغطية على عدم إعطاء الإذن لملاحقة بعض المسؤولين الأمنيين، شدد القاضي شكري صادر على أن «اللجوء إلى طلب استشارات قانونية من هيئة التشريع والاستشارات، بشأن الجهة المخولة بإعطاء الإذن لملاحقة رؤساء أجهزة أمنية أمر مضحك». وقال: «لقد ترأست هيئة التشريع والاستشارات مدة عشر سنوات، وليعلم القاصي والداني أن رأيها غير ملزم، ويكفي التذكير بأن من يتناوب على رأس هذه الهيئة في السنوات الأخيرة معروفو الانتماء السياسي ومن يعينهم بهذا المنصب». في إشارة واضحة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه السياسي.



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».