هادي يكثف لقاءاته مع القبائل الجنوبية.. ويأمر بتجنيد 20 ألف مقاتل

فشل الوساطة مع قائد القوات الخاصة المتمرد في عدن

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي  أثناء اجتماعه بمجموعة من المسؤولين المحليين في مدينة عدن (إ.ب.أ)
الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أثناء اجتماعه بمجموعة من المسؤولين المحليين في مدينة عدن (إ.ب.أ)
TT

هادي يكثف لقاءاته مع القبائل الجنوبية.. ويأمر بتجنيد 20 ألف مقاتل

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي  أثناء اجتماعه بمجموعة من المسؤولين المحليين في مدينة عدن (إ.ب.أ)
الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أثناء اجتماعه بمجموعة من المسؤولين المحليين في مدينة عدن (إ.ب.أ)

اتهم الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي جماعة الحوثي بالنكث بالاتفاقيات وبمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل والانقلاب على الشرعية وفرض إرادتهم بالقوة. في هذه الأثناء أمر هادي بتجنيد نحو 20 ألف شخص من الجنوب في الجيش والأمن، وبإعادة المسرحين من أعمالهم، هذا في وقت قالت فيه مصادر في عدن إن المفاوضات مع قائد قوات الأمن الخاصة الرافض لقرار إقالته وصلت إلى طريق مسدود في ظل توتر أمني متصاعد تشهده المدينة، في حين كشفت بعض المصادر عن قيام الحوثيين بمناورات عسكرية قرب الحدود اليمنية - السعودية.
وقالت مصادر محلية في عدن لـ«الشرق الأوسط» إن الوساطة التي يقودها اللواء علي ناصر لخشع نائب وزير الداخلية؛ من أجل إنهاء حالة العصيان لدى قائد قوات الأمن الخاصة في عدن العميد الركن عبد الحافظ السقاف، لتسليم منصبه في ضوء القرار الرئاسي، «باءت بالفشل ووصلت إلى طريق مسدود»، وذلك بسبب رفض القائد العسكري الامتثال للأمر الرئاسي، في حين تشهد عدن المزيد من التوتر ومحاولات للجان الشعبية الموالية للرئيس هادي للهجوم على معسكر القوات الخاصة، غير أن المصادر أكدت أن «الرئيس هادي يحاول إنهاء الوضع بطريقة سلمية، لكنه لن يضطر للتفاوض كثيرا في ظل الضغط الشعبي عليه للتخلص من حالة التمرد من قبل العميد السقاف».
إلى ذلك، يواصل الحوثيون عملية مراقبتهم لرجال الدولة، ومنع كثير من السفر خشية الالتحاق بالرئيس عبد ربه منصور هادي في عدن أو المشاركة في أي حركة رافضة لحكم الحوثيين، وقالت مصادر في صنعاء، مساء أمس، إن الحوثيين منعوا النائب العام، علي الأعوش، من السفر ومغادرة اليمن، وأعادوه من المطار إلى منزله.
من جهة ثانية، قال مصدر مقرب من الرئاسة في عدن لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس عبد ربه منصور هادي أصدر قرارا بتكليف ضباط جنوبيين من بينهم العقيد محمد مشهور الكازمي والعقيد ناصر الملوث، وذلك لمهمة استقبال العسكريين المسرحين قسرا التي أقرت اللجان السابقة عودتهم للعمل، وكذلك العسكريين المنقطعين عن وحداتهم لأسباب خاصة، وممن ما زالت مرتباتهم جارية، إضافة إلى العسكريين الموجودين في بيوتهم ممن يطلق عليهم «المفرغين»، وهم قوة كبيرة ولديهم القدرة على العمل في حال توافرت لهم فرصة حقيقية لاستيعابهم ضمن قوة عسكرية نظامية.
ووفقا لهذا المصدر، فإن قرار رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة يأتي في إطار الحلول والمعالجات التي وضعتها اللجان الرئاسية السابقة بشأن معالجة مظالم الجنوب والجنوبيين التي يدخل ضمن سياقها عودة الكثير من القيادات والضباط وصف الضباط ممن تم تسريحهم قسرا منذ اجتياح الجنوب إثر حرب صيف 94م أو أنهم يستلمون معاشاتهم الشهرية دونما يمارسون أي مهام أو عمل رغم مؤهلاتهم وقدراتهم العسكرية والأمنية، فضلا عن العسكريين المنقطعين عن وحداتهم ولأسباب خاصة بهم، وفي وقت ما زالت فيه مرتباتهم جارية في المالية، وهذه الحالات المشار إليها سيتم استقبالها في معسكر صلاح الدين غرب محافظة عدن ابتداء من السبت المقبل 14 مارس.
وأضاف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة العسكرية المكلفة باستقبال العائدين والمنقطعين والمفرغين نيط بها مهمة تجنيد 20 ألفا من أوساط الشباب في بعض المحافظات الجنوبية لسد النقص الكبير في القوة البشرية، لافتا إلى أن إجراء التجنيد في القوات المسلحة سيبدأ بعد غد السبت 14 مارس وعلى من لديه الرغبة في التجنيد مراجعة مديري عموم المديريات. على الصعيد ذاته، كشف محافظ عدن الدكتور صالح بن حبتور عن عودة وزير الدفاع اللواء محمود أحمد سالم الصبيحي للعمل مع هادي رسميا، وأنه يعكف في الوقت الحاضر على بناء القوات المسلحة من جديد، وقال في حوار أجرته معه قناة «الجزيرة» أمس: «وزير الدفاع محمود الصبيحي يعكف على إعادة صياغة وطنية للقوات المسلحة»، واصفا جماعة الحوثي بالمجموعة المغامرة التي تقود اليمن إلى مزيد من التفكك.
واعتبر مراقبون عسكريون عودة الرجل القوي وانضمامه لصف الرئيس الشرعي هادي بمثابة ضربة قوية موجهة للانقلابيين في صنعاء، كما تأتي مثل هذه الخطوة تعزيزا للرئيس الانتقالي الموجود الآن في عدن الذي يعمل جاهدا كي يقوي من عرى تحالفاته السياسية والمجتمعية الوطنية، فضلا عن تعزيز جبهته العسكرية والأمنية خاصة بعد أن كشفت الأحداث المتوالية عن استنزاف كثير من الوقت والجهد في الناحية السياسية والدبلوماسية وفي وقت يعمل فيه خصومه على إضعافه وإفشاله أمنيا وعسكريا، حسب المراقبين العسكريين.
وجاءت إجراءات الرئيس العسكرية والأمنية عقب لقائه أول من أمس بمكان إقامته بعدن وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي، كما جاءت هذه الإجراءات بعد أن شهدت العاصمة المؤقتة أول تمرد وممانعة من قائد القوات الخاصة العميد عبد الحافظ السقاف الذي ما زال متمردا على قرار الرئيس هادي، فضلا عن حوادث أمنية متفرقة قصد بها زعزعة الأمن والسكينة في عدن وجوارها وهي الحوادث التي كشفت خيوطها وملابساتها عن ارتباط دوافعها بالناحية السياسية أكثر منها جنائية واعتيادية.
ويكثف هادي من لقاءاته برجال القبائل في المحافظات اليمنية الجنوبية وبعض القبائل من المحافظات الشمالية التي كانت تعتبر مناطق حدودية سابقة بين شطري اليمن (الشمالي والجنوبي) قبل الوحدة اليمنية، وقالت مصادر في عدن إن هادي التقى، أمس، مع عدد من مشايخ قبائل الصيعر المعروفة في محافظة حضرموت، وقال مكتب هادي إن «الرئيس حيا المواقف الوطنية لأبناء الصيعر بحضرموت خلال مختلف المراحل باعتبارهم البوابة الشرقية للبلد وعلى تعاونهم الدائم في الحفاظ على استقرار مناطقهم وانعكاس ذلك على الوطن بصورة عامة»، وتأكيد هادي على «أهمية تضافر الجهود في هذه المرحلة الهامة التي يمر بها الوطن والإسهام مع كافة أبناء المجتمع ومؤسساته الرسمية والشعبية في استتباب الأمن والاستقرار الذي يتطلع إليه المواطن»، وقال هادي إن «البلاد ستخرج من أزمتها أكثر صلابة وقوة ووحدة لتحقق أهداف وتطلعات أبناء الوطن الذين أكدوا عليها عبر مخرجات الحوار الوطني باعتبارها إجماعا شعبيا ووطنيا».
وفي المقابل نقل عن المشايخ الذين التقاهم هادي «استعدادهم للتعاون والتنسيق التام مع الأجهزة الأمنية والعسكرية في إطار مناطقهم في الحفاظ على السكينة العامة والتصدي بحزم لكل من تسول له نفسه محاولة العبث بأمن واستقرار الوطن تحت أي ذريعة أو مسمى».
وضمن لقاءاته المتواصلة التي يجريها الرئيس اليمني منذ وصوله إلى عدن في فبراير (شباط) الماضي، التقى، أيضا، أعضاء مجلس تكتل قبائل البيضاء الذين عبروا للأخ الرئيس عن تهانيهم وجميع أبناء البيضاء بسلامة الوصول إلى عدن، وقال مكتبه إن هذا اللقاء يأتي «في إطار اللقاءات لأبناء الأقاليم الداعمة للشرعية الدستورية».. والبيضاء محافظة في وسط البلاد وكانت حدودية سابقا وقبائلها تتداخل مع قبائل محافظة أبين الجنوبية التي ينتمي إليها الرئيس هادي، وذكر المكتب أن هادي بحث مع تكتل مشايخ البيضاء «المستجدات على الصعيد الوطني وما شهده البلد من نكوص وخروج عن التوافق ومخرجات الحوار الوطني التي أجمعت عليها كافة القوى السياسية المخلصة للوطن جراء الانقلاب الحوثي على ذلك وفرض إرادتهم بقوة السلاح رغم أنهم كانوا طرفا مشاركا في الحوار».
وجدد الرئيس اليمني التأكيد على أن «تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي توافق عليها جميع أبناء الوطن والمبنية على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية هي المخرج الآمن للبلد من أزمته الحالية»، ودعا «كافة القوى الوطنية المخلصة إلى الاصطفاف إلى جانب الشرعية الدستورية والعمل معا من أجل بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على العدل والمساواة وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة». وقال إن «مخرجات الحوار الوطني تضمنت حلولا لقضايا ومشاكل الوطن وفي مقدمتها القضية الجنوبية ومشكلة صعدة وتوافق عليها أبناء الوطن وأصبح تنفيذها مطلبا شعبيا وجاءت بعدها الأقاليم في الدولة الاتحادية الجديدة التي تضمنت تقسيما عادلا للسلطة والثروة لكل أبناء اليمن». ونقل عن مجلس تكتل قبائل محافظة البيضاء «دعمه لشرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي رئيس الجمهورية ورفضه للانقلاب الحوثي على الشرعية الدستورية والاستيلاء على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية بقوة السلاح»، وتمسكهم بـ«مخرجات الحوار الوطني والدولة الاتحادية من 6 أقاليم ومسودة الدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية»، لافتين إلى أن «البيضاء جزء لا يتجزأ من إقليم سبأ ولا يمكن التنازل عنه»، ودعت قبائل البيضاء «كافة أبناء الشعب اليمني عامة وأبناء إقليم سبأ خاصة إلى رص الصفوف وتوحيد الكلمة للعمل على إخراج الميليشيات المسلحة من محافظة البيضاء وسائر محافظات الجمهورية اليمنية»، كما دعت «الجيش اليمني وقواته المسلحة إلى عدم الانجرار لدعوات الاحتراب التي تدعو لها عصابات الانقلاب».



تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.


«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
TT

«ذا سباين» يشعل الجدل حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إطلاق المشروع (مجلس الوزراء)

أشعل مشروع «ذا سباين» جدلاً حول المشروعات العقارية الفارهة في مصر، مجدداً التساؤلات بشأن النمو اللافت لاستثمارات قطاع العقارات لا سيما في ظل شكاوى مصريين من ظروف اقتصادية صعبة ومحاولات حكومية لتخفيف وطأتها.

وأعلن هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لـ«مجموعة طلعت مصطفى» المصرية، خلال مؤتمر صحافي بحضور رئيس الوزراء، مساء السبت، عزم المجموعة بناء مدينة جديدة متعددة الاستخدامات شرق القاهرة بتكلفة 1.4 تريليون جنيه مصري (27 مليار دولار) على مساحة نحو 2.4 مليون متر مربع، تجمع بين الوحدات السكنية والمرافق التجارية والفندقية والتجزئة والترفيه والمساحات الخضراء.

وتحمل المدينة اسم «ذا سباين»، ويجري تطويرها بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، برأس مال مدفوع قدره 69 مليار جنيه (1.3 مليار دولار).

مدبولي خلال كلمته عن المشروع (مجلس الوزراء)

وأثار المشروع جدلاً على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تساؤلات عن تمويله. وبينما انتقد عدد من الرواد هذا الكم من الاستثمارات في بناء «مدينة فارهة» تضاف إلى مثيلاتها اللاتي «لا يستطيع غالبية المصريين السكن فيها»، وإلى نحو 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بحسب بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء»، دافع آخرون عن المشروع، وعدُّوه وسيلة لتحقيق التنمية والرواج الاقتصادي، وأرجعوا الجدل بشأنه إلى أن تمويله مصري على عكس مشروعات أخرى لمدن فارهة تنفَّذ باستثمارات عربية.

وأشار عدد من رواد مواقع التواصل في تعليقاتهم إلى أن «المبلغ المعلن هو إجمالي ما سينفَق على المشروع خلال مدة تنفيذه التي قد تتجاوز 10 سنوات»، لافتين إلى أن «جزءاً من تمويل المشروعات العقارية عادة ما يعتمد على ما يدفعه الراغبون في شراء وحدات فيه من مقدمات حجز وأقساط».

وكتب أحد المعلقين أن «المشروعات الضخمة مثل (ذا سباين) لا تؤثر في قطاع واحد فقط، بل تُنشّط الاقتصاد بشكل متكامل، وتسهم في تنويع مصادر الدخل».

وعدَّ المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إطلاق المشروع «ناسفاً ادعاءات انهيار الاقتصاد» المصري.

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قد أكد في كلمته خلال إطلاق «ذا سباين» أن «المشروع يحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة»، مشيراً إلى توقيع عقود مشروعات كبرى مماثلة في القاعة نفسها من قبل، بينها مشروعات في الساحل الشمالي في إشارة إلى (مشروع رأس الحكمة باستثمارات إماراتية)، لافتاً إلى «أن الشيء المهم جداً هو أننا نطلق هذا المشروع العالمي بكل المقاييس، في خضم حروب وصراعات جيوسياسية بهذا الحجم الكبير، تفرض حالة من عدم اليقين بالمستقبل، أو عدم استشراف شكل المنطقة أو العالم».

وقال مدبولي إن «المشروع سيوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه، كما يضع مصر في مصاف الدول التي استثمرت بصورة كبيرة للغاية في إنشاء مثل هذه النوعية من المراكز التي تسمى مراكز مالية وإدارية وتجارية».

وعدّ الإعلان عن المشروع «دليلاً على أمن مصر، لا سيما أنه ينطلق في خضم أوضاع عالمية وإقليمية تخلق حالة من عدم اليقين».

وتشهد حركة البناء والتشييد نمواً ملحوظاً في مصر، لا سيما أن كثيراً من المصريين يعدون العقارات مخزن قيمة تتزايد أهميته في ظل ظروف عدم اليقين الحالية.

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن «السوق العقارية أحد القطاعات النامية بقوة في مصر»، موضحاً أن «حجم الاستثمارات المعلن في (ذا سباين) هو قيمة المبلغ الذي سينفَق على إنشاء المشروعات في مدى زمني يصل إلى 15 عاماً، كما أن جزءاً من التمويل سيكون من مقدمات الحجز، كما هو الحال في معظم المشروعات المماثلة».

وأضاف بدرة لـ«الشرق الأوسط»: «العقار هو الملاذ الآمن للمصريين، وهناك طلب على هذا النوع من المشروعات، سواء في الداخل أو من الخارج (أجانب ومستثمرين)»، لافتاً إلى أن شركات العقارات الكبرى «لن تقدم على مشروع بهذا الحجم دون دراسة تؤكد أن السوق تسمح، وتحتاج للمزيد»، وأكد أن «الحديث عن فقاعة عقارية في مصر ليس له أساس».

يتفق أحمد عبد الفتاح، رئيس قسم تنمية أعمال الشركاء في «بولد روتس - مصر» للتسويق العقاري، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر دولة نامية، ومن طبيعة الدول النامية أن تشهد نمواً في السوق العقارية تزامناً مع نموها السكاني».

وأضاف: «هناك تباين في حجم الطلب خلال الربع الأول من العام الحالي بين شركات حققت نمواً ومبيعات كبيرة، وأخرى شهدت ركوداً، معظمها من الشركات حديثة العهد بصناعة العقار»، مرجعاً التباين إلى «حالة عدم اليقين التي رافقت الأحداث الجيوسياسية»، لكنه أكد أن «حجم الطلب والمبيعات يشهد نمواً لدى الشركات ذات الخبرة الطويلة التي تنفذ مشروعات كبرى على غرار (ذا سباين)»، وتابع: «مشروعات المدن الكبرى تخاطب عادة الشرائح العليا من المجتمع والمستثمرين والأجانب».