وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

حصلت على وسام نجمة إيطاليا برتبة «فارس» تكريماً لدورها المؤثر في الترجمة

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
TT

وفاء عبد الرؤوف: خصوصية الثقافة الإيطالية لا تشعرني بالغربة عند الاقتراب منها

وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة
وفاء عبد الرؤوف لحظة تسلمها الوسام من سفير إيطاليا في القاهرة

نالت المترجمة المصرية الدكتورة وفاء عبد الرؤوف البيه، أخيراً، وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس، وهو الوسام الذي يمنحه رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، لمن يقومون بدور مؤثر في نشر اللغة والثقافة الإيطالية في العالم.
وتجمع الدكتورة وفاء عبد الرؤوف بين العمل الأكاديمي كأستاذة للأدب الإيطالي الحديث والمعاصر بجامعة حلوان المصرية، وبين الترجمة الأدبية منذ سنوات، أنجزت خلالها عدداً من الأعمال المهمة، من أبرزها «أنطونيو الجميل» لفيتاليانو برانكاتي، و«الكتب الممنوعة» لماريو أنفليزي، و«المسيح توقف عند إيبولي» لكارلو ليفي، و«حُلم ماكينة الخياطة» لبيانكا بيتسورنو، و«الغرفة العائمة» لروبرتو باتسي.
هنا حوار معها حول ملامح خصوصية اللغة الإيطالية بالنسبة لها وارتباطها بالثقافة العربية، ورؤيتها لعلاقة القارئ العربي بالأدب الإيطالي، وأبرز محطاتها مع الترجمة الأدبية.

> بداية أهنئك على هذا التكريم المستحق وأسألك: كيف تنظرين إلى هذه اللحظة المبهجة، وماذا يعنيه لكِ ولمسيرتكِ في الترجمة منحُكِ وسام نجمة إيطاليا برتبة فارس؟
- أنا سعيدة بهذا التكريم، وهو يعني أن العمل على إنشاء جسور بين الثقافتين الإيطالية والعربية وإقامة حوار مستمر بينهما هو جهد مُقدر، يُنظر له بعين الاعتبار والتكريم. وهو أيضاً دفعة كبيرة لي لأجل الاستمرار في العمل الجاد على عقد صلات أكاديمية وثقافية بين مصر وإيطاليا.
> حدثينا عن علاقتك باللغة والثقافة الإيطالية، وكيف تشكلت منذ البداية، ما هي ملامح خصوصيتها بالنسبة لكِ؟
- في الحقيقة مرت علاقتي باللغة والثقافة الإيطاليتين بمراحل مختلفة مُتدرجة، فقد بدأت دراسة اللغة الإيطالية منذ مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، ثم التحقت بقسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن، ثم تخرجت وبدأت الحياة الأكاديمية والدراسة بين مصر وإيطاليا. وهكذا كلما اتسع حقل الدراسة، وكلما اتسع نطاق المعرفة والاطلاع، زادت نقاط الاتصال بالثقافة والمجتمع الإيطالي.
الثقافة الإيطالية لها خصوصية كبيرة بالنسبة لي تنبع بالأساس من تقاربها الواضح مع الحضارة المصرية، في مراحل مختلفة، ومع الثقافة العربية بفعل الحضور العربي في صقلية لمدة قرنين، وأضيف إلى هذه الخصوصية التناغم الذي يجمع شعوب ضفتي البحر المتوسط، وكون الثقافة الإيطالية بوابة ذهبية في الوقت نفسه للثقافة الأوروبية في عمومها. وهذه كلها عناصر تنفي أي شعور بالغربة عند الاقتراب من الثقافة الإيطالية بمفرداتها المختلفة.
> كيف عزز جمعكِ بين المسارين الأكاديمي والترجمة الأدبية مشروعك المهني؟
- هما في الحقيقة مساران لا يفرض أي منهما على الآخر نفسه بالضرورة، فأستاذ الجامعة لا يكون بالضرورة مترجماً أدبياً، والعكس صحيح أيضاً، ولكن تجمع بينهما ضرورة الاطلاع الواسع، والمعرفة المتعمقة بالثقافتين العربية والإيطالية، والقدرة على إحداث التوازن بين واقعين يتميزان بخصوصية كبيرة؛ وأنا شخصيًا أعتبر نقطة الإدراك الواسع لأبعاد الثقافتين، والتعبير المتوازن عن كل منهما على الضفة المواجهة، نقطة مركزية في المسار الأكاديمي والعملي.
> اهتمام القارئ العربي بالآداب الإنجليزية واللاتينية أصيل وتقليدي، كيف يمكن وصف مدى اهتمامه بالأدب الإيطالي خلال السنوات الأخيرة؟
- أعتقد أنه لا يمكننا الحديث عن اهتمام القارئ العربي بالأدب الإيطالي دون الحديث عن حجم الإنتاج الذي يوجه له، وهو في الحقيقة - ورغم زيادة عدد الترجمات في السنوات الأخيرة - لا يزال بحاجة إلى تعزيز وتدعيم، ومواكبة لاتجاهات الإنتاج الأدبي المعاصر في إيطاليا. لا يمكن أن نلفت انتباه القارئ إلى مؤلف أو عمل إلا عبر خلق حالة أصيلة حول الكتابة، ولا يحدث هذا إلا بكثرة الأعمال المترجمة وتنوعها لكاتب بعينه، كما هو الحال مع ألبرتو مورافيا وإيتالو كالفينو، اللذين ترجم كل منهما لأكثر من عشرين مرة في أنحاء الوطن العربي، أو بوجود جدل حوله، كما هو الحال مع دانتى أليجييري، شاعر إيطاليا الكبير، وعمله الأعظم «الكوميديا الإلهية»، ومدى تماسه مع الثقافة العربية والإسلامية. وفي النهاية، تجد الأعمال المهمة طريقها إلى القارئ في أي زمن وأي مكان.
> في «الغرفة العائمة» للكاتب الإيطالي روبرتو باتسي، مزيج سردي مستوحى من حضارات قديمة؟ هل ألقت حُمولة التاريخ في الرواية على تحديات ترجمتكِ لها؟
- اختار باتسي لروايته «الغرفة العائمة» لحظة تاريخية للإمبراطورية الرومانية ولمصر، وهي لحظة سقوط آخر ملوك الأسرة المقدونية، بعد هزيمة جيش أنطونيوس وكليوباترا أمام جيش أوكتافوس، قيصر روما الجديد، واختار باتسي لروايته بطلاً، هو ثمرة من ثمار التقاء هاتين الحضارتين العظيمتين، ألا وهو قيصرون، ابن يوليوس قيصر وكليوباترا. يفرض السياق التاريخي على المترجم ضرورة الاطلاع على تفاصيل تلك اللحظات التاريخية المؤثرة وما تضمه من شخصيات، يغلب عليها الحضور اليوناني والروماني، ويضيف باتسي إلى هذه المهمة تحدياً مختلفاً، بأن يُجيد إخفاء الخط الفاصل بين الحقيقة التاريخية الموثقة، والخيال. فهو ينطلق من سياق تاريخي محدد، معروف للجميع، ويتجه إلى أفق يحتفي بالرؤية والخيال.
> ما أكثر ما جذبك في رواية «أنطونيو الجميل» التي تُعد واحدة من أشهر أعمال فيتالينو برانكاتي وإثارتها للجدل منذ نشرها؟
- «أنطونيـو الجميـل» هـي واسطة العقـد في ثلاثية فيتاليانو برانكاتي، التي تتألف أيضاً من روايتي «دون جوفاني (جوان) في صقلية»، و«باولو الساخن»، وهي تدور حول موضوع الزهو الذكوري الصقلي بطريقة تجمع بين العام والخاص، السياسي والشعبي، وتتماس فيها الإشارة إلى النظام الفاشي المزهو بنفسه دون فعالية حقيقية، والأعراف الصقلية الاجتماعية الذكورية. أكثر ما يجذب في هذه الرواية هو أنها تعكس المجتمع الإيطالي في خمسينيات القرن الماضي، على المسارين السياسي والاجتماعي، وعلى المسار الفني أيضاً. فقد صدرت الرواية في أوج حركة الواقعية الجديد، واهتمت بالتعبير عن الواقع المحلي في شتى مناحيه، وابتعدت عن مركزية العاصمة لتكشف لنا عادات وأعرافاً جنوبية أصيلة. ورغم أن روايات الواقعية الجديدة قد كرست لتجربة كتابها الشخصية ومعاناتهم تحت حكم النظام الفاشي، إلا أن رواية برانكاتي تُخضع الفاشية لنزعة الزهو الذكوري المحلية، فتنتقل نظرة المؤلف من الخاص إلى العام، ومن الرغبات الشخصية إلى التاريخ الإيطالي بين عامي 1930 و1943.
> برأيكِ ما الذي يجعل «المسيح توقف عند إيبولي» مُلهمة للترجمة وللقراءة حول العالم؟
- «المسيح توقف عند إيبولي» هي إحدى العلامات البارزة في تاريخ رواية الواقعية الجديدة في إيطاليا، وهي رواية سيرة ذاتية لمؤلفها كارلو ليفي، الطبيب والرسام والأديب الإيطالي الشهير، والمعارض للفاشية. لا يستعرض ليفي في الرواية حياته كلها، بل يقص الفترة التي قضاها منفياً في إحدى بلدات جنوب إيطاليا التي لم تصل إليها الحضارة المدنية بأي صورة. في هذه النقطة لا يوجد التاريخ في صيغته التي نعرفها، ولا يوجد الدين، ولا العلم، ولا التفكير المنطقي. هناك، في هذه البلدة التي تُسمى أليانو يوجد عالم مختلف، له مفردات مختلفة وقيم مغايرة. وهناك، في هذه البلدة، يلتقي عالمان، عالم فلاحي أليانو الذين يرددون مقولة أن «المسيح توقف عند إيبولي» في إشارة إلى ما يتلقونه هم من معاملة لا تمت للإنسانية بالصلة من جانب سادة روما، وعالم الطبيب الموضوعي، والفنان والأديب المثقف الذي تلقى تعليمه في تورينو. وحول التقاء هذين العالمين شديدي الاختلاف تدور رواية ليفي، ومن هذه النقطة تأتي عالميتها.
> «حُلم ماكينة خياطة» بما فيها من حكايا منسوجة وتحية لحكايا الجدات... كيف انعكست على ترجمتك لتلك الرواية، وكيف وجدت تقديم «بيانكا بيتزورنو» الذي ربطت فيه بين العالم المُتخيل لتلك الرواية وصلته بالواقع؟
- كل القصص التي تقدمها رواية «حلم ماكينة الخياطة» تدور خلف أبواب مغلقة، ولا سبيل لمعرفتها سوى أن تجتاز بنا آلة الخياطة تلك الأبواب. أما مدى واقعية تلك القصص فقد حددته لنا المؤلفة في مقدمتها حين قالت إن القصص والشخصيات الواردة في الكتاب خيالية، لكن كل حكاية تنطلق من حدث وقع بالفعل، وإنها قامت بإحكام الأحداث، واخترعت بعض التفاصيل وأضافت شخصيات ثانوية عليها. وبعيداً عن كلام بيتسورنو نفسه، تقدم الرواية بدقة البعد الطبقي للمجتمع الإيطالي في النصف الأول من القرن العشرين، والنظرة الذكورية المتحكمة فيه، ووضع المرأة بين طبقة عاملة كادحة تمثلها الراوية نفسها، وسيدات برجوازيات متفتحات وواثقات من أنفسهن، أو أخريات خاضعات خانعات.
> مهما بلغت احترافية المترجم، هل يمكن أن تكون كافية لعملية الترجمة دون تماهيه مع النص... كيف ترين ذلك؟
- لا أعتقد أن المترجم يجب أن يتماهى مع النص، لأن هذا سيأتي على حساب النص ذاته ومؤلفه وسماته الأسلوبية التي يجب أن تبقى واضحة حتى في النص المترجم، وهذا ما يميز المترجم المحترف، ألا وهو الفهم العميق للنص، ولسياقه، ولخصائص مؤلفه الأسلوبية واللغوية، ونقل كل هذا في إطار ما هو مكتوب أمامه، فيعبر عما هو جلي بوضوح ويترك ما هو رمزي على حاله.
> أخيراً... مع الزيادة الملحوظة لعدد الأعمال المُترجمة في الفترة الأخيرة، هل تعتقدين أن تلك ظاهرة إيجابية أم عشوائية فيما يتعلق بجودة الترجمة؟
- لا أرى، في الحقيقة، علاقة بين الكم والكيف هنا إلا إذا كنا نتكلم عنهما في إنتاج مترجم بعينه، أما إذا تحدثنا بشكل عام، فكثرة الترجمات ظاهرة إيجابية، ولكن المشكلة تكمن في غياب الاجتهاد الموازي لهذه الكثرة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».