ينس مارتن إريكسن لـ«الشرق الأوسط»: حاولت كشف التحولات التي تحدث للبشر أثناء الحروب

الكاتب الدنماركي يقول إنه يكتب ليعرف لا لكي يدّعي المعرفة

ينس مارتن إريكسن
ينس مارتن إريكسن
TT

ينس مارتن إريكسن لـ«الشرق الأوسط»: حاولت كشف التحولات التي تحدث للبشر أثناء الحروب

ينس مارتن إريكسن
ينس مارتن إريكسن

يزور القاهرة هذه الأيام الكاتب والروائي الدنماركي ينس مارتن إريكسن، لتوقيع نسخة روايته «شتاء عند الفجر» التي نشرتها دار ميريت، بترجمة الشاعر العراقي سليم العبدلي. وإريكسن هو من مواليد عام 1955، ونشر عدداً من الروايات منها «جريمة جوناتان سفيدت»، و«جسر الساعات»، وحصل على كثير من الجوائز، ومنحة من مؤسسة الفنون الدنماركية، وجائزة آدم أولينشلاغر للأدب، ومنحة جين وهنري ناثانسن التذكارية... هنا حوار معه حول أجواء الرواية.

> كيف تفسر التفاعل الذي لقيته «شتاء عند الفجر» بعد نشرها بالعربية؟
- نقل أجواء الرواية يحتاج إلى مترجم متمكن جداً، وقدير، وجزء كبير من نجاحها يكمن في أن القارئ العربي حين يقرأها يشعر كما لو كانت مكتوبة بالعربية في أصلها، وقد جاء اختياري للمترجم سليم العبدلي لأني أثق كثيراً في إمكاناته لمعرفته باللغة والأجواء الدنماركية، فضلاً عن معرفته وإتقانه للعربية، وقد جعله هذا يقدم «شتاء عند الفجر» للعربية بكفاءة كبيرة. هو يعيش في الدنمارك منذ ثلاثين عاماً، ولديه الجنسية الدنماركية، وقام من قبل بترجمة الشاعر السوري أدونيس.
> في الرواية جعلت من البطل دارس الأدب قاتلاً بعد انضمامه للميليشيات... أليس هذا غريباً بالنسبة لشخص يدرس الشعر والقصة والرواية؟
- فكرة التحول التي حصلت للراوي من شخص طبيعي تعلم في الجامعة ودرس الأدب، ولديه طموحات في الحياة يسعى لتحقيقها، ثم يتحول إلى شخص قاتل، ليست جديدة، فقد كتبها من قبل جوزيف كونراد في روايته «رحلة في الظلام»، هذا التحول حدث بالفعل للراوي، بطل روايتي «شتاء عند الفجر»، ما يجعله يخطف ويقتل، وقد حدثت أشياء على الشاكلة نفسها، وفي مستوى بشاعتها في الحرب الأهلية بالبوسنة، 1992، بالطبع تجاهلت ذكر أي أسماء في العمل حتى لا تتحول الأسماء إلى رموز لمضامين دينية، سواء كانت لمسيحيين، أو مسلمين، كان همي أن أجعل العمل ذا رؤى وأفكار ومضامين إنسانية، وهذه هي الرواية التي كنت أسعى لكتابتها، ولم أكن أفكر في كتابة سياسية، وقد انتهت الحرب، لكن الرواية ستظل موجودة استناداً لموضوعها الإنساني.
> لكن لماذا جعلت البطل من دارسي الأدب؟
- حين اخترت أن يكون بطل الرواية دارساً للأدب، كنت أريد منه أن ينتقد نفسه بعد نهاية رحلته مع القتل وانتظامه ضمن مجموعات الميليشيات التي تجند فيها، وخضع لمهامها، وقام بتنفيذ ما تم تكليفه به، كنت أريده أن يحلل ما جرى، والتحولات التي حدثت له أثناء الحرب.
> تركز الرواية على عمليات القتل في حرب أهلية غير محددة الزمان ولا المكان... لماذا؟
- مجمل ما كنت أريد أن أقوله أن «شتاء عند الفجر» تعد رواية عن القتل، لكنها ليست من وجهة نظر الضحية، بل من وجهة نظر القاتل، من هنا كان سبب جعل الراوي دارساً للأدب، وقد جعلته انتهازياً، لا يريد أن يخضع لفترة تجنيد في الجيش، ويسعى لأن ينهي هذه المرحلة وهي الجندية بطريق أخرى، وقد كانت هذه الطريق هي الانتساب للميليشيات، التي لا تتجاوز فترة الوجود معهم أكثر من شهر، ومع ذلك فقد كانت تلك الفترة كافية لأن تحدث تدميراً كاملاً لهويته الإنسانية، والأخلاقية.
> يعد موضوع الرواية جديداً على القارئ العربي، ماذا عن ردة فعل قرائها في اللغات الأخرى؟
- نعم كان موضوع الرواية جديداً على القارئ العربي، لكنه لم يكن كذلك عند العرب فقط، فقد تشابهوا مع رد فعل القراء من ثقافات متعددة في أوروبا، حيث ترجمت الرواية لعدد من اللغات سواء الألمانية أو الفرنسية، أو الصربية، هناك أيضاً اعتبروها جديدة لأنها تتناول موضوع الحرب، من خلال شخص عادي يتحول ببساطة إلى قاتل، وهي تتابع ما جرى للراوي البطل وتفضح ما تعرض له من تحولات دمرت إنسانيته وأصابت روحه وعقله.
> هل هناك فكرة محددة كنت تسعى لإبرازها؟
- ما كنت أريد إجمالاً أن أقوله هو أن الرواية تدور حول فكرة الاختيار الإنساني، وأن ما نفعله من تصرفات هو ما يشكل ملامحنا وشخصيتنا، ولو كان هناك درس أو حكمة منها فيمكن أن نقول إنه يكمن في هذه الفكرة المركزية، التي تتمحور حول اختيارات الإنسان وتأثيرها على روحه وملامحه وحياته فيما بعد.
> لكن ما الصلة التي كنت تسعى لإيجادها وأنت تشير إلى أسماء بعض المدن من مدغشقر وزنجيبار وآلاسكا التي كانت مسرحاً لعمليات الميليشيات؟
- لا توجد علاقة مباشرة أو حقيقية بين المدن المختلفة في الرواية، وكل ما جاء من أسماء مثل مدغشقر أو زنجيبار، أو ألاسكا كان خاضعاً للصدفة فقط، كنت لا أريد أن أذكر أسماء المدن الحقيقية حتى لا يتم توظيف الرواية سياسياً، ويستخدمه البوسنيون ضد الصرب، أو الصربيون ضد البوسنة، وما قمت به من تجاهل للأماكن الحقيقية مفسر في الرواية وهو خاص بمجموعة القَسم، وهم الأشخاص الذين أقسموا على عدم التعرض لما قاموا به، والحديث عنه، ولو قاموا بذلك فإنهم يكونون قد خانوا العهد التي قطعوه على أنفسهم، من هنا حين أراد الراوي أن يحكي حكايته للشخص الذي التقاه في بداية أحداث القصة، كان الحل لديه ألا يحكي عن مدن حقيقية ولا يذكر أسماء أشخاص حقيقيين أيضاً، وقد راح يحكي دون أن يحدد أين جرت الأحداث، ولا من قام بعمليات القتل ومن كان مسؤولاً عنها.
في أوقات الحروب هناك أيضاً رموز وشيفرات عسكرية لاستخدام الأماكن حرصاً على السرية، وهذا ما يحدث دائماً، لكنني هنا لم أكن أريد أن يركز القارئ على هذه التفاصيل، بل على التحولات التي تحدث للراوي وتجعله يصبح إنساناً آخر يختلف تماماً عما كان قبل الانضمام للميليشيات.
أما عن البطل فلم أكن مهتماً بتصوير شخص متعصب أو سيكوباتي، كنت أسعى لتسجيل رحلة شخص عادي، شاب عمره 21 عاماً، وكان مهماً بالنسبة لي التركيز على نقطة محورية، لم أكن أريد أن أتخم الكتاب بمقولات أو حكم أدبية قديمة، وكان تركيزي على واقعة تحطيم روح الإنسان وتدمير هويته.
> ماذا كنت تريد من خلال مشهد الطفل في القطار الذي رآه الراوي أثناء عودته إلى دياره بعد انقضاء رحلة تجنيده؟
- هذه هي الإشارة الوحيدة وترد في نهاية الرواية، عندما يستقل الراوي القطار عائداً إلى مدينته، يلتقي طفلاً كفيفاً في العربة، يقرأ لجدته قصة جندي يعود من الحرب ويقابله في الطريق عازف كمان، وقد كان ينظر في زمن العصور الوسطى للكمان على أنها آلة الشيطان، وما كنت أريد أن أشير إليه هو أن أعكس صورة الفاجعة التي حدثت للجندي، وأجعله يرى صورته التي كانت، صورته الإنسانية وبراءته التي فقدها جراء اشتراكه في عمليات الميليشيات، القصة التي قرأها الطفل في الرواية تتحدث عن جندي قضى في الحرب عشر سنوات، وعندما عاد لم يجد شيئاً يشاركه مع أطفاله، فما كان لديه لا يصلح لأن يكون حكايات لأطفاله، وقد حدث هذا للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية، فقد كان الأطفال الألمان يقولون عن آبائهم إنهم لا يتحدثون.
> لكن لماذا تأتي المدن في الرواية بلا ملامح ولا معالم؟
- حين يتحدث الراوي عن مدينة ما كان يقول فقط إنها ليست كبيرة، أو ليست قرية صغيرة، لأنه ليس مهماً أن نتحدث عن جمال المدن أو تفاصيلها في حالة مثل التطهير العرقي، لن تهتم بأن تذكر أوصاف الأماكن، فقط تعرف من معك ومن ضدك، كان تركيز الراوي هو الأشخاص من سوف يقتل ومن سوف يسير إلى جواره، وكيف أن القتل هو القضية الرئيسية للرواية.
> هل تعتقد أن العمل الروائي يصلح لتصدير رسالة أو حكمة للقراء؟
- في الحقيقة كتبت روايتي لا لأقول حكمة، بل لأفهم، كنت أسال الراوي عن أشياء أريد الكشف عنها، وعرفتها، وهذا هو تصوري عن الفن، فالكاتب يكتب لكي يعرف، لا لكي يدعي المعرفة ويقول حكماً للآخرين. ما دعاني لكتابة هذه الرواية هو أن كل أوروبا سألت نفسها عن أهم حدث جرى في عام 1992، وكان ما جرى هو الحرب الأهلية في يوغوسلافيا، وهذا كان بالنسبة لي كابوساً، وقد فوجئت باندلاع الحرب، ولم يكن هناك واحد من السياسيين قادراً على إيقافها أو منعها، وقد واجهت الحكومات ذلك بحالة كاملة من الصمت.
> في روايتك «جسر الساعات» تكتب عن بطل مختلف عن بطلك في «شتاء عند الفجر»...
- الرواية مستوحاة من قصيدة لشاعر دنماركي تحمل الاسم نفسه، وتتحدث عن رجل شارك في الثورة الكمبودية، وهي حسب رأيي كانت أكثر جنوناً من الثورة الصينية الماوية، وكان هذا الرجل وحيداً جداً، يتحدث أكثر من لغة، يحب الشعر، ويكلم القمر، ويحكي حكايات عن شكسبير، هو يسعى لأن تلتف الناس حوله حتى يأنس بهم ويتجاوز شعوره الدائم بالوحدة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».