خبراء لـ «الشرق الأوسط»: صالح يريد نموذج التوريث السوري في اليمن

أنصاره تظاهروا لترشيح نجله للرئاسة.. ويراهن على ورقة «الحرس الجمهوري»

يمني من المجموعات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح أثناء المسيرات التي خرجت مطالبة بترشيح ابنه رئيسا لليمن الثلاثاء الماضي في صنعاء (أ.ف.ب)
يمني من المجموعات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح أثناء المسيرات التي خرجت مطالبة بترشيح ابنه رئيسا لليمن الثلاثاء الماضي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

خبراء لـ «الشرق الأوسط»: صالح يريد نموذج التوريث السوري في اليمن

يمني من المجموعات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح أثناء المسيرات التي خرجت مطالبة بترشيح ابنه رئيسا لليمن الثلاثاء الماضي في صنعاء (أ.ف.ب)
يمني من المجموعات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح أثناء المسيرات التي خرجت مطالبة بترشيح ابنه رئيسا لليمن الثلاثاء الماضي في صنعاء (أ.ف.ب)

عاد إلى المشهد السياسي في اليمن الرئيس السابق علي عبد الله صالح، عبر مواقف وتصريحات تتعلق بالوضع القائم في البلاد، في ظل ما يطرح بقوة في الساحة اليمنية عن تحالفه مع جماعة الحوثي، وهو الأمر الذي لم ينفه صالح أو حزبه المؤتمر الشعبي العام، الذي باتت مواقفه شبه متطابقة مع مواقف الحوثيين في الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة. ومن أبرز ما هو واضح، في هذا الاتجاه، رفض الطرفين، حتى اللحظة، المشاركة في الحوار في العاصمة السعودية الرياض، بعد نقله إليها لاحتضانه في مقر الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي.
وأطلق صالح تصريحات تنتقد الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي كان نائبا له في الرئاسة وفي رئاسة حزب المؤتمر الشعبي، وضمنيا أشار إلى أن مصير هادي سوف يكون كمصير قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، الذي كانوا شركاء لصالح في قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو (أيار) عام 1990، وبعد أقل من عامين دخلت البلاد في أزمة سياسية، ثم أعلن صالح الحرب على الجنوب في 27 أبريل (نيسان) عام 1994، والتي انتهت لصالحه ولصالح تحالفه، آنذاك، مع حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين).
ويشارك صالح في الحوار السياسي باليمن عبر ممثلين عن حزبه، إلا أن مواقف الحزب اعتبرها المراقبون متذبذبة ولم تظهر على الساحة بشكل قوي، إلا في الأيام الأخيرة التي تطابقت فيها تلك المواقف مع مواقف الحوثيين المسيطرين على الوضع في البلاد، في ظل ما يطرح عن تحالف غير معلن رسميا بين الطرفين. غير أن أنصار حزب المؤتمر الشعبي العام وفي ظل النقاشات حول المكان الذي سيعقد فيه الحوار السياسي بين الفرقاء اليمنيين، خرجوا في مظاهرة، الثلاثاء الماضي، للمرة الأولى منذ سقوط صنعاء بيد الحوثيين، للمطالبة بترشيح نجل صالح، العميد الركن أحمد علي عبد الله صالح سفير اليمن حاليا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة القائد السابق لقوات الحرس الجمهوري سابقا (القوات الخاصة حاليا)، للرئاسة، حيث رفعوا صورا له واعتبروا أنه المنقذ الوحيد لليمن في الوقت الراهن، رغم أن أحمد صالح، أو صالح الابن إن جازت التسمية، لم يكن له أي دور سياسي فاعل في الساحة اليمنية، باستثناء أنه كان عضوا في مجلس النواب (البرلمان)، ولم يكن يحب الظهور إعلاميا ولم تكن لديه مواقف سياسية معلنة.
وأحمد صالح، المولود في عام 1972، هو أكبر أنجال علي عبد الله صالح وقد كان قائدا للحرس الجمهوري السابق خلال الفترة من مارس (آذار) 2004 وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2012، عندما جرت عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية في ضوء المبادرة الخليجية، وخلال فترة حكم والده - 17 يوليو (تموز) 1978 وحتى ديسمبر (كانون الثاني) 2011 - وبالأخص السنوات الأخيرة، لم يكن نظام الحكم أو الجهاز السياسي أو الإعلامي لصالح يقدم نجله، بصورة رسمية، على أنه رئيس مستقبلي لليمن، على العكس مما جرى الثلاثاء الماضي. وخلال السنوات الماضية ومنذ بدأ اسم أحمد علي عبد الله صالح يتردد في الساحة اليمنية عقب تخرجه في الكلية العسكرية ثم انتخابه في مجلس النواب، شهد اليمن وعلى مدى سنوات حملة سياسية وإعلامية وشعبية ضد «سياسة التوريث»، كما سميت، فرغم أن صالح لم يكن يقدم نجله كخليفة له رسميا، فإن المراقبين يقولون إن صالح كان يمهد الطريق لنجله من خلال جملة من الإجراءات والملفات التي كان يمسك بها، كالتعيينات والإشراف شبه الكامل على الجيش وغير ذلك، ويؤكد المراقبون أن «ذلك المشروع سقط بالثورة الشعبية التي أطاحت بصالح في عام 2011، والتي اضطر على أثرها إلى تسليم السلطة لنائبه الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، وفقا للمبادرة الخليجية».
ويؤكد محللون سياسيون لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من المظاهرات لأنصار حزب المؤتمر الشعبي وصالح هو خلط الأوراق في الساحة اليمنية التي تشهد ارتباكا بعد انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية، وهي محاولة لتقديم أحمد علي كلاعب أساسي في المرحلة المقبلة ليؤخذ به في الاعتبار عند أي تسوية سياسية مقبلة تتفق عليها القوى اليمنية برعاية إقليمية ودولية». ويشير المراقبون إلى أن صالح «سبق له أن طرح عندما سئل عن التوريث أن نجله أحمد مواطن يمني ومن حقه أن يترشح».
و يقول علي الجرادي، رئيس دائرة الإعلام والثقافة في حزب التجمع اليمني للإصلاح، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نرحب بأي نشاط سلمي لكل القوى السياسية في البلد، لأن هذه الأنشطة المدنية تسهم في تخفيف دائرة العنف والاحتراب التي تسهم فيها القوى غير المدنية». ويضيف أن «صندوق الانتخابات هو الخيار الآمن والمعيار الشعبي تجاه أي حزب أو شخص وللقبول به». ويؤكد الجرادي أن «مظاهرة حزب المؤتمر الشعبي الأخيرة هي محاولة لعودة الحزب إلى العمل الجماهيري، بعد شبح التقسيم الذي يتجاذبه في هذه الفترة، ومحاولة لاستعادة بعض قيادات المؤتمر المتوسطة التي انخرطت في جماعة الحوثي». ويعاني المؤتمر الشعبي، حاليا، حالة من الانقسام بين صالح وهادي، فالجنوبيون من قيادات وأعضاء الحزب أعلنوا ولاءهم لهادي واعتبروه نائب رئيس الحزب تنظيميا وشرعيا، رغم إقالته من قبل صالح وقيادة الحزب.
وضمن ما أكدت عليه أحاديث العديد من السياسيين والعسكريين اليمنيين، لـ«الشرق الأوسط»، فإن أحمد صالح، أو صالح الابن «لا توجد لديه أوراق سياسية خاصة به ليلعبها»، وإن «صالح سيكون هو اللاعب الأساسي في المشهد اليمني». لكن السياسيين يؤكدون أن «الورقة الوحيدة التي يمتلكها نجل صالح هي أن يقوم بحركة أشبه بالانقلابية في الجيش، ويقوم بالإعلان عن نفسه كقائد عسكري لديه قوة عسكرية ضاربة كالحرس الجمهوري (سابقا)، وبالتالي يمكنه أن يكون جزءا من المعادلة». وتشير هذه الشخصيات إلى أن القوات الخاصة التي كان يقودها أحمد علي عبد الله صالح هي القوات التي كانت تحظى بكل الإمكانيات وأحدث التسليح والتدريبات وما زالت تحافظ على مكانتها، وأنها ما زالت تأتمر بأمر صالح ونجله، أكثر من قادتها المعينين رسميا، حسب قولهم.
و ما تؤكد عليه الشواهد في الساحة اليمنية أن الرئيس السابق علي عبد الله صالح لا يرغب في ترك الساحة والعمل السياسي بأي صورة من الصور، وأنه يرغب في العودة إليها سواء بشكل مباشر أو عن طريق نجله.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.