تصاعد هجرة الشباب من درعا... عبر «بوابة دمشق»

شباب يتجمعون أمام شعبة التجنيد في درعا لاستخراج إذن للسفر (الشرق الأوسط)
شباب يتجمعون أمام شعبة التجنيد في درعا لاستخراج إذن للسفر (الشرق الأوسط)
TT

تصاعد هجرة الشباب من درعا... عبر «بوابة دمشق»

شباب يتجمعون أمام شعبة التجنيد في درعا لاستخراج إذن للسفر (الشرق الأوسط)
شباب يتجمعون أمام شعبة التجنيد في درعا لاستخراج إذن للسفر (الشرق الأوسط)

ثمة «فجوة كبيرة» بين الرغبة في الهجرة والتحرك الفعلي تجاه تحقيق ذلك أو البقاء، هكذا ينظر أحمد من درعا، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أبحث عن فرصة لمغادرة البلاد والهجرة إلى دولة تحفظ حريتي وكرامتي وإنسانيتي، بعد أن فقدنا الأمان والعمل في بلادنا». ويضيف: «اليأس هنا يدفعني إلى التفكير في ضرورة الهجرة كحل أخير، أريد أن أقضي ما تبقى من عمري بحياة جيدة لي ولعائلتي، الحرب مستمرة والوضع الاقتصادي والأمني في درعا وعموم سوريا من سيئ لأسوأ».
وينظر إلى المخاطر بالوصول إلى أوروبا والتكاليف الباهظة التي سيدفعها للوصول، لكنه يراها «المغامرة الأخيرة إما الحياة الجيدة وإما لا بقاء في حياة جحيمية»، بحسب تعبيره، ويرى تجارب غيره من الشباب الذين هاجروا، أنها تجارب ناجحة بالنظر إلى الحال في سوريا، وكان متأثراً بقصة ابن عمه جاسم البالغ من العمر 29 سنة، غادر من درعا ووصل إلى إيطاليا قبل شهرين، قاصداً الوصول إلى ألمانيا. وبحسب ما قاله جاسم عبر اتصال هاتفي معه أنه جازف بحياته في سبيل تحقيق ذلك، فقد خرج جاسم من مدينته بريف درعا الغربي مع مهربين إلى لبنان، لديهم ما يسمى (الخط العسكري) بمعنى أنه لا يتم توقيف هذه الشخصيات على حواجز قوات النظام المنتشرة في سوريا، ووصل إلى دمشق معهم ومنها إلى مدينة حمص، هناك تسلمته مجموعة ثانية كانوا يتحدثون اللهجة اللبنانية نقلوه إلى منطقة تسمى وادي خالد وأنهم سخروا منه عندما سألهم (الطريق آمن يا شباب؟) في إشارة منهم إلى أنهم غير آبهين بأمنه وسلامته أو بأمان الطريق باعتبار أن هذا عملهم، وأنهم متأكدون من الوصول، وتابع: «مشينا قرابة ساعة حتى وصلنا إلى بلدة صغيرة ولم أعد أدرك الاتجاهات أو أسماء المناطق وكانت هناك سيارة نقلوني بواسطتها إلى مدينة عرمون اللبنانية حيث أصدقائي».
ويضيف: «مكثت في لبنان قرابة الشهرين استخرجت جواز سفر من السفارة السورية في لبنان وسافرت إلى ليبيا، وفي ليبيا التقيت عشرات السوريين القاصدين الهجرة إلى أوروبا، وأوصلهم مهربون إلى منطقة بحرية، ووفروا لهم قوارب مطاطية لنقلهم إلى السواحل الإيطالية، وكانت تكلفة هذه الرحلة حتى وصل إلى إيطاليا 5 آلاف دولار أميركي».
- إحباط وخوف
وتمثلت الأسباب الرئيسية التي دعت أحمد وجاسم إلى ذلك حالة الإحباط والخوف، وباتا يريان في محافظة درعا من أخطر مناطق العيش، فالظروف الأمنية وفقاً لهما لم تعد تطاق، فالاغتيالات والقتل والاعتقالات شبه يومية، واعتبرا أن انعدام الفرص الكافية للعمل وقلة الدخل وأجرة اليد العاملة والقيود المفروضة على حرية والتعبير، والقبضة الأمنية على مناطق درعا، جعلت عندهما خيار الهجرة هو أفضل الحلول، رغم صعوبته وتكلفته.
وقال الصحافي محمد الحمادي، من درعا لـ«الشرق الأوسط»: «تحت حقيقة الواقع الحزينة التي أنهكت عقل الشباب بقي الكثير منهم ينتظر لسنوات من عمره لتصل لحظة الهدوء، في محافظة درعا وعموم سوريا، لكن أسباباً كثيرة جعلت من هذا التفكير مآلات أحلام، ووجدوا الاعتقالات والظروف الاقتصادية القاهرة والبطالة والفلتان الأمني عوامل تدفع الشبان لركوب البحر والمخاطرة بحياتهم في سبيل بدء حياة أخرى».
وأشار إلى أن محاولات اللجوء والفرار من سوريا تصاعدت مؤخراً، خاصة بعد الانتخابات التي ستبقي الرئيس بشار الأسد ٧ سنوات أخرى، وهو ما يعني استمرار السلطة الأمنية والحرب وعدم وجود حل يلوح في الأفق مترافق بتجاهل أممي ودولي للقضية السورية وموافقة ضمنية لبقاء الأسد الذي قتل مئات آلاف السوريين وشرّد داخلها وخارجها أكثر من نصف الشعب السوري وفق إحصائيات الأمم المتحدة.
واعتبر أن «معظم الهاربين من سوريا يعلم مخاطر ركوب البحر مسبقاً وأنه سيواجه الموت في كل لحظة حتى وصوله إلى بر الأمان، لكنهم فضّلوا هذا الخيار وهذه المغامرة كي لا يبقوا في سوريا ويتجرعوا الموت كل يوم على الحواجز وغيرها من وسائل القمع وطوابير الذل الكثيرة في سوريا».
جهاد المسالمة، أحد أبناء مدينة درعا تخرج في كلية الحقوق قبل عام، قال: «بعد التخرج أصبحت مطلوباً للخدمة العسكرية فبقيت في المدينة وأقضي معظم وقتي في المنزل خوفاً من القبض عليّ على الحواجز المؤقتة التي تنصب فجأة في شوارع مدينة درعا، وبعد التأجيل الإداري الذي حصل عليه الشباب في جنوب سوريا شملني القرار واستخرجت موافقة للسفر من شعبة التجنيد، وأتحضر الآن للسفر إلى ليبيا، ومنها سأقصد الوصول إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية ومنها إلى هولندا حيث يقيم أخي». الأفق مسدود في بلدي، تجرعت مرارة عام كامل بعد التخرج دون عمل وأنا في مطلع شبابي وفي قمة عمر الإنتاج وآخذ مصروفي من أهلي، الحياة بدت لي غرفة مظلمة أدور فيها حول نفسي بأرجل مكسورة غير قادرة على فعل شيء، وما زلت في مطلع شبابي أمامي الكثير من ترتيبات للحياة من استقرار وعمل وزواج وهذا بالنسبة لي مستحيل في بلد أنهكته الحرب وسيطرت عليه المحسوبيات والسلطة الأمنية».
- إلى أوروبا
وقال الناشط مهند العبد الله من درعا إنه «وفقاً لإحصائية محلية، فإن 71 شاباً خرجوا من محافظة درعا باتجاه مناطق مختلفة، قاصدين الهجرة إلى دول أوروبا خلال الشهرين الماضيين، منهم من وصل إلى ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وتركيا ولبنان، والعدد قابل للزيادة خلال الشهر الحالي، خاصة بعد أن منح النظام السوري الشباب في جنوب سوريا (درعا والقنيطرة) تأجيلاً استثنائياً عن السوق للخدمة العسكرية والاحتياطية، كما سمح لهم بالسفر خارج سوريا».
وأوضح أن لدى شباب سوريا عامة والجنوب خاصة أسبابا كافية تدفعهم للهجرة والسفر خارج سوريا مثل «المخاوف الأمنية (الاعتقالات والاغتيالات والخطف والسلب)، وقلة فرص العمل والخوف من إنشاء أي عمل أو مشروع لعدم استقرار الوضع الاقتصادي وتدني قيمة الليرة السورية مقابل الدولار بشكل مستمر، بعد أن وصل قيمة الدولار الواحد 3200 ليرة سورية لكل دولار أميركي واحد، والغلاء الفاحش في كل مجالات الحياة، ما جعلها أسباباً تدفع الشباب في جنوب سوريا إلى السفر أو التفكير في الهجرة بحثاً عن حياة وعمل أفضل».
واعتبر الناشط باسل الغزاوي أن «ما يقوم به النظام السوري من تسهيلات لتيسير سفر الشباب من جنوب سوريا، هو عملية تفريغ المنطقة من الشباب، خاصة المطلوبين الذين يملكون فكراً معارضاً له، حيث إن المشرفين على نقل الشباب المطلوبين للأجهزة الأمنية في درعا هم مجموعات تتعامل مع ضباط النظام السوري تسهل عملية نقلهم إلى وجهتهم سواء إلى شمال سوريا أو إلى لبنان بالتنسيق مع مجموعات من حزب الله، ويحقق النظام السوري بذلك عدة فوائد تخدم مصلحته، أنه أزال فئة شبابية معارضة لوجوده في مناطق الجنوب، وتحقيق منفعة مادية كبيرة، حيث تصل المبالغ المطلوبة لتهريب الشخص إلى شمال سوريا أو لبنان 600 - 1000 دولار أميركي، ناهيك عن حالة التضييق الأمنية والاقتصادية التي يعيشها شباب جنوب سوريا، خاصة العناصر السابقة في المعارضة مع استمرار عمليات الاغتيال والخطف والاعتقال للعناصر والقادة السابقين في المعارضة».
كما اتخذت قوات النظام السوري، مؤخراً، في عدة مناطق في درعا أفعالاً لخدمة «مشروعها في جنوب سوريا من خلال زيادة القبضة الأمنية في المنطقة كفصل مناطق مخيم درعا عن مركز مدينة درعا المحطة وتعزيز معظم حواجز المنطقة وتحصينها بشكل أكبر».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.