محسن يونس: الخروج على المألوف يعطي الكتابة ماهيتها وجوهرها

صاحب «منام الظل» يقول إنه يكتب من أجل أحفاده

محسن يونس
محسن يونس
TT

محسن يونس: الخروج على المألوف يعطي الكتابة ماهيتها وجوهرها

محسن يونس
محسن يونس

بعيداً عن صخب وضجيج العاصمة القاهرة، وفي أجواء مدينته الساحلية العريقة دمياط، يواصل القاص الروائي محسن يونس رحلته مع الكتابة، مضيفاً لها كل فترة حجراً جديداً، يؤكد خصوصيتها، ولغتها الثرية التي تستلهم روح التراث الشعبي، وعوالم القرية والبحر والصيادين.
هنا حوار معه، عن هذه الرحلة، ومكابدات الكتابة عبر خمسين عاماً من العطاء.
> عنوان روايتك الجديدة «40 ألف كلمة» استوقف كثيرين لغرابته وعدم تقليديته، كيف جاءتك فكرته؟ وما مدى ارتباطه بمضمون العمل؟
- العنوان كما يعرف الكثيرون هو عتبة النص، وعلى القارئ أن يخطو من خلالها ليدخل ساحة الدراما والصراع، لذلك يكون دائماً موضع اهتمام الكُتاب، ومحل عناية خاصة فهو لا يلخص العمل، ولا يفضح ستره، وإنما هو مجرد وحدة، تنعم بحرية خاصة به. ومن ثم، لا أرى في عنوان «40 ألف كلمة» غرابة وعدم تقليدية، وهذا من وجهة نظري وصف ما ينبغي أن يكون عليه أي عنوان.
العنوان له صلة وثيقة بما تطرحه إحدى شخصيات الرواية من تساؤل عن السيرة الذاتية وما تحتاجه من كلمات في خضم أحداث العمل.
> هل يكشف هذا عن فلسفة ما لديك في اختيار عناوين نصوصك، كما في «سيرة جزيرة تدعى ديامو» و«حسن الاستماع وطيب المقام» وغيرهما. هل تستهدف جذب انتباه القارئ أم مجرد الخروج عن المألوف؟
- الاثنان معاً، هكذا ينبغي، من وجهة نظرنا، أن يعمل الكاتب انطلاقاً من المقولة الأمثولة: «الإبداع هو ما يأتي على غير مثال». الخروج على المألوف في الكتابة والإبداع عموماً هو ما يعطى الكتابة ماهيتها وجوهرها، فلسنا نكتب من خلال «روشتة» نتبع أوامرها، وإلا أصيبت نصوصنا بالمرض! الحرية للكاتب هي رئتاه وعقله وضميره معاً، تمنحه اللياقة والنشاط والقدرة على الابتكار.
> يلاحظ غزارة إنتاجك، خصوصاً في السنوات الأخيرة، ما السر في ذلك؟ وهل لديك طقوس معينة تصاحب عملية الكتابة؟
- ليس سراً ولا شيئاً من هذا القبيل، وربما شُبه للبعض ذلك، فبعض الأعمال نشرت بعد عدة سنوات من كتابتها، ربما ساعد على ظهورها مطبوعة أن مجال الطباعة والنشر قد اتسع وزاد الاهتمام به، وربما أيضاً اتسعت رقعة القراء وزاد عدد من يقتنون الكتب في السنوات الأخيرة، والمسألة برمتها لا قانون لها، ربما تمكث سنوات لا تكتب، ثم يأتي الفيض فتكتب بشكل متواصل، ثم يتبع هذا جفاف، الكتابة لدي حالة مزاجية، والأجواء التي تدفعني لفعل الكتابة بسيطة؛ أهمها أن أكون طيباً بلا مرض، ولا مشاكل حياتية، والعثور على نص شعري عظيم أقرأه بصوت عالٍ، أو مشاهدة فيلم جيد جداً، أو قراءة نص سردي مذهل، يجعلني أطير، وأتمشى يومياً على الشاطئ الثالث لنهر النيل الذي يشق مدينتي. عندئذ أنا في حالة كتابة، ولا أنتبه لكمّ ما أكتب لأرى هل لدي غزارة أم لا مطر في السماء!
> أطلقت على عمل لك «موجات قصصية» وعلى آخر «تعديدة روائية»، ما الفكرة وراء هذه التصنيفات والتسميات؟
- أزعم أن هذه التصنيفات غير بعيدة عن تكوين القارئ الفكري والجمالي، وما تربى عليه وشاهده أو استمع إليه في بيئته، فالموجات معروفة، وهي هنا مضافة إلى القصص، وعندما تذكر أمامك فتلقائياً يتوارد إلى ذهنك ومشاعرك فعل التواصل والاستمرار والتلاحق، أما عن «التعديدة» فهي المرثية الشعبية، وهي شكل شعري يتصل بالحزن على عزيز، والابتكار في التجربة هو استخدام هذا الشكل الشعري سرداً، وهي تجربة لم تتكرر في كتاباتي، ولكني أُجلها جداً، وأندهش من تلك اللحظة التي جاءت واستوت الفكرة والشكل معاً، أحاول هنا توضيح أمر مهم؛ ألا وهو على الكاتب أن يمارس عمله الكتابي برغبة وحب، بلا عنت أو غصب، يبقى أن أقول إن هذه التسميات والتصنيفات جزء أصيل من لحمة العمل.
> إلى أي حد شكلت نشأتك بقرية تطل على بحيرة المنزلة بعض ملامح تجربتك الإبداعية؟
- كتاباتي الأولى أحاطت بالبحيرة وناسها الذين هم أجدادي وآبائي وأعمامي وجيراني، رياحها وشمسها وأمواجها، ولكنها لم تكن حِلية بل كانت هي التجربة الإبداعية نفسها كما رصدها الكاتب والناقد الكبير الراحل إدوار الخراط، معتبراً تضاريس هذا الموقع ضمن «الحساسية الفنية الجديدة عند محسن يونس».
كنت مستغرقاً في بيئتي وأهلي بشكل كلي، عاطفة وعقلاً، حتى استوت قدرتي ليتسع العالم من حولي، وأكتشف أن عالم قريتي جزء لا يغني عن بقية أجزاء العالم، بل إن روح العالم يسبر غور الكل، في حين أن الجزء لا يعني الكل، من هذه اللحظة اتسعت رقعة الكتابة، وتشابكت مع عوالم أخرى، ولعل رواية «40 ألف كلمة» شاهدة على هذا الاتساع، حيث إن مكانها المدينة بناسها وشوارعها ومبانيها وقطارها وسياراتها.
> هل لهذا السبب وصفت نفسك بأنك «كاتب الصيادين»؟
- ربما... فقد كانت العادة في منتصف السبعينات وما قبلها من القرن العشرين أن يتمركز ويتمترس الكاتب في بيئة وناس محددين، انصياعاً لمقولات وصيحات أطلقها بعض الكتاب والنقاد بدعوى أن المحلية تصل بالكاتب إلى العالمية، ربما تكون هذه المقولة صحيحة في بعض جوانبها، إلا أن العالم الآن يحتضن قيم العولمة، مع ما فيها من أسباب تدعو للتخوف على الثقافات الخاصة.
إن فكرة الاندياح والانضواء في العام تخيف، ولكن في النهاية وطوال تاريخ البشر وهم يتغيرون ويتبدلون، ويسعون من أجل هذا التغير والتبدل في كل أنشطتهم التي يمارسونها في حياتهم، والكتابة أحد هذه الأنشطة التي تخضع لقانون التغير.
> قلت إنك تكتب من أجل أحفادك «لعل كتاباً لك يقع بيد أحدهم مستقبلاً فيصرخ مندهشاً: هذا جدي، كان كاتباً!»... ما مبررك للكتابة إذن لو لم تكن جداً؟
- هل يمكن لأي إنسان أن يتخذ قراراً لأن يكون كاتباً، وهو لا تاريخ له مع القراءة أو التأمل، أو معرفة أقل القليل من أبجدية الكتابة؟ أو انعدام ذلك الشعور الملح والدائم في أن تمسك بقلم وتجريه على صفحة ورقية بيضاء، لأنك تريد إفراغ امتلاء نفسك بعوالم تريد إشراك الآخرين في التعرف عليها، وانتظار وقع ما كتبته عليهم؟ إن عملية الكتابة ليست عملية بسيطة أو يحيط بها طبع ساذج، المقولة الخاصة بأحفادي - مع صحتها وتأكيدها - قيلت وأنا متحقق كتابياً وإبداعياً.
بدايتي مع الكتابة تختلف أغراضها عن الآن، وأكيد سوف تختلف إذا استمر العمر والعطاء، أكتب من أجل أحفادي قبل أن أكون جداً لهم، وبعد أن صرت جداً أيضاً، يساعدني في ذلك أن لي مساحة لا بأس بها من الكتابة الموجهة إلى الصغار.
> خمسون عاماً عشتها على ضفاف الكتابة والإبداع، كيف تقيم حصاد التجربة؟ ما الذي تحقق؟ وما الذي يثير الشجن؟
- لست نموذجاً وحيداً من الكتاب، أعرف أن رقعة الكتابة في بلادنا ضيقة، ولكنها تزدحم بكتاب كثيرين لدرجة لا تحصل الأكثرية منهم على الرعاية والاهتمام الواجبين، أعرف كل ذلك وفوقه هذا السعار من الكراهية والحسد والوقيعة والاستهانة وعدم الاحترام المتبادل، لا أحاول أن أكون يائساً قنوطاً، لأنني أتفهم جيدا الأسباب، وقد عاهدت نفسي على ألا أشارك في أي نميمة أو غيبة، ولأني أعيش مستوراً وليس ميسوراً، فقد دربت نفسي على أن في القليل الكثير، ولن أزيد كلمة في هذه السبيل التي يفتحها سؤالك على أهوال.
> تعيش زاهداً في أضواء العاصمة وصراعات المثقفين... كيف واتتك الشجاعة لتقاوم غواية القاهرة؟
- كل أمر في حياتي من اختياري، لم يفرض عليّ اختيار ما، وبطبيعتي أنفر من محاولة الاحتواء أو الانضواء في منظومة تجعل من أفرادها قالباً واحداً. في 1979، أتيحت لي الفرصة للعمل في القاهرة من قبل وزارة التربية والتعليم.
قابلت كثيراً من الكتاب واطمأنت نفسي إليهم، ومع ذلك غادرت القاهرة وعدت إلى موطني. كان يمكنني الاستمرار، كنت أقرأ كثيراً من الأعمال الأدبية، لكن حينما قرأت قصيدة «مدينة بلا قلب» لأحمد عبد المعطي حجازي، وبعض ما كتب عنها لم أتفهم جيداً سر الخوف من المدن الكبيرة، إلا حين عشت في القاهرة، وداهمتني تلك المشاعر من الرعب، وعدم الراحة، وأقلقني جداً الزحام والصخب، ثم ضياع أكثر وقتك في ركوب المواصلات للذهاب إلى مكان ما تود الذهاب إليه، الحياة في مدينتي تساعد في رياضة المشي.
حدث شيء لي وأنا في القاهرة هو اشتياقي لمشاهدة القمر وهو في السماء بدراً كاملاً، وكبرت رغبتي، كأنني في مدينة لا سماء فيها، كان القمر تخفيه العمارات العالية، أعرف القاهرة عامرة بالثقافة والفنون والكتب والمكتبات والمسارح والسينمات والصحافة والمجلات، لكني اخترت وعليّ أن أكون شجاعاً في تحمل نتائج اختياري، ببساطة ما الذي يلزم الكاتب الذي يبدع أدباً؟ هو إرسال ما يكتب إلى جهة النشر، الآن وأنت في مكانك عبر التكنولوجيا الحديثة بضغطة إصبع يمكنك أن ترسل نصك إلى أي مكان في العالم دون أن تغادر مكتبك.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.